النحات الجزائري محمد بوكرش لـ «البيان»: عندما كثرت الأحزاب وقع الفنان ضحية المصالح

الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 حين التقيانا بالفنان التشكيلي والنحات الجزائري محمد بوكرش كان قد عاد للتو من سفر طويل قاده الى الصين للمشاركة في تصميم روائع فنية هناك مع كوكبة من خيرة الرسامين في العالم عمرت متحف الهواء الطلق في «تشانج شون»، وكان يستعد لرحلة أخرى، الى الولايات المتحدة للمشاركة في معرض ضخم. كان الحديث معه رفيعا، فهو يتعدى المعنى العام للفنان يعطي لإبداعه بعدا فكريا وفلسفيا.وقد أحب محمد الرسم في سن مبكرة وتعلق بتلك الخطوط التي كان يرسمها والده المعماري، فحسم مصيره صغيرا وكان فنانا مبدعا عبر منحوتاته ولوحاته التشكيلية. وهو اليوم من أبرز التشكيليين والنحاتين الجزائريين، حضوره قوي ومتميز في كل المعارض في بلده وخارجها، زار عددا كبيرا من البلدان من جنوب إفريقيا الى شمال أوروبا، الى أميركا وآسيا. وهذا نص الحوار:ـ هل محمد بوكرش يرسم لذاته أم للآخرين؟ ـ الفنان من طبعه أن يتعامل مع المشكلة ويبذل جهدا لتذليلها، وأكيد أنه في النهاية يحظى ببعض النجاح، ويحس بنشوة حتى ولوكانت نسبية، هذا النجاح هو غذاء روحي لأي فنان يعيش على هذه النشوة قبل الآخرين. والأشكال التي تعرض وتسمى أعمالا فنية ما هي في الواقع إلا التغني بذوق ومتعة نسبية ومن الصعب جدا الالتفاف حول تلك المتعة وإبرازها بالمعنى الصحيح في أي عمل. الفنان متأثر ومتغير نفسيا، وهناك نسبة من الحالات يجسدها على اللوحة، ومن جهته فالمتلقي الذي يحس بالعمل الفني ويعرف كيف يقرأه يرتقي بالمستوى. وأعتقد أن الآخر هو حاضر وأحيانا هو اللوحة ذاتها هو عمل مشترك بينهما، ويشترط على الملتقي أن يكون عالما بأبجديات الألوان واللمسات لكي يكون لديه تواصل مع الفنان أوالمبدع. ـ علاقتكم باللون واللمسة تتعدى حدود الإطار، هل تنتابكم حالات من الجنون مثل الشعراء؟ ـ في العادة مثل هذه اللحظات تنتابني في أواخر الليل وهي لحظات قصيرة ومكثفة، إنها أوقات تتحرك في فضاء صامت، وهي ثمرة مرحلة طويلة من التخمر، وأحيانا أستغني عن الكلمة ويأتي اللون فمن غير الممكن أن أشياء تحتاج للون ونقولها كلاما. إن التعامل مع لوحة زيتية وخاصة التجريدية منها الوسائل الوحيدة المقروءة فيها سمفونية. ألوان ولا حدود بين ذاك وذاك تتناغم وتنسجم دون نفور ولا يطغى ذاك على ذاك بل يجد كل من هذه الأوان قوته وقيمته بين الآخرين.واللون الواحد في مجموعة الألوان على اللوحة وجوده أسيا، فمجموعة الألوان هي حوافز تعطي للون الواحد وجود. ـ حركة الفن التشكيلي في الجزائر مرت بمراحل مختلفة الأوجه، في رأيكم ما هي أهم المنعرجات؟ ـ في البداية أقول أن حركة الفن في بلادنا من حيث المستوى موجودة ولكن متعثرة بالراهن. إن الفنان هو ثمرة معاناة والظروف عندنا كما تعلمون تخدمه لا محالة. لقد كان الفن يحظى بمزايا واهتمام من المسئولين لكن عندما كثرت الأحزاب كثرت المصالح ليقع الفنان ضحية هذا الواقع. المدرسة الجزائرية روادها كثيرون لها حضور متميز ومستواها راق جدا يمكن أن أذكر على سبيل المثال باية محي الدين، الاخوة راسم، محمد خدة،محمد إسياخم الخطاط محمد شريفي وآخرون... ما يمكن قوله هو أن هناك تواصلا في العطاء، هناك إقبال كبير جدا من الشباب الجزائري على اللون وبلا شك فالظروف الراهنة التي يعيشها فجرت فيه كثير من الطاقات وهي أحببنا أم كرهنا نوع من العلاج النفسي، غير أن ما أتأسف له هو عدم وجود حركة نقد تواكب هذا الزخم من الإبداع. ـ أين انت من خارطة هذا الإبداع المتدفق؟ ـ يقول الآخرون عني بأنني ريشة جريئة ومتمردة وأنا أحاول أن يكون لي وجود وكيان ونبض ولغة، لا أريد أن أكون منكمشا على ذاتي بل متفتح على الآخر وأتواصل معه. تخرجت من المدرسة العليا للفنون الجميلة عام 1979 بعدما نلت الجائزة الأولى على دفعتي، نظمت معرضا فنيا متنقلا جاب كل مناطق الجزائر ثلاث مرات في حياتي الفنية وأقمت معارض بعدد كبير من المدن خارج البلاد، ووجدت ثلاث من لوحاتي مكانا في أروقة متحف الفنون الجميلة الذي يعتبر ذاكرة الفن الجزائري. ـ مؤخرا عدت من الصين، ما هو تقييمك لهذه المشاركة الأولى من نوعها؟ ـ بعد قبول مشروعي من طرف مسئولي المتحف الصيني سافرت إلى مقاطعة جلين لإنجاز تحفة من الرخام الأبيض تحمل اسم الربيع علوها ثلاثة أمتار أخذت من الوقت شهرين وهي موجودة اليوم بمتحف الهواء الطلق بمدينة «تشانغ شون» وإلى جانب تحفتي هناك 60 أخرى أنجزها 60 فنانا من كل العالم وكنت أنا والفنانة العراقية لامعة جمال العربيان الوحيدان فقط، أقول إن هذا الإنجاز أثرى تجربتي بالاحتكاك مع رؤى أخرى والتعايش مع ثقافات متعددة الأوجه. ـ هل تطلعات حركة الفن في الوطن العربي هي في مستوى طموح المبدع؟ ـ ما أريد قوله أن الفن العربي فن مميز ويلقى الإقبال في العالم، فلنا حضور متميز عبر المنمنمات والخط العربي لكن الذي ينقصنا هوالتواصل بين المبدعين العرب بالرغم من تقاسم الهموم والآلام، لتكشف الجهود، فأنا على سبيل المثال عندما أرسم فأنا عربي بأعمالي وكل ما أفعله هو إضافة إلى الرصيد الإنساني إلى ما جادت به قرائح مبدعين من أنحاء العالم بمختلف ثقافتهم وحضارتهم وأنا ذاك الغصن الذي ينتمي إلى تلك الشجرة جذوري وحدودي تمتد من الماء وإلى الماء كما يقال. ـ سمعنا مؤخرا بأنك ستشارك في مسابقة بأميركا هلا حدثتنا عنها؟ ـ حقيقة هناك جمعية غير حكومية مقرها بنيويورك تنظم مسابقة لإختيار أحسن المشاريع الفنية أطلق عليها اسم «هرم الإنسانية» وهذه المشاريع تهدف إلى التقارب بين البشر وتبيد العنصرية والعرقية وتعمق الحوار والتواصل.وفبما يخص مشروعي فهو ثمرة رحلة بحث عمرها خمسة عشر عاما... رحلة هي إقتفاء أثر إجتهدت لأجد حلا للغز عمره قرون، لقد توصلت إلى وضع الرسم الصحيح للأرقام العربية، أشكال غير موضوعة في أي كتاب، وحاولت أن أفسر العلاقة بين المخترع والرقم، ولا سك أنها كانت علاقة صوفية. إن اختراع الأرقام من 1 إلى 9 الذي كان تتويجا لاختراع الخوارزمي الصفر يبقى من أعظم الاختراعات العربية الرائدة في العالم

طباعة Email
تعليقات

تعليقات