التشكيلي المصري طراوي بين مدى الضفاف وسكينة الألوان المائية

الخميس 7 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 8 مايو 2003 اعتادت قاعة اخناتون بمجمع الفنون على نيل جزيرة الزمالك، على مدار ما يزيد عن عقد ونصف، ألا تستقبل إلا الأعمال الفنية الحداثية، أو ما بعد الحداثة أيضا، في تأكيد واضح على توجهها الفني الساعي الي تكريس مفاهيم جديدة تتجاوز السائد، وتدعو إلى ارتباط الفن بالعصر، ومنطلقاته الفكرية المستندة على التكنولوجيا وثورة الإتصالات، وأن جاء هذا التوجه الحدائي ذو النزعة الغربية على حساب تيارات إرتبطت بالفن القومي ذو النزعة الاجتماعية المعتمدة على معايير الإلتزام بالقضايا الوطنية ، التي تعبر عن هموم حياتيه محلية، متأثرة بميراث تراثي ثقافي، تاريخي أثير، ويرجع التوجه العام لمجمع الفنون إلى سياسة الفنان والناقد «أحمد فؤاد سليم» أول مدير لهذا المجمع منذ إنشائه في منتصف السبعينيات وحتى الآن ..على غير العادة احتضنت القاعة مجموعة أعمال تنتمي إلى المنظر الطبيعي أكثر القوالب الفنية كلاسيكية للفنان «محمد طراوي» الذي إرتبط منذ تخرجه من كلية الفنون الجميلة بعالم الصحافة من خلال إنضمامه إلى واحدة من أهم المدارس الصحفية وهي روزاليوسف، وهو العمل الذي أثر في توجهه الفني وإختياراته، فعشق رسم المنظر الطبيعي، باعتباره وسيط يجمع بين العمل الفني الصحفي واللوحة التشكيلية بقيمها الجمالية المطلقة، لكن تجارب «طراوي» المعملية المضنية في واحته (الاستوديو) على نيل ضاحيه المعادي جنوب القاهرة تلك الصومعة المطلة على صفحة النيل الهادئة ..والهمته موضوعاته ، ليرتفع بها عبر تجارب عديدة إلى الدرجة التي نراها في مجموعته الجديدة ، وتستقبله قاعات مجمع الفنون .. حيث يقول «أحمد فؤاد سليم» في تقديمه للمعرض «يبدو الطراوي فنانا هادئا، محافظا، متأملا، برغم حزن قديم وجياش ومتمرد، يضرب السطح الهادئ في عينيه بين لحظة وأخرى، كنا قد التقينا منذ سنوات بعد أن فرقتنا أحداث جسام، أخذت تأكل في صميم الحركة الفنية المصرية، وكان ذلك اللقاء متأججا حين تقاربت بيننا الإرادات وإستقام الفهم، وتقاسمنا معا رقعة الأرض ذاتها، برغم خلاف في مناهجنا وفي مسالكنا» . اختار الفنان «محمد طراوي» منذ بداية مسيرته الفنية خامة عنيدة، لا تعرف غير التعبير الحر السريع، الواثق المتمكن، التي تستعصى على من لا يمتلك مفاتيحها، والولوج لكشف أسرار التعبير بها وإستنطاق القيم الجمالية الكامنة خلف رقتها وتلقائيتها، حيث تنفرد بكيفية للتعامل من بين الألوان عامة على أنها صاحبة اللمسه الواحدة المؤثرة الطازجة، والتي لا يصلح معها الإضافة الأولى للمساحة المراد تلوينها سواء كانت المساحة لخلفية واسعه كالسماء مثلا، أو تفصيلة صغيرة في شراع مركب أو شباك غرفة لبيت صياد على ضفاف البحيرة، إنها (الألوان المائية) العنيدة رغم شفافيتها، والذي يعد «طراوي» أحد شعرائها الجدد بعد إسهام طويل في هذا المجال بداية من جيل الرواد (أحمد صبري - حبيب جورجي - راغب عياد ومن جيل الوسط يحيي أبو حمده .. وغيرهم) حركة الناس في دأبهم اليومي، ومرحهم على الشواطئ، والمراكب الراسيه، على الضفاف واحتضانها لمياه النهر والبحيرات .. هو عالم « طراوي» الأثير وموضوعية الذي شغله.. سنوات، وكشف عن وشائج حب وود نسجت خيوط من ذهب وفضه لارتباطه بالأماكن التي رسمها، وتجلت في غزله لعناصر مشهده، المطرز بحب المكان، وان كان المشهد لا يخلو من شجن، بعد أن إتخذت البيوت دور الحارس الأمين على المكان والطبيعة، فيما احتفظ الناس ضرورة الحركة، واختص اللون بمعنى الوفاء. جاءت المجموعة الجديدة للفنان الطراوي تحمل أبعاد جديدة سواء جمالية أو دراميه تعكس فحوى مضمون مضمر يشبه الحلم اليقظ، تلك الابعاد التي تدفع تجربته الجديدة إلى تجاوز السائد والمألوف من طرق المعالجة التقليدية للنظر الطبيعي فقد كان الفنان في السابق يلتزم بنقل الواقع حرفيا، حيث جسد «الطراوي» في لوحته منظر أشبه بكادر السينما، سواء في حركته أو منظوره، بعد أن اختار اللقطات الواسعة والمتوسطة للمنظر في ظل رسمه لخط الافق بعيدا يتجاوز منتصف اللوحة ، وهو الاختيار الذي أضفى بعدا بانوراميا للمشهد ككل، حيث أحتشدت فيه العناصر ضمن نسق جمالي جديد على اختيارات عمل المنظر الطبيعي في السابق. أما فيما يخص اللون، فقد حرص على إستخدام تقنية جديدة على خامة الألوان المائية وهي أحداث تأثير ضبابي يحيل اللون التي كتلة مبهمة، وليس تسجيلا حرفيا للوحدات البصرية صراحة، تلك المعالجة التي تتلاشي فيها حواف نهايات اللون، فتحدث مناخا ضبابيا ، وظفه الفنان بذكاء شديد ضمن نسيج متماسك، وخطة الفن ككل، وبدون نشاز، وفي تنوع يضفي ثراء غير معهود من قبل فقد إستطاع «طراوي» أن يضيف للمنظر الطبيعي إيقاعا جديدة يجمع بين نقيضين قلما اجتمعا : الرسم بمعناه الحرفي والتقني، وإختلاف بيئته اللون على طريقة التصوير ( الرسم الملون) فخلق تأثيرا دراميا للمشهد، خاصة في ظل وجود عناصر موحيه كأشرعة المراكب وسواريها أو التلات الراسية في مهابة، أو إحتضان المياه لبيت صياد في ود وألفة. ويبقى أن «محمد طراوي» أعاد للمنظر الطبيعي أرضا ومساحة كناقد إفتقدناها من سنوات طويلة، في ظل جفاء البعض للوحة الحامل والإتجاه بعنف إلى الخامات الخشنة المختلفة على تنوعها. القاهرة ـ سيد هويدي:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات