توجد حركة مسرحية نشطة في الإمارات، ويوجد مسرح نوعي متميز يشاد به في المهرجانات المحلية والخليجية والعربية، أي يوجد مسرح إماراتي مشاهد وتفتح حوله النقاشات الفنية، ولكن لا توجد حركة مسرحية نشطة في الإمارات، بمعنى أن الجمهور محروم من نشاط هذه الحركة الفنية فعلياً .
ولا توجد على مدار العام ومواسمه عروض مسرحية تنتقل من إمارة إلى إمارة ومن خشبة مسرح إلى أخرى، في ظل وجود العشرات من قاعات العرض المسرحية المنتشرة في الدولة والمجهزة بأحدث التقنيات الفنية.هذا الإشكال الكبير، وهذا اللغز لا يفهم ولا تفك شيفرته إلا إذا فهمنا معطيات المسرح الإماراتي ومعطيات حركته خلال العام.
سنوياً تنتج الساحة المسرحية المحلية فيما يقارب من 15 عملاً مسرحيا، هذا الرقم يكبر قليلاً ويصغر قليلاً دائماً، لكن يبقى هذا الرقم هو المتوسط العام للأعمال المسرحية المنتجة سنوياً، والتي تنتجها الفرق المسرحية المنتشرة في أرجاء الدولة والرقم أيضا مقارب لعددها.
أين تذهب هذه العروض المنتجة؟ بالتأكيد كلها عروض معدة لمهرجان أيام الشارقة المسرحية، هذا المهرجان الذي انتشر صيته الفني في الساحة الثقافية العربية وصار مقصداً للنقاد والمسرحيين العرب والخليجيين نظراً لاحتوائه على عدد كبير من العروض المسرحية ونظرا لفرادة وتميز هذه العروض التي يتحدث عنها اليوم كل المسرحيون العرب.
في غضون عشرة أيام هي عمر المهرجان تكتظ هذه العروض على خشبات المسرح في الشارقة ومن بعدها ينفض السامر إلى الموسم القادم.. وبالتالي نستطيع القول أن الموسم المسرحي في الإمارات يمتد فقط لعشرة أيام ثم تنام الساحة المسرحية احد عشر شهراً وعشرين يوما، أي سنة ينقص منها عشرة أيام فقط.
ونتيجة لواقع هذا الحراك المسرحي الفريد والغريب يغيب المسرح الإماراتي عن ساحته الحقيقية، ساحة الجمهور وتفاعله مع المجتمع وأفراده، فالجمهور في الإمارات اليوم لا يحفظ اسماً من 15 اسما لمسرحيات عرضت هذا العام، ولا أين عرضت ولا أي المواضيع عالجت ومن هم مؤلفوها ومن هم مخرجوها ومن هم ممثلوها.
. وحينما يبدأ باحث في تقصي ملامح العلاقة بين المسرح المحلي وجمهوره وتأثير الحركة المسرحية في بيئتها، على نحو ما يحدث في كل بيئة تتعاطى الفن المسرحي كجانب من جوانب ثقافتها اليومية يصدم بحقيقة الغياب، وبجهل الجمهور، وبإضراب العلاقة بين مسرح يوجد في مكان ما وبين جمهور يواجه هذا المسرح.
لهذا تصنف حالة الحراك المسرحي في الإمارات بالنادرة والغريبة والفريدة في الوقت نفسه. وندرتها تأتي من معقولية القبول بأن للمسرح في الإمارات عمرا يزيد على الأربعين عاماً، ومن عدم القبول بهذه الحقيقة، إذ لا يمكن لحركة مسرحية لها مثل هذا العمر الطويل هي ميتة وغير متفاعلة وغير مؤثرة في حياة الناس وفي الوقت نفسه هي تعيش بينهم وتتنفس.
وغرابتها تأتي من أن المسرحيات المحلية التي نتجت عبر هذا العمر ومن هذا التراكم الفني والى هذا اليوم هي مسرحيات يصنفها النقاد والأكاديميون في حكم الأعمال المسرحية المهمة والتي من حقها أن تنتشر وتعمم وان يتعاطى معها قطاع كبير من المفكرين والمبدعين والنخب بالإضافة إلى جمهور العامة.
وفرادتها ان أعمال المسرح المحلي هي أعمال محافظة إلى درجة عالية على أخلاقياتها الفنية، أي بمعنى انها لم تتبع التيار التجاري ولم تستهلك نفسها في التسلية المجانية..
هذا العام وخلال الدورة الجديدة لمهرجان أيام الشارقة المسرحية التي انعقدت في شهر مارس الماضي قدمت الفرق المسرحية المحلية 13 عرضاً مسرحياً تمثل نتاج 13 فرقة مسرحية محلية، ومنذ انتهاء أعمال الدورة المسرحية والى اليوم لم تتجرأ فرقة مسرحية على التطواف بين إمارات ومدن الدولة لعرض مسرحيتها الجديدة التي لم يشاهدها سوى الفنانون أنفسهم وأعضاء لجنة التحكيم.
جمعية المسرحيين بالدولة وبناء على دعم وتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة والأب الروحي لمهرجانات أيام الشارقة المسرحية أعلنت عن توليها تسيير عروض مسرحية لمجموعة مختارة من الأعمال المسرحية.
يبلغ عددها ستة عروض مسرحية، في محاولة لوضع أساس لموسم مسرحي لا يتوقف بعد انتهاء أعمال مهرجان أيام الشارقة المسرحية، بحيث تطوف هذه العروض المنتخبة على خشبات مسارح الدولة لاستقطاب اكبر شريحة من الجمهور.
وللتعريف بالعروض الجديدة التي استحقت التقدير والاحترام من جمهور النخبة ولنشر الوعي الذي تبثه دلالات هذه الأعمال ومواضيعها المهمة.. فهل تنجح هذه المهمة في خلق مشهد مسرحي مستمر طيلة العام، وبالتالي تتضح من خلاله ملامح المسرحي المحلي وتأثيره في بيئته؟
سؤال لا بد وان يرمى على طاولات إدارات الفرق المسرحية وخصوصا التي تم انتقاء أعمالها لتسيير الموسم الصيفي للمسرح المحلي. فهذه الإدارات وجميع إدارات الفرق المسرحية تحتاج إلى نقطة انتباه باتجاه الدور الحقيقي الذي يجب أن تلعبه فرقهم المسرحية في إعادة توازن العلاقة بين المسرح الإماراتي وجمهوره، وحل عقدة القطيعة والغياب..
ستة أعمال مسرحية محلية عدها نقاد المسرح ولجنة تحكيم مهرجان الشارقة المسرحية في دورته الأخيرة من أهم أعمال المسرح المحلي هذا العام ستطوف مسارح الدولة في دعوة مباشرة للمسرحيين والجمهور أيضا للتعاطي مع موسم مسرحي صيفي، قابل لأن يتكرس كل عام لإعادة إنعاش الحالة الطبيعية للمسرح في علاقته بجمهوره.
. الأعمال المنتقاة تمثل خلاصة نتاج عمل استمر لأيام طويلة تقدم شريحة كبيرة من الممثلين الإماراتيين، ونصوصا مسرحية محلية وعالمية وعربية، وتقدم شريحة من المخرجين وتقدم تأملات مهمة في الواقع الإنساني الخاص والعام.
«آه قلبي» مسرحية من تأليف احمد بورحيمة ومن إخراج المخرج الشاب محمد العامري.. عمل مسرحي يستعيد مع جمهوره لحظة من لحظات الماضي بين حبال زمن الغوص على اللؤلؤ وامرأة عجوز تحذر من زمن جديد ومن خطر انتهاك حقوق الإنسان.
«حكايات من أزقة العالم الثالث» عمل من إعداد المخرج العراقي قاسم محمد يقدم مشاهد تصرخ في وجه الاستبداد والاستعباد واستغلال المجتمعات الصغيرة والفقيرة، وفي رحلة مع مواطن عربي من العالم الثالث أرغمه العالم الأول على بيع واكل لحم الفئران.
«مرادي» من تأليف الكاتب سالم الحتاوي ومن إخراج احمد الأنصاري وهذا العمل يبحث في معنى الارتباط الحقيقي والولاء للوطن، مع جندي بلا أوراق ثبوتية لكنه يفتدي وطنه الذي تربى وعاش فيه بحياته.
«بقايا جروح» مسرحية من تأليف الكاتب إسماعيل عبدالله ومن إخراج المخرج المتميز ناجي الحاي، عمل مسرحي يعرض لحكاية من البيئة المحلية تتناول الجشع وحب المال والتضحية بالمثل الإنسانية.
«بحسن نية» من تأليف عبدالله مسعود ومن إخراج خليفة التخلوفة عمل مسرحي يقدم حالة إنسانية من خلال سجين تسببت نواياه الحسنة في دخوله السجن تحت الأرض ومن خلال الأحداث نكتشف ان موضوعة العرض تأخذنا إلى سؤال صريح باتجاه الواقع الحالي.. العيش تحت الأرض ارحم من العيش فوقها.
«مركب النار» من إخراج عارف سلطان ويتميز هذا العرض بتقنياته المسرحية التي أهلته للفوز بجائزة الإخراج ويقدم شخصية الرجل المسلم الذي يتفانى في نشر القيم الأخلاقية ونبذ اضطهاد البسطاء.
ستة أعمال مسرحية جيدة وتستحق ان يشاهدها جمهور عريض من الجمهور، فإذا ما نجح موسم جمعية المسرحيين في إيصال رسالته وجدواه فإننا نتوقع أن يحدث تغيراً كبيراً في واقع الغياب القطيعة التي يعيشها المسرح المحلي وجمهوره.
مرعي الحليان