تأثير البيئة في مبدعي الامارات بين المطلق والولع بالبدايات

الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 كل ما يحيط الاديب من مشاهد طبيعية، او ممارسات يومية او احداث يضج بها العالم مهما بلغت، وكل ما تكون في داخل المبدع في قراءات، او انطباعات او قناعات لابد ان تشكل في المحصلة ذاكرته الابداعية، ولذلك قد يكون لتغيير المكان اثر كبير على كتابات المبدع مهما كان نوعها ويتجلى هذا بوضوح في اصدارات الكتاب العرب المقيمين على ارض الامارات. اذ احتلت البيئة المحلية جزءا لا بأس به في مساحة الذاكرة وبالتالي من مساحة الاصدارات. كنا قد رصدنا آراء لمبدعين عرب مقيمين في الدولة، وتعرفنا على اسلوبهم في التفاعل مع البيئة المحلية من خلال استطلاع سابق. اما الآن فنرصد آراء المبدعين الاماراتيين في طريقة تفاعلهم مع بيئتهم وكيفية تعبيرهم عن هذه البيئة. وتسلط الضوء على محاولات الاديب الاماراتي في خلق بيئته الابداعية الخاصة التي لا ترتبط الا بشخصيته كمبدع له تجاربه المتنوعة. يشير الاديب حارب الظاهري رئيس اتحاد كتاب وادباء الامارات في مستهل كلامه الى البيئة المحلية قائلا: «البيئة المحلية لها بروزها في الاعمال الادبية وبالاخص القصصية دافعة بذلك التفاصيل الدقيقة محدثة مجريات ذات لون مقروء، ونجح بذلك معظم الكتاب المحليين باضفاء هذه الناحية على كتاباتهم، وبرزت كثيرا في الحيثيات المحلية الى الناحية الابداعية التصويرية، واستطاع القاريء العربي ان يقرأ وكأنه يعيش هذه الصورة ولو بشيء قريب جدا، لكن لم ترق هذه الصورة الى ماسار عليه نجيب محفوظ وغيره من كتاب مصر بالذات لان اللغة التي يتعامل معها محفوظ مثلا تكاد تكون لها خاصية مقارنة بكل الاساليب الكتابية في الوطن العربي». الا ان الظاهري يؤكد «ان النصوص الحديثة في هذا الزمن بالذات استطاعت ان تخلق بيئتها من خلال نصوصها وليس من خلال البيئة المحلية لذلك صار هناك نوع من القفز فوق المحلية الى بيئة عامة في اطار الخصوصية». الشاعر ابراهيم محمد ابراهيم يقول: «البيئة المحلية ـ بمعنى البيئة التي يعيش بها الشاعر او الاديب ـ لابد وان يكون لها اثرها وانعكاسها في وعلى كتابته وابداعه بنسبة او بأخرى ذلك لان البيئة تشكل عنصرا اساسيا في المتكأ الثقافي العام للكاتب شأنه في ذلك شأن كل الناس في العملية التحصيلية للمعلومة والخبرة بمفهومها الواسع الا ان الاديب يختلف عن غيره من حيث تعامله الداخلي «النفسي والفكري» والخارجي «التعبيري» مع المعلومات والمشاهد والاحداث... الخ. وبالتالي «فالاديب لا يكتب من فراغ، وانما من خلال ذلك المتكأ الثقافي المعقد والمتداخل المستحضر من البيئة المحلية والخارجية. ومن خلال القراءة والمشاهدة والاستماع والمتابعة والاحتكاك والتفاعل. اما بالنسبة لحضور البيئة المحلية في كتاباته او كتابات غيره يقول ابراهيم: «هذا سؤال يجب ان يطرح على الناقد وليس على المبدع، فهو المعني الاول بسبر اغوار النص الادبي والكشف عن ظلاله ورموزه وايحاءاته لكنني رغم ذلك اقول: ان البيئة المحلية حاضرة بقوة في كتاباتي بل تكاد لا تخلو قصيدة من قصائدي من هذه الركيزة التي ليس لي فضل في استحضارها ولها كل الفضل في الحضور». اما عن قدرة القاريء العربي في تلمس مظاهر البيئة الاماراتية من خلال الادب يفترض ابراهيم «في القاريء العربي ان يستطيع تلمس مظاهر البيئة المحلية في كتابات مختلف الأدباء والشعراء في الاقطار العربية الأخرى، ومنها الامارات شريطة ان تتحقق لدى هذا القاريء عوامل عدة منها: الرغبة الحقيقية في العيش مع النص والتفاعل معه، لان ثمة قراء عرباً لا يستطيعون ان يتلمسوا المظاهر البيئية المحلية لشعراء في بلادهم، فضلا عن البلاد العربية الاخرى. اما العامل الثاني ان يكون لدى القاريء سابق معرفة أو خبرة ثقافية معينة عن هذه البيئة أو تلك ليتمكن من تلمس هذه المظاهر وهذا ما نتمناه من اولئك العرب الذين يعرفون حق «الجار الجُنب» ولا يعرفون حق الجار «ذي القربى». واخيراً ننظر الى مدى قدرة الإنسان العربي وخاصة المثقف على التأقلم والاندماج والتفاعل مع البيئة العربية الأخرى. وهنا احب ان انوه الى ظاهرة خطيرة على صعيد التوق الى المعرفة بمفهومها الواسع وهذا ما يميز المثقف عن غيره من الناس. والتي تتجسد بشكل واضح هنا في الخليج حيث أجد الكثيرين من اخواننا العرب الذين يقضون في هذه البلاد عمراً طويلاً ثم يعودون الى بلادهم بخفي حنين على صعيد التعرف على مفاصل البيئة المحلية. اما عن قدرة الأديب في ايجاد بيئته الخاصة يقول ابراهيم: «اعتقد جازماً أن لكل اديب حقيقي بيئته الخاصة به، وهذه البيئة تختلف عن مفهوم البيئة بالمفهوم المباشر الضيق، وهذا لا يعني انها تتعارض معها فالبيئة بمفهومها المباشر، كما تقدم، رافد اصيل لثقافة الشاعر والمبدع، اما بيئة الشاعر بمفهومها الابداعي فهي خلاصة تجاربه الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعاطفية... الخ. والتي تفضي في النهاية إلى كيان اشبه بالسبيكية التي لا يستطيع احد تحديد معالم مكوناتها الا بالسبر الشاق والتأمل الطويل وتلك هي بيئة الشاعر الخاصة أو شخصيته التي لا يمكن ان يشاركه فيها شاعر آخر وان تحقق نوع من التقارب أو المشابهة بينه وبين آخرين. ومن هنا يتحقق التميز وفرادة النص لدى شاعر معين ولا تتحقق لدى غيره». القاصة أسماء الزرعوني تقول: «تأثرت كثيراً بالبيئة المحلية خاصة في كتاباني الاولى حيث ظهر البحر كثيراً في كتاباتي. والبحر يمثل جزءاً مهماً في البيئة الاماراتية، والى الآن لم أخرج عن تأثيري بهذه البيئة بالرغم من التغيرات التي طرأت عليها. والوضع يختلف في مجال الشعر فهنا اتمكن من ايجاد بيئة خاصة بي الا ان طريقة الكتابة تختلف في مجال القص حتى في قصص الاطفال التي كتبتها حضرت البيئة بقوة». اما عن مدى تلمس القاريء العربي للبيئة الاماراتية من خلال الادب تقول اسماء الزرعوني: أي قاريء عربي يقرأ كتاباتي يستشف انها جاءت في عمق الامارات، وهناك مجموعة من كتاب الامارات عكسوا واقع البيئة المحلية مثل مريم جمعة فرج وشيما مطر وابراهيم مبارك فالمبدع ابن بيئة ولا يستطيع ان يخرج عنها لأنه جزء من هذه البيئة والمجتمع ولابد ان يستمر مع التغيير الحاصل علماً بأن هناك من يتمسك ببيئته بالرغم من الحداثة المنتشرة التي تدفعني للكتابة بنمط بعيد عن نمطي بالكتابة، لكني لن انسلخ من جلدي كإماراتية لي القدرة احياناً على الكتابة بطريقة مغايرة. هذه الطريقة التي أثرت على الكتابة وعلى الفن وعلى غير ذلك من امور فالتغيير اصبح جزءاً مهماً منا. وبين تلك المظاهر التي انعكست على العمارة والمدنية الا اننا نلاحظ انهم مازالوا يحافظون على جزء من الماضي فمن لا ماضي له لا حاضر له، البيئة القديمة ترتبط بالحديثة وهكذا». الشاعرة الهنوف محمد تقول: «للوهلة الاولى ينخدع القاريء بكتاباتي فيظن انها لا ترتبط بالبيئة المحلية، لكن لوقرأها بتأن اكثر سيكتشف المفردات المحلية والخليجية مثل البحر والسيف والزبد والسمراء والبخور والنخيل وغيرها. وفي معظم اجوائي اساسا اتناول الانسان بشكل عام والانثى بشكل خاص، وهناك من يعتبرها ذاتية لكنها في الاصل تتحدث عن الآخر من خلال «الأنا». ولست بعيدة عن البيئة المحلية لأنني منصبة فيها حتى الغرق وبسبب طبيعتي الاجتماعية لا استطيع الانفصال عن كل الفئات وبالتالي أذوب في هذه المفردات المحلية وحيثياتها وفي المقابل لا أتجاهل الانسانية والعالمية لأنني قطرة في محيطها اللانهائي» وعن حضور البيئة المحلية في كتابة المبدعين الاماراتيين تقول الهنوف: «نجد ان البيئة المحلية حاضرة تماماً في القصة والمسرح فالقاص الاماراتي غارق تماما في البيئة المحلية وأجوائها ومفرداتها واعتقد ان القصة هي الأكثر وفاء في احياء البيئة المحلية والمسرح شهد نجاحاً باهراً في تجسيد البيئة المحلية من خلال النص المحلي. والقاريء العربي لو اراد ان يتلمس مظاهر البيئة المحلية فعليه بالقصة والمسرح». اما عن قدرة الاديب على خلق بيئته الخاصة تقول الهنوف: «يستطيع الاديب ان يخلق بيئته الخاصة من خلال وعيه الخاص وقراءاته وتجاربه الخاصة وبيئته المعاشة وتركيبته النفسية وقناعاته الخاصة. ومن خلال هذه المحصلة يمكن للاديب خلق طقوسه الخاصة بفرز الاسقاطات الداخلية على الورقة، والمشكلة تكمن في هذه الاسقاطات، والتي قد تكون سلبية، او ايجابية على المتلقي، واعتقد ان الرحمة هنا واجبة على المتلقي لانه في النهاية، وبشكل جزئي، نحن من نشكل وعيه الانساني والحضاري»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات