نداهة الكتابة، قصص مجهولة ليوسف ادريس ضد رغبته

الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 صدر مؤخرا كتاب نداهة الكتابة : نصوص مجهولة في اعمال يوسف إدريس لعبير سلامة عن المجلس الاعلى للثقافة 2003، يتضمن بين طياته نصوص 14 قصة، سبق أن نشرها يوسف إدريس خلال حياته في دوريات مختلفة، لكنه لم يضمنها في أي من مجموعاته القصصية. وهو ما يثير قضية على جانب كبير من الأهمية، حول مدى جواز إعادة نشر قصص ليوسف إدريس بعد وفاته، رفض أن يضمنها لأي من مجموعاته خلال حياته؟! وأصل القضية ان الكاتبة عبير سلامة قد توصلت عبر رحلة بحث وتقص مقارن بين القصص المنشورة في الببلوجرافيا، التي الحقها كربرشويك بكتابه قصص يوسف إدريس القصيرة 1981 - والذي ترجمه بعد ذلك إلى العربية رفعت سلام - والبيبلوجرافيا التي نشرت في مجلة «أدب ونقد ديسمبر 1987، مقارنا بما نشر في مجموعاته القصصية المختلفة، إلى أن هناك أربع عشرة قصة نشرت في دوريات مختلفة، ولم يلحقها يوسف إدريس بأي من مجموعاته القصصية.وبيان هذه القصص هو : أنشودة الغرباء مجلة القصة 5 مارس 1950، لعنة الجبل مجلة روز اليوسف 4 أبريل 1950، نهاية الطريق مجلة القصة 20 مايو 1950، الوباء مجلة الأديب أكتوبر 1950، قط ضال مجلة القصة 5 أكتوبر 1950، القبور جريدة المصري 22 فبراير 1953، العنكبوت الاحمر جريدة المصري 8 مارس 1953، عصابة الفلاسفة جريدة المصري 30 يونيو 1953، تلميذ طب مجلة روزاليوسف 15 مارس 1954، أول الطريق مجلة الرسالة الجديدة فبراير 1957، رجل مجلة الرسالة الجديدة يوليو 1957، مجرم يوم جريدة الجمهورية 30 أغسطس 1957، الكابوس مجلة بناء الوطن يونيو 1963، وقصة مصرية جدا مجلة الهلال يوليو 1965. وقامت عبير سلامة بنشر نصوص تلك القصص، التي وصفتها بـ «المجهولة»، وأبرزت ذات الصفة في عنوان الكتاب الفرعي، رغم أن مفردة المجهولة تعني أنها لم تكن معروفة من قبل، وهو ما تنفيه عبير سلامة بنفسها حين أوردت تواريخ سابق نشر كل منها والدوريات التي نشرت فيها، بما ينفى أنها كانت مجهولة ! هنا يبرز سؤالان : هل من حق أي فرد إعادة نشر قصص قصيرة، سبق أن نشرها الكاتب بشكل منفرد في دوريات مختلفة، لكنه اختار لأسباب تخصه وحده، ألا يضمنها في أي من مجموعاته، وذلك عندما واتته الفرصة لإصدارها في مجموعات قصصية، تضمن لها البقاء في المستقبل مرتبطة باسمه؟! وهل من حق أي فرد، أن ينشر بعد وفاة الكاتب، ما سبق أن رفض الكاتب أن ينشره خلال حياته ؟! مثالان مع نجيب محفوظ وفي هذا السياق، هناك مثالان حدثا مع الكاتب الكبير نجيب محفوظ، أطال الله عمره.وقع الأول عام 2001عندما أقدم الكاتب محمد جبريل بالتعاون مع مكتبة مصر الناشر الوحيد لأعمال نجيب حفوظ، على اختيار مجموعة من قصص نجيب محفوظ التي كتبها خلال حقبة الثلاثينيات وبداية الاربعينيات، على اعتبار أنها تشير إلى عدد من المفاتيح المهمة لفهم حياة الفنان وأعماله س، على حد تعبيره في مقدمه كتاب بعنوان فتوة العطوف س، الذي ضمنه تلك القصص. وأثار الكتاب ضجة في الاوساط الثقافية في حينه، ما بين مؤيد ومستنكر.ورغم أن نجيب محفوظ لم يرضه ما حدث، إلا أنه قبل بالأمر بروح من التسامح مع الدار التي اعتادت أن تنشر أعماله. أما المثال الثاني، فقد مر به كاتب هذا المقال، حين اكتشفت بالصدفة لدى الصديق المخرج السينمائي الكبير علي بدرخان صورة ضوئية بخط يد نجيب محفوظ لرواية بعنوان ما وراء العشق ، كان نجيب محفوظ قد تركها لديه لبحث إمكانية الاستفادة منها سينمائيا وهي رواية مجهولة لنجيب محفوظ، كان قد كتبها في نهاية حقبة السبعينيات، لكنه لم يرض عنها، وأعاد النظر فيها في العام التالي وحولها إلى قصة قصيرة بعنوان أهل الهوى، التي كانت أولى قصص مجموعة رأيت فيما يرى النائم 1982 وهو ما وجدت فيه فرصة ثمينة تتيح إمكانية الإطلاع على بعض جوانب خفية من عملية الإبداع، وذلك بتتبع التحولات التي أجراها نجيب محفوظ على مخطوط ما وراء العشق الذي بدأ منه كأصل ملموس، انتهى بعد ذلك إلى ناتج إبداعي جديد هو قصة أهل الهوى ، وهو ما ضمنته كتابا جعلت عنوانه نجيب محفوظ : رواية مجهولة وتجربة فريدة 2002. وكنت أتمنى أن أرفق نص الرواية كملحق للكتاب، لكن نجيب محفوظ صاحب الرواية ومالك حقوق التصرف فيها، رفض أن أنشر الرواية، فاحترمت رغبته ونشرت بعض صفحات فقط منها كملحق للدراسة النقدية، تدليلا على حقيقة وجودها! هناك موقف من العالم الخارجي للكاتب المشهور ميلان كونديرا، متميز بل شديد الصلابة، يتمسك فيه بحق الكاتب المطلق في نشر أو عدم نشر أعماله، لدرجة أن أصدر كتابا خاصا لذلك، تحت عنوان خيانة الوصايا 1995- صدرت له أكثر من ترجمة عربية، اعتمدت في هذا المقال على ترجمة رانية خلاف التي صدرت عن الثقافة الجماهيرية بالقاهرة 1998، والتي غيرت فيها عنوان الكتاب إلى الطفل المنبوذ - ضرب فيه عددا من الأمثله بعدد من الكتاب منهم الفرنسي كلود سيمون، الذي لم يعد يسمح بإعادة طبع كتبه الأولى، كما أشار إلى الكاتب الأميركي وليم فوكنر، الذي أعلن بشكل واضح عن رغبته ألا يكون له أي أثر باق فيما عدا الكتب المطبوعة . لكنه ركز بشكل خاص على فرانزكافكا، الذي أوضح في رسالة إلى صديقه ومنفذ وصيته ماكس برود، بدقة تامة من كل كتاباتي، هناك، فقط كتب تستحق البقاء : المحاكمة، الوقاء، المسخ، ومستعمرة العقاب، الطبيب الريفي، وفنان الجوع . النسخ القليلة من تأملاتي يمكن أن تبقى، لا أريد أن أزعج أحدا بطباعتها على ورق خشن، ولكني لا أريد أن يعاد طبعه . وعقب ميلان كونديرا على ذلك بقوله ولهذا فإن كافكا لم ينكر أعماله، بل والأكثر من ذلك أنه قام بتقييمها وحاول أن يفصل بين ما يجب أن يبقى حيا بعد وفاته يمكن إعادة طبعه، كما إن رفضه لم يتعلق بشكل آلى بكل أعماله غير المنشورة، لأنه قد ضمن قصته فنان الجوع بين أعماله التي تستحق البقاء. ثم لخص كونديرا وصية كافكا، بأن رغبته في التدمير تتعلق بشكل واضح بفئتين من الكتابة : - في المقام الأول، بشكل مشدد: كتاباته الشخصية، الرسائل والمذكرات - في المقام الثاني: القصص والروايات، التي حسب حكمه، يعتقد أنه لم ينجح في إنقاذها لكن ماكس برود صديق كافكا ومنفذ وصيته، نشر كل ما خلفه كافكا دون تمييز،وهو ما أدانه كونديرا بشكل مطلق، مستندا في موقفه إلى عدد من الأسباب، أولها يرجعه إلى أن أعمال الكاتب تخصه بالدرجة الأولى، بغض النظر عما يسوقه الآخرون من مبررات، يؤيدون بها نشرا أعمال الكاتب بدون رغبته، وكمن يخاطبهم، قال لكن عظا تكم لا معنى لها. إنه هنا في بيته الخاص، وليس بيتكم، رفقائي الاعزاء .! أما السبب الثاني، فقد أوضحه، حين قال إن الكاتب لا يزال يحب أعماله، ولكنه لا يحب العالم بعده. إنه لا يستطيع تحمل فكرة ترك أعماله تحت رحمة مستقبل يعده كريها . وأخيرا بين ثالث أسبابه حين قال إن المؤلف لايزال يحب أعماله، ولكنه لا يفكر حتى في مستقبل العالم، لكن ولأن لديه خبراته الخاصة حول اللافهم، الذي عانى منه خلال حياته، فإنه لايريد أن يستمر في المعاناة بعد الفناء . ويظل ملف القضية مفتوحا، فهي من القضايا الشائكة، التي تثير الجدل، ويجتهد كل طرف فيها أن يقدم كل ما يستطيع من دفوع وحجج تدعم رأيه! القاهرة ـ حسين عيد:

تعليقات

تعليقات