نَاقَشَهَا ثلاثة نُقاد وشاعرة في القاهرة، وصايا أحمد الشّهاوي في عِشْق النِّساَء

الخميس 14 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 15 مايو 2003 صدر للشاعر أحمد الشهاوي الجزء الأوَّل من كتابه «الوصايا في عشق النساء» عن الدار المصرية اللبنانية في مئتين وثمانين صفحة من القطع المتوسط بتصميم فَنِّيٍّ خاص للشاعرة والفنانة التشكيلية الإماراتية ميسون صقر، وقد كُتب الجزء الأول من «الوصايا في عشق النساء» بين مدينتي «المنستير - تونس» في الفترة من 23 إلى 31 من أكتوبر 2001. و(القاهرة - مصر) في الفترة من نوفمبر 2001 إلى مارس 2002. وقد أقيمت ندوة مُوسَّعة في القاهرة شارك فيها د. محمد عبد المطلب، د. محمد حافظ دياب، طبية خميس، د. شيرين أبو النجا، وحضرها عدد كبير من نُقَّاد وشعراء وكتَّاب مصر من مختلف الاتجاهات والتيارات والأجيال. قال الناقد الدكتور محمد عبد المطلب أستاذ النقد والبلاغة بكلية الآداب جامعة عين شمس والرئيس السابق لقسم اللُغة العربية بها إنَّ أحمد الشهاوي هو الوريث الأكبر لسلالة العُشَّاق في الغرب والشرق بدءا من أفلاطون و(الإيروس)، ووصولاً إلى أوفيد في (فن الهوى)، وبرغم هذا الميراث الضخم في الغرب والشرق. وإذا كان الشاعر أحمد الشهاوي قد أشار إلى أن كتابه «الوصايا في عشق النساء» يتضًّمن مئتين وأربعا وخمسين وصية تقع كل وصية في صفحة فيما عدا وصية واحدة، فإن الدكتور محمد عبد المطلب اعتبر أن مجموع الوصايا سبعمائة وستا وعشرين وصية، تنتهى بإكمال ما بدأته، فأولها: «أوصيك بالمحبَّة واتباع العشق» وختامها «فلا تتركي عَاشِقَكِ قتيل جمالك» إن هذا التكامل بين البدء والختام يحيل مجموع الوصايا إلى وصية واحدة، تتعدَّد مداخلها ومخارجها، وتتجاوز غرفها ودهاليزها، وتتشعَّب أنحاؤها، وتتسع آفاقها. وأشار الدكتور عبد المطلب إلى أن «المتلقِّي لا يكاد يدرك إن كان يستقبل نصا مُغْرِقا في قدمه، أم نصا مغرقا في حداثته». أشار إلى أن الوصايا التى بلغت أسطرها ألفا وثلاثمائة وأربعة أسطر كانت تعمل على محاصرة المعنى في أضيق مساحة صياغية ممكنة، دون أن يفقد هذا المعنى بعض أركانه ونواتجه، وهو كما يقول القدماء، المعنى الكثير في اللفظ القليل وفي سياق الإيجاز اعتمد البناء الصياغي على الجمل القصيرة، وكان يعمد أحيانا إلى الجمل التى تقتصر على الفعل والفاعل فقط، أو المبتدأ والخبر فقط ويبدو أن هذا الإيجاز الأثير كان داعيا إلى نوع من الإيقاعية الصوتية التى تجلَّت في تقطيع الجمل والمزاوجة بينها، ثم استدعاء السجعة في بعض الأحيان. وبرغم ميل الجمل إلى القصر، فإنها كانت تمتد أحيانا امتدادا شكليا، لكنه يؤول غالبا إلى القصر في العمق، وذلك عندما يعمد الإبداع إلى تحدى سلطة الموروث البلاغي الذي كان ينفر من توالي الإضافات. أما الملاحظة الصياغية اللافتة في مجمل الوصايا، فهى أن انعقاد هذه الصيغ كان يستهدف بلوغ آفاق الشعرية، سواء فى ذلك باستدعاء الظواهر الإيقاعية، أم بإهمال المرجعية المعجمية لمعظم الدوال والصعود بها إلى رحاب المجاز. وأشار الدكتور عبد المطلب إلى أن كل نهاية لوصية، هي بداية لوصية أخرى، وكل الوصايا استحضرت المعشوقة والعاشق وصحبتهما - محتكمة إلى سلطتها - إلى أفق ملائكي بالغ النعومة والشفافية، وفي هذا الأفق احتكمت إلى قانون العشق بوصفه قدرا لا اختيار فيه، لكنه قدر له توابعه ولواحقه في الفروض والواجبات. واعتبر عبد المطلب أن وصايا الشهاوي في عشق النساء وليد تاريخ الأنوثة في الوجود، ووليد أحوال العشَّاق على مر الأزمان، وتربَّى هذا الوليد في أحضان لغة نثرية صاعدة إلى أفق الشعرية، فلا يدري إن كان في دائرة النثر، أم أنه تحرك في دائرة الشعرية النثرية، لكنه في هذا أو ذاك سوف يعيش لحظة الحب بكل لواحقها. وقالت الناقدة الدكتورة شيرين أبو النجا أستاذ مساعد الأدب الإنجليزي بكلية الآداب جامعة القاهرة إن «الذات الأنثوية في وصايا الشهاوي هي النور الذي يفيض على نفس العاشق ليرى ما خلف الحجب وليتوحَّد مع ذاته الجوانية ويعلو «روحا وجسدا» و العشق في وصايا الشهاوي مبني على مفهوم الحب الذى غايته الوصول إلى رضا المحبوب، حتى يكشف للمحب الحجب التى تحول دونه ودون رؤية وجه المحبوب، فإذا انكشفت الحجب تحققت الرؤى والوصايا تؤكد أن «لا قرب ولا معرفة دون عشق» فالعشق لدى الشهاوي هو الوجه الآخر للمعرفة والإدراك، معرفة انفتاح الأنا على المعنى الباطني للوجود كله، وهو انفتاح مرهون بالقدرة على التواصل بين الأنا والكون الذي هي جزء منه. وأكدت د. شيرين أبو النجا أن كتاب «الوصايا في عشق النساء» لأحمد الشهاوي يبدأ بلغة ذات دلالة دينية مكثفة، لغة لا تُصَرِّح ولا تكشف، بل هي لغة مراوغة، تمهِّد للإدراك، وتؤسس مشروعية العشق، تمنح الذات الأنثوية صفات الألوهية: لغة تناشد المعشوقة أن تدرك ذاتها ليدركها العاشق. ورأت شيرين أبو النجا أن الوصية الثامنة والعشرين يُعَدُّ مضمونها هو انعكاس لبنية الكتاب وقالت: كما أنه لا نهاية في العشق فإنه لا نهاية للبنية ولا بداية أيضا - اللهم إلا تلك المقدمة الكاشفة والملغزة في الوقت نفسه، البنية في الوصايا ليست خطية بل هي بنية دائرية مماثلة لبنية الوجود التي تبناها ابن عربي. وقال الناقد الدكتور محمد حافظ دياب أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بنها جامعة الزقازيق إن الدال الرئيسي في كتاب أحمد الشهاوي «الوصايا في عشق النساء» هو الوصايا، وهى نوع أدبي بامتياز، وقع الحديث عنه وتداوله منذ وصية قتيلة بنت النضر لابنتها، وإن تبدَّت في المجمل على هيئة نصائح وإرشادات، تحيلها إلى قائمة «تربوية» من الواجبات، يلزم الزوجة القيام بها تجاه بَعْلِهَا ولدي الشهاوي، يمثِّل ضمير المخاطب المفرد المؤنث (أَنْتِ) ظاهرة لغوية مكثفة في النص، ومكوِّنا مهما من مكونات النسيج فيه، يوحي بانفتاحه على تفاصيل البَوْح، ويرتبط بفعل الأمر الذي يمكن له أن يستعيد حضور المعشوق، وهذه الوصايا أشبه بأفق متسع للتجنيس، قدمه الشاعر في تشكيل كتابي نثري، ينثره على بياض الورق، كي يجعل للقراءة البصرية قيمة خاصة في تَبَيُّن فضاء النص التصويري وأنساقه التعبيرية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات