انتهى «احتفال الأبطال» كما يسميه الاتحاد الدولي لكرة القدم أو «كأس العالم المصغرة» كما يسميها الألمان أو «كأس الفيفا للقارات» حسب التسمية الرسمية لها والتي استمرت 15 يوماً كانت عيداً للشعب الألماني، رغم عدم الفوز باللقب، ومهرجاناً كروياً من الطراز الرفيع للعالم أجمع حيث نقلت المباريات لـ 187 دولة وتابع 3200 صحافي جميع تفاصيلها وأخبارها.

انتهت المباريات الـ 16 وبقيت ذكرياتها عالقة في الأذهان إلى جوار انطباعات عن المباريات وكواليسها، وعن أفراح الجمهور والملاعب التي ارتدت أجمل حلّة قبل عام من استضافتها لمونديال 2006 الذي يعتبره الألمان أهم تحدِ يواجهونه تنظيمياً وكروياً.وقد قدمنا لقرّاء «البيان الرياضي» عبر الأيام الخمسة عشر الماضية تغطية خاصة للبطولة من قلب الحدث سواء في فرانكفورت أو كولون أو نورمبيرغ.

ولقاءات خاصة مع كبار النجوم الألمان من الجيل الذهبي لمونديال 1974 أو من النجوم الآخرين الذين تواجدوا في ألمانيا لمتابعة البطولة، واليوم نبدأ سلسلة من الحلقات لتسجيل انطباعاتنا ومشاهداتنا عن تلك البطولة سواء في الملاعب أو الشوارع، وبين المسؤولين الرسميين والجمهور الألماني وغير الألماني الذي أضاف حلاوة للبطولة وملأ مدرجاتها حتى لو كانت في المباريات التي لا يتنافس فيها المنتخب الألماني.وستكون أولى الحلقات من انطباعاتنا عن البطولة في حد ذاتها وقيمتها الحالية وتفاعل الشعب الألماني والمسؤولين الألمان معها.

أسماء كثيرة لبطولة واحدة

يصر الألمان على تسمية البطولة بـ «كأس العالم المصغرة» وهم بذلك يبررون الاهتمام الرسمي الكبير بها، والذي رافقه اهتمام جماهيري كبير، وجاء هذا الاهتمام الرسمي بعد طول جفاء من شأن وقيمة البطولة بل طالب بعض مسؤولي الأندية الألمان وفي مقدمتهم رومنيغيه رئيس نادي بايرن ميونيخ بإلغاء البطولة على اعتبار أنها مضيعة للوقت ولجهد اللاعبين وأنها لا تمثل قيمة كبيرة.

وقد سألت عدداً من كبار نجوم الكرة الألمان الذين يتولون حالياً إدارة الأندية والتحليل الكروي للمحطات والصحف الألمانية عن هذه «الازدواجية» أو «الكيل بمكيالين» كما يسمونه أهل السياسة، فقد حلّ الاهتمام الرسمي بالبطولة فجأة وخرست كل الأصوات «المناهضة» لها!

وقال بول برايتنر أحد أعضاء المنتخب الألماني الذهبي بطل أمم أوروبا 1942 ومونديال 1974 «إن الألمان كانوا ينظرون إلى البطولة من مصلحة الأندية التي لا تريد الزج بلاعبيها إلا في بطولات كأس العالم وتصفياتها وبطولة أوروبا وتصفياتها، وقد انضم الجمهور لهم في ذلك، ولو تلاحظ فإن ألمانيا لم تشارك في بطولة كأس القارات عام 1997.

رغم كونها بطلة أوروبا 1996 وشاركت في بطولة 1999 بالمكسيك حرصاً على عدم إغضاب «الفيفا» قبل عام من المشاركة في التنافس على استضافة مونديال 2006 التي جرى التصويت عليها عام 2000 وكانت تلك أسوأ مشاركة للمنتخب الألماني في بطولة دولية وساهمت في عدم تقبل الألمان لإقامتها.

لكن الحال الآن تغير لمصلحة ألمانيا سواء لتجريب الإجراءات التنظيمية قبل عام من استضافة كأس العالم وهي إجراءات أصبحت أكثر تعقيداً وأكبر جهداً من استضافة بطولة عام 1974 فجاء الاهتمام بها رسمياً وجماهيرياً.وعاد ليقول «ليس في الأمر معايير مزدوجة ولكن أي شخص يتعامل مع البطولة وفق مصلحته كما أن تغيير نظام البطولة لنظام مرة كل 4 سنوات بدل سنتين ساهم في تغيير النظرة نحو البطولة».

وضحك غونتر نيترز زميل برايتنر في المنتخب الألماني بطل أوروبا 1972 والعالم 1974 والذي رافقه في رحلة الاحتراف في ريال مدريد، ضحك على عبارة «المعايير المزدوجة» التي تعاملت فيها ألمانيا مع البطولة سابقاً والآن. وقال «يحق لك أن تقول هذا الكلام وتستغرب سكوت رومنيغيه عن انتقاد البطولة الحالية بعد أن انتقدها سابقاً.

فالواقع أن الألمان وجدوا أن البطولة الحالية بشكلها الحالي مفيدة جداً لألمانيا سواء للجنة المنظمة لاختبار إجراءات التنظيم والخطط الجديدة فيه أو للمنتخب الألماني الذي وجدها فرصة ذهبية للدخول في منافسات رسمية قوية لاختبار قوة المنتخب وتجربة اللاعبين الجدد الذين يحتاجون إلى اكتساب المزيد من الخبرة والانسجام، لأن المنتخب يضم لاعبين شباباً جدداً لم تتم تجربتهم في مباريات رسمية مهمة.

ولا يمكن الاكتفاء بالمباريات الودية لإعدادهم لأنها تقام في أجواء ودية وهي أجواء لا يمكن الاعتماد عليها لبناء فريق جديد قادر على المنافسة». وأضاف «ومن هنا جاء الاهتمام الألماني بالبطولة، وتفاعل الجمهور الألماني بروعة مع هذا الاهتمام من اللجنة المنظمة والمنتخب، ولكن حتى لا نكون أنانيين فيجب أن نعترف بأهمية البطولة لكل من ينظمها مستقبلاً وأن نشارك لو كنا مرشحين للمشاركة لأن الآخرين شاركونا بقوة في البطولة التي نظمناها ويجب أن نعاملهم بالمثل».

وقال الكوري الجنوبي د. جون مون جونغ نائب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «كيف يقلل البعض من قيمة البطولة، شاهد بنفسك الجمهور الرائع ـ أثناء مباراة اليابان واليونان ـ والفرحة التي يعيشونها، البطولة ناجحة جداً وستستمر». ولم يختلف رأي محمد بن همام رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم عن رأي د. جونغ حيث قال لنا «البطولة قد لا تكون مهمة للأوروبيين لوجود بطولات قوية للأندية والمنتخبات.

ولذلك قد لا يكونون مهتمين بها، لكنها مهمة بالنسبة لآسيا وأوقيانوسيا وأفريقيا لأنها تتيح لنا التواصل والاحتكاك الدولي، ولذلك نحن نحتاج لها وندعمها». وأضاف «قرار إقامة البطولة كل 4 سنوات وفي الدولة التي ستستضيف نهائيات كأس العالم وقبل عام واحد من النهائيات زاد من أهميتها بالنسبة لـ «الفيفا» وللدول المشاركة وتحديداً للدولة التي ستستضيف نهائيات كأس العالم».

هدية «الفيفا»

ويصر الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» على أن دور البطولة وأهميتها أكبر من أن تكون مجرد اختبار للدولة التي ستستضيف نهائيات كأس العالم كما يقول جوزيف بلاتر رئيس «الفيفا» في كلمته الرسمية للبطولة، وقد نجح «الفيفا» في تطوير البطولة التي أطلقتها الشقيقة السعودية وتحويلها إلى بطولة ذات أهمية كبيرة دولياً ومنحها لقبه.

لكنه أهمل ذكر فضل صاحب الفكرة الأصلية، ورغم ذلك فلا يمكن التقليل من دور «الفيفا» في دعم البطولة وتطويرها حتى أصبحت بحق ثاني أهم بطولة في أجندته الدولية، خصوصاً حين حدد مدة إقامتها بمرة واحدة كل 4 سنوات بدلاً من سنتين مما يقلل من المعارضة ضدها، وأيضاً حين أناط استضافتها بالدولة التي ستستضيف نهائيات كأس العالم وقبل عام واحد من موعد المونديال لتكون هذه البطولة هدية من «الفيفا» للدولة التي ستستضيف نهائيات كأس العالم لأنها ستتيح لها تنظيم البطولة على الملاعب التي تم تشييدها وتطويرها من أجل استضافة المونديال.

فتنال تلك الدولة إيراداً مالياً من بطولة ستقام على ملاعب جاهزة، كما ستمنح الدولة فرصة لتجربة خطوات الاستضافة وتدريب المتطوعين واختبار الإجراءات الأمنية، كما ستمنح منتخب الدولة المضيفة فرصة المشاركة في بطولة رسمية وخوض مباريات تنافسية تساهم في تهيئة المنتخب لخوض نهائيات كأس العالم مستفيداً من تجربة اللعب في بطولة دولية رسمية.

كونه لم يشارك في مباريات رسمية بسبب تأهله تلقائياً للعب في نهائيات كأس العالم في حين يخوض منافسوه سلسلة من المباريات في التصفيات التي تزيد من قوتهم وترجح كفتهم في النهائيات، وهي أيضاً هدية للجمهور الذي سيتابع البطولة للاستمتاع والاطلاع على إجراءات الاستضافة واختبار كل الوسائل التي تضمن له الاستمتاع أثناء المونديال بعد عام.

بروفة

ما دامت البطولة بروفة لجميع المنتخبات لاختبار قوتها والسكن والتنقل بين المدن الألمانية وفق برنامج المباريات وبروفة للعب على الملاعب الألمانية بكل اختلافاتها، وهي أيضاً بروفة للجمهور لاختبار التنقل بين الملاعب في المدن المختلفة بواسطة شبكة القطارات والتعوّد على أجواء ليالي الترانزيت في المحطات وإيجاد أفضل وأقصر الطرق لبلوغ الهدف.

فلماذا لا تكون البطولة بروفة للصحافة أيضاً في التعوّد على التنقل بين الملاعب والتعوّد على حجوزات القطارات والفنادق أثناء البطولة وعلى الإجراءات الصارمة التي تطبقها اللجنة المنظمة وفقاً لتعليمات «الفيفا» الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ومن يدري قد أكون محظوظاً بالحصول على فرصة تغطية مونديال 2006 مثلما كنت محظوظاً وحصلت على ترشيح صحيفتي لتغطية كأس القارات التي كانت بحق ثاني أهم بطولة في أجندة «الفيفا» بعد المونديال.

احتفال الأبطال

أطلق الاتحاد الدولي لكرة القدم وصفاً للبطولة هو «احتفال الأبطال» وتفاعلت المنتخبات المشاركة مع البطولة واستعدت لها جيداً باستثناء اليونان حيث فشل أبطال أوروبا فشلاً ذريعاً ولم يحرزوا سوى نقطة واحدة من منتخب المكسيك متصدر المجموعة الثانية الذي لعب سعياً وراء عدم إرهاق وإصابة لاعبيه ولعب لضمان الحصول على نقطة وحيدة كافية لإبقائه في الصدارة فكان التعادل السلبي بين المكسيك واليونان لعباً ونتيجة.

أما الباقون فبذلوا أقصى جهد للتنافس كل حسب قدرات لاعبيه فحاول الأستراليون وخانتهم قلة الخبرة والقدرة على مقارعة الكبار، فيما اجتهدت اليابان وتونس وسعى مدرب ألمانيا لتجربة أكبر عدد من اللاعبين وأكثر من أسلوب للوصول إلى أفضل تشكيلة ممكنة سعياً لتثبيتها في الشهور المقبلة قبل المونديال، ووحدهما منتخبا البرازيل والأرجنتين خاضا المباريات بأسلوب تحقيق الهدف عبر بذل أقل قدر من الجهد.

فمال لاعبو المنتخبين إلى الاستعراض الممتع ولجأ مدرباهما لتجربة لاعبين جدد في مراكز جديدة دون أن يدعا زمام السيطرة على الأمور يفلت من أيديهما رغم بعض الإحراجات للبرازيل أمام المكسيك واليابان، ولذلك حين قال الجميع إن منتخب البرازيل متعب وهو دون المستوى الذي نعرفه لكرة البرازيل.

وحين قال بيكنباور إن منتخب البرازيل يتعامل مع البطولة وكأنها مباريات ودية كشر البرازيليون عن أنيابهم وسحقوا الأرجنتين برباعية مع الرأفة وقدموا عرضاً في منتهى الروعة أضاف للبطولة رونقاً جديداً وقيمة أكبر وجعلها بحق احتفالاً للأبطال، وهل هناك أبطال أهم من البرازيل؟ وهل هناك أحلى من رقص السامبا في الملعب أثناء المباراة وبعدها.

أين صاحب «العُرس» ؟

إذا كنا نعرف أن السعودية هي صاحبة الفضل في إطلاق البطولة التي حملت في بدايتها اسم الملك فهد ثم تغير الاسم إلى «كأس الفيفا للقارات» فنال «الفيفا» كل الأضواء ولم يعط صاحب الفكرة أي ذكر يستحقه في كتب البطولة ومنشوراتها حيث اكتفى «الفيفا» بالقول إن البطولة ظهرت إلى الوجود في السعودية عام 1992 باسم «البطولة القارية»، ولم يقل أكثر من ذلك في حق السعودية، كما لم يقم بدعوة أي ممثل عن السعودية لحضور افتتاح أو اختتام البطولة.

وترك السعوديون مسرح الحدث ولم يتوجه أحد إلى هناك ليقول ـ ولو عبر لقاء صحافي مع الإعلام العالمي مرتب له مسبقاً أو حتى مدفوع الثمن ـ إن السعودية أسست البطولة وقدمت كأسها الأولى لدعم كرة القدم العالمية.. وغيرها من العبارات التي تؤكد دور السعودية في إطلاق البطولة التي أصبحت ثاني أهم بطولة في أجندة «الفيفا».

وقد كشف استفتاء أجريناه على جمهور البطولة عن جهل تام من الجمهور الألماني وعشاق الكرة الذين حضروا لألمانيا بتاريخ البطولة وكيفية ظهورها واسم صاحب الفكرة التي أدت إلى ظهورها، وهم لا يعرفون عن البطولة سوى خسارة ألمانيا المذلة في بطولة .

كتب سامي عبدالإمام