قاعة الكهرمان.. أعجوبة الدنيا الثامنة تشع من جديد

السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 تحتاج المعجزات الى وقت طويل كي تحدث. وفي هذه الحالة بالذات احتاجت بالضبط الى اربعة وعشرين عاماً. والان توشك روعتها الزخرفية ان تشع من جديد بألوان تتراوح بين الاصفر العسلي والكراميل والبرتقالي والاحمر الفاتح، والمقصود بالحديث هنا هو «اعجوبة العالم الثامنة» وهي «قاعة الكهرمان» الحافلة بالالغاز، او بصورة ادق، نسخة مثالية من الاسطورة الزخرفية. غير ان الزخارف الجدارية الثمينة الخاصة بتلك القاعة لاتزال غير مكتملة. فلاتزال المجالخ والحفارات تعمل حتى وقت متأخر من الليل في ماسترسكايا، وهي الورشة الموجودة في جناح جديد بقصر كاترين في تساريسكوي سيلو. والاصوات الصادرة تشبه الى حد بعيد الاصوات التي تسمعها في عيادة طب الاسنان. وهناك خمسون رجلاً وامرأة يعملون بنشاط محموم لانتاج وتجميع القطع الاخيرة في الاحجية المؤلفة من نصف مليون قطعة. ويتعين على هؤلاء الاشخاص الالتزام بموعد نهائي مهم، وهو الحادي والثلاثون من مايو الحالي، وهي الذكرى المئوية الثالثة لتأسيس مدينة سانت بطرسبرغ، وسيتم افتتاح هذه النسخة الدقيقة من قاعة الكهرمان بصورة رسمية امام الجمهور بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الالماني جيرهارد شرويدر. والفريق المؤلف من العاملين في اعادة بناء القاعة، ومن بينهم قاطعو الحجارة والصاغة والمهندسون المعماريون والنقاشون لا يمكنه تحمل التأجيل او الذعر لأن ذلك من شأنه ان يلحق الضرر بالمهمة الطموحة والدقيقة بدرجة عالية ويدمر جهود عقدين كاملين مع اقترابهم من وضع اللمسات الاخيرة على القاعة. ولكن جميع المشاركين في هذا العمل واثقون تماماً من ان قاعة الكهرمان رقم 2 ستكتمل في الموعد المحدد. سيمثل الافتتاح الاحتفالي المنتظر في اخر مايو الجاري لحظة تاريخية وبالتأكيد واحدة من النقاط الساطعة في عامين من اللقاءات الثقافية الالمانية ـ الروسية في 2003 ـ 2004. وستكون لحظة احتفالية ذات اهمية رمزية وذلك نظراً لأن قاعة الكهرمان تعتبر عربوناً للصداقة الالمانية الروسية، وفي الوقت نفسه. دلالة على التاريخ المتقلب الذي يربط البلدين. وكان الملك البروسي فريدريك ويلهلم الاول قد قدّم «حجرة الكهرمان» التي ورثها من والده الى القيصر الروسي بيتر الاكبر في عام 1716 كتذكار للتقدير والصداقة. اما الراتنج الشجري المتحجر الذي صنعت منه المنحوتات والفسيفساء على الالواح الجرارية، فقد جاء من كونغسبرغ التي كانت في حينه جزءاً من شرقي بروسيا وهي اليوم كالنينغراد الروسية. وكانت اكبر الكميات من الكهرمان في العالم قد جرى استخراجها من هناك منذ القرن الثامن عشر. ويبلغ عمر الكهرمان المسمى «ذهب الشمال» حوالي 45 مليون سنة والتعامل معه احتاج على الدوام الى اقصى درجات المهارة. فالنسخة الاصلية من قاعة الكهرمان تكبد الصناعيين المهرة عشرة اعوام من العمل الشاق. في عام 1755، تم نقل القاعة المكتملة، التي اضيف لها ألواح من المرايا والفسيفساء الحجرية، الى قصر كاترين الواقع على بعد 30 كيلومتراً عن مدينة سانت بطرسبرغ. وهناك خدمت القياصرة وزوجاتهم كتحفة طوال قرن ونصف. وفي عام 1941، وخلال الحرب العالمية الثانية، فتحت هدية الملك البروسي شهية الجنود الالمان عندما دخلوا سانت بطرسبرغ. فقام الجنود بتفكيك الالواح الجدارية الكهرمانية من القاعة كلها ووضعوها في 27 صندوقاً، وبدون ضجة اضافية، نقلوها الى بروسيا الى قلعة كونغسبرغ. ولكنها لم تبق هناك لفترة طويلة. ففي عام 1944، تم توضيب قاعة الكهرمان لنقلها مجدداً خوفاً من تعرضها للتدمير. وكان ذلك اخر شيء مؤكد عرف عن «اعجوبة الدنيا الثامنة». فقد ضاع بعد ذلك اي اثر للقاعة الكهرمانية في خضم فوضى الحرب العالمية. ولقد افسح ذلك الاختفاء المجال واسعاً لظهور فرضيات عديدة حول مكان وجودها، وتراوحت تلك الفرضيات بين الاعتقاد بوجودها في مستودع سري منسي او في خزنة اميركية او في منجم للمعادن بشرقي المانيا او حتى في قاع بحر البلطيق. ولكن المعلومات الاخيرة المتوفرة لم تترك مجالاً كبيراً للتخمين، فقد اكتشف الناشر ومنظم المعارض تيت بوتغر من غوتنجن، وهو خبير فيما يخص قاعة الكهرمان منذ سنوات عديدة ـ اكتشف وثائق، سيتم نشرها في الاشهر المقبلة في كتب وافلام وثائقية ستبث على التلفزيون الالماني، تثبت ان العناصر الاساسية من قاعة الكهرمان ارسلت قطعاً من كونغسبرغ الى جامعة بارتنر في غوتنجن لحمايتها من القصف. وفي غوتنجن، تم تخزين هذا الكنز الى جانب اجزاء من مكتبة الجامعة في قاعدة منجم للبوتاس في فولبريهوسن. غير ان المنجم كان يستخدم ايضاً كمستودع للذخيرة وانفجر في عام 1945 مدمراً كل شيء كان مخزناً هناك من ناحية عملية. وبحسب بوتغر، فإن وثائق اضافية قد جرى العثور عليها في غضون ذلك تشير الى ان ما تبقى من قاعة الكهرمان قد تم حرقه عملياً خلال القصف على كونغسبرغ. والجدير بالذكر هو ان مشروع النسخة الجديدة من قاعة الكهرمان يأتي في اطار برنامج التعاون الثقافي المتبادل بين روسيا والمانيا والذي انطلق في عام 2001. ضرار عمير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات