في معرضه الاستعادي في الاسكندرية، صالح رضا ينقش تفاصيل الإرث وعذابات المستضعفين

الثلاثاء 5 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 6 مايو 2003 نصف قرن من الزمان.. هو عنوان أن المعرض الاستعادي لابن حى «الحسين» الشعبي والتاريخي في مصر، الفنان «صالح رضا» الذي يستعد مجمع الفنون بالزمالك لإستقباله بعد عرضه بقاعات عرض متحف الفنون الجميلة في الإسكندرية، حيث كشفت الأعمال التي قدمها الفنان عن تعدد مجالات إبداعه بين الخزف الذي برع فيه، ودرسه بكلية الفنون التطبيقية، وتشيكوسلوفاكيا، وإنجلترا، والتصوير سبب شهرته، والنحت الذي خرج به إلى الهواء الطلق، كما كشف المعرض أيضا عن فنان إتجه منذ البدايات الأولى أوائل الخمسينيات من القرن الماضي «العشرين» إلى تجاوز السائد والمألوف، متناغما مع منطلقات ثورة يوليو عام 1952 في رسمه للعمال والفلاحين، والمظلومين والثوريين. إرتبط إبن حي الحسين «صالح رضا» 1932 بطقوس ورموز وعادات الحي العتيق، خاصة وأنه ينتمي إلى أسرة تحترف صياغة الحلي للدرجة التي جعلت والده يدفعه إلى أن يكون أحد المهرة في شق الماس والألماظ والأحجار الكريمة تلك البيئة المشبعة بطبقات التاريخ المتراكمة، لذلك كانت «العروسه الشعبية» أحد أهم عناصر إبداعاته طوال تاريخه الفني، والمآذن السامقة واحدة من سمات نحته، والنسيج الأرابيسكي يماثل طريقته في صياغته للكولاج تصويريا، والفراغات في أعماله النحتية، لقد ظلت الصور القديمة راسخة في ذهني الطفل رضا الذي كان يرتاد الحمامات الشعبية العامة في شارع المعز لدين الله الفاطمي مع والدته ليتعرف على عالم من الأسرار. وعلى الرغم من أن بدايته الفنية مع منتصف الخمسينيات جسدت توجها نحو منحى تعبيري يصور من خلاله شخوصه بشكل مأساوي وكأنهم هياكل عظمية، أو بوجوه ضامرة بائسة، أو بأجساد معتلة، وأرجل كبيرة الحجم وأجواف خاوية، إلا أنه سرعان ما وجد في الرمز ملاذه وضالته ، خاصة وأن المجتمع المصري في نهاية الخمسينيات تجاوز نبرة الحماسة الثورية التي صاحبت إنطلاقه الثورة، إلى مفاهيم أكثر نضجا ترى في التراث عنصرا ضاربا في أعماق صياغته على نحو عصري يتفق مع متطلبات الواقع الراهن والرغبة في التقدم، لذلك انجز «صالح رضا» في هذه الفترة تمثال (عروس النيل) وأيضا رسم (عروسة المولد)، حيث عكست عروس النيل ملامح مصرية خالصة، لكنها ليست تلك المصنوعة من السكر ويزينها الورق المزركش الملون، بل تمتعت ببنيان قوي ووجه مستدير بض لفحته الشمس الساطعة بعيون واسعه يحددها الكحل، وخدود ممتلئة فيما إتخذ من النحت المصري القديم صفه الصرحية وتأثر بطريقة الفنان الفرعوني في تلوينه للتماثيل، وأن أضاف الفراغات التي كان قد ابتكرها «هنري مور» وأحدثت ثورة في فن النحت في منتصف القرن العشرين تلك الفراغات الفراغات التي تخترق الاجسام، باعتبارها معادلا موضوعيا لتضافر الواقع مع العمل النحتي، وكان «جمال السجيني» واحدا من أشهر الفنانين الذين لجأوا إلى إستحداث فراغات في أعمالهم النحتية لكن فراغات «صالح رضا» جاءت متسقة مع مضمون قصده الفنان ليحدث بعدا دراميا مبررا، يخضع أيضا لنسيج وخطوط شكل التمثال. إنشغل «صالح رضا» بفكرة تحقيق ملامح تعكس الشخصية المصرية في فنه، وإستطاع أن ينتخب لأعماله الإبداعية النحتية التوازن بين الكتلة والفراغ، وأيضا الرسوخ الذي يميز الفن المصري القديم، وروح الثبات والخطوط الحادة وأيضا القدرة على الاشعاع، وأن كان في مراحله الأخيرة إتجه بنحته إلى التجريد، غير أنه في ذروة تجريده لم يتخل عن المنطلقات الأساسية المرتبطة بالجذور. جمع المعرض بين مختلف الفنون حيث قدم صالح رضا النحت، والخزف، والتصوير الزيتي، مستخدما كافة الخامات على تنوعها من الألوان الزيتية والاحبار والاصباغ والابلاكاج والكتان، والقماش المجهز، وعندما مارس الحفر، حفر على الزنك، النحاس، الجلد، الحجر، الخشب كما تنوعت التقنيات التي عالج بها موضوعاته وإبداعه في قص ولصق وحذف،وإضافة، وهو التناول الذي يتفق مع شخصيته الفنية، حيث يجمع «صالح رضا» بين سمات ابن البلد الذي تربي في حي الحسين العريق وعلم ورصانه الاكاديمي الحاصل على الدكتوراه من من تشيكو سلوفاكيا، والفنان صاحب التوجه العام باعتباره أحد مؤسسي نقابة الفنون التشكيلية في مصر، وأيضا أحد المساهمين في إنشاء الإتحاد العام للتشكيليين العرب في العام 1971، لذلك يعد واحدا من النماذج التي جسدت وعكست معنى الثورة وإرتباط المثقفين بها مدفوعين بتحقيق الأحلام المؤجلة، ورغبتها في التطوير والتحديث والحرية، وأيضا تحولاتها سواء الطبيعية، والقسرية، وهو أيضا ينتمي إلى الجيل الذي تحمل عبء إقامة دعائم نهضة فنية، في ظروف صعبة، لذلك يقول عنه الفنان والناقد التشكيلي أحمد فؤاد سليم: «كان من اليسير تلمس انحيازاته للمفاهيم التي طرحتها «الثورة» حينئذ، وكان ليبراليا» من نوع «موليير».. حين كان يقض مضجعه الظلم السائد ويؤرقه الإحساس بالآخرين، لذا فإنه كان ينحو نحو إلهاب المشاعر بتماثيله المعبرة آنذاك. والمعرض في مجمله يرصد مراحل تطور فنان وأيضا سنوات مد ثوري وتحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية على مدار خمسين عاما القاهرة ـ سيد هويدي:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات