أولى عملاتها سُكّت قبل 1000 عام من الميلاد، النقود.. رحلة عجيبة من الأشكال لعصب الحياة

الثلاثاء 12 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 13 مايو 2003 نحمله في جيوبنا، نتداوله على مدار الساعة، خزانات المؤسسات المالية تمتليء به، نتطلع دائماً لتكديس المزيد منه وكل منا يتمنى في قرارة نفسه ان يجمع اكبر قدر منه حتى ينتقل من خانة المديونير الى خانة المليونير. انه المال عصب الحياة. ومع ذلك يجهل معظم الناس، حتى المليونيرات، تاريخ المال، ولا يتوقفون كثيراً عند هذه النقطة، ولكن ما يهم حقاً هو جمع اكبر قدر منه وكفانا صداع البحث عن تاريخه. حقاً ما هو المال، وكيف تطورت النقود وادواتها حتى وصلت الى المرحلة الالكترونية وصارت مجرد بطاقة صغيرة الحجم، نحشرها داخل جهاز ونضغط على ارقام معينة ثم تخرج النقود من الداخل في فئات مختلفة؟ او نناولها للباعة في المتاجر ولا ندفع شيئاً بل نضع توقيعاتنا على وريقة صغيرة ونحمل مشترياتنا ونغادر المتجر! عرف الانسان التجارة منذ القدم، الا انه لم يكن يعرف مفهوم النقود، بل كان يقايض ما عنده بما ليس عنده. واعتمد على المقايضة في الحصول على الغذاء والكساء وبعض الخدمات وكانت المقايضة تلبي مصلحة جميع الاطراف. ويمضي البعض ليقول ان المقايضة لم تكن حكراً على الانسان فقط، بل مارسها الحيوان والنبات منذ بدء الخليقة، وان كانت تلك المقايضة تكاملية. ومهما كان الحال، الا ان نظام المقايضة يسبق استخدام النقود. ولا تزال المؤسسات والحكومات تمارس تبادل السلع والخدمات. ويقول بعض المؤرخين ان الحيوانات الاليفة، بما في ذلك الماشية والجمال والاغنام هي اول شكل من اشكال النقود. ومع تطور البشرية تطورت الزراعة واستخدم الانسان الحبوب وبعض المحاصيل الزراعية الاخرى والنباتات كأساس في المقايضة في كثير من الحضارات. وشاعت هذه الممارسة وانتقلت الى شعوب اخرى في آسيا وافريقيا. وكان ذلك خلال القرنين التاسع والسادس قبل الميلاد. وجاء العام 1200 قبل الميلاد ليشهد استخدام الاصداف البحرية التي كانت تتكاثر في المياه الضحلة في المحيطين الهاديء والهندي وفي الصين كنوع من انواع النقود. ويذكر التاريخ ان مجتمعات انسانية كثيرة كانت تستخدم الاصداف في الحصول على احتياجاتها من السلع والخدمات، وتواصل هذا الاستخدام حتى منتصف القرن الماضي في بعض اجزاء افريقيا. وشهد العالم اول عملة معدنية العام 1000 قبل الميلاد. وكان ذلك في الصين حيث تم سك دوائر مسطحة من النحاس قريبة الشبه من الاصداف البحرية، كما تم تحضير قوالب خاصة متفاوتة الاحجام لصب النحاس السائل داخلها وتحويلها الى عملة معدنية بعد رسم بعض النقوش عليها. وكانت العملة مثقوبة في الوسط تماماً، الامر الذي سهل عملية حملها في شكل سلاسل طويلة. وظهرت اول عملة معدنية خارج الصين في مدينة ليديا، التي تقع فيما يعرف اليوم بجمهورية تركيا العام 500 قبل الميلاد، وكانت من الفضة. وسرعان ما انتشرت هذه الصناعة في الامبراطوريات الاغريقية والرومانية والفارسية التي طورتها ووضعت عليها صور الاباطرة لتأكيد سلامتها. وبخلاف العملة المعدنية الصينية، كانت هذه العملات مسكوكة من المعادن النفيسة مثل الفضة والبرونز والذهب الامر الذي اضاف لقيمتها الحقيقية. وظهر اول اشكال العملات الورقية ـ بانكنوت ـ في الصين العام 118 قبل الميلاد وكانت عبارة عن قطعة من جلد الغزال الابيض مساحتها قدم مربع وتحمل نقوشاً ورسومات ملونة على حواشيها. ولم تكتف الصين بذلك بل اصدرت اول عملة ورقية في العالم العام 806 للميلاد. وفي واقع الامر فقد تعاملت الصين بالعملات الورقية طوال الفترة الممتدة من القرن الثامن وحتى الخامس عشر. وتزايدت عمليات طباعة العملات الورقية بالدرجة التي انخفضت فيها قيمتها وارتفع التضخم، حتى تم وقف تداولها العام 1455 واختفت تماماً لعدة مئات من السنوات. وحدث هذا قبل ان تعرف اوروبا العملات النقدية بسنوات طويلة وقبل ثلاثة قرون من انتشارها. وهناك في اميركا الشمالية لم يسمع الهنود الحمر بالعملات المعدنية او الورقية بل واصلوا الاعتماد على عقود الاصداف التي يتزينون بها كأساس للحصول على احتياجاتهم ومن المحتمل ان تعود جذور هذه الوسائط المالية الى فترة تاريخية سابقة. ولما كانت كلمة «وام بوب» الهندية تعني اللون الابيض، فقد كانت الاصداف المستخدمة بيضاء لامعة. وشهد العام 1816 نقلة نوعية في تطور النقود وتحديد قيمتها حيث اصدرت انجلترا قراراً حددت بموجبه الذهب كمعيار وحيد لقيمة العملات. ومنذ ذلك التاريخ بدأت بريطانيا في طباعة وسك عملات معدنية وورقية تعادل قيمتها قيمة كمية محددة من الذهب. وكانت تلك هي المرة الاولى التي يتم فيها تحديد القيمة الحقيقية للعملة في اوروبا. وجاء الانهيار المالي الذي هز العام خلال الثلاثينيات من القرن الماضي ليضع نهاية لمعيار الذهب، وتم خفض اسعاره في الولايات المتحدة وبريطانيا، وانتهت بذلك العلاقة بين الذهب والعملة وبدأت تعقيدات النظام المالي الدولي تتشكل. والآن ما هو المستقبل الذي ينتظر النقود بعد التحولات الهائلة في المجالات العلمية كافة؟ الاجابة على هذا السؤال موجودة في محفظة النقود، تلك البطاقة السحرية صغيرة الحجم، وفي شبكة الانترنت حيث يتم نقل مئات الملايين من مكان الى آخر، وفي ما قد تبتدعه الصناعة من ادوات وآليات جديدة لتداول النقود، فيما يعرف بالاقتصاد الرقمي. مآمون الباقر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات