عاشت في وجدان الإنسان، الدمية من بيبي الفرنسية إلى باربي معشوقة الملايين

الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 ظلت طوال القرون جزءاً من الانسانية. عرفها انسان ما قبل التاريخ، واستخدمها لتجسيد دلالات روحانية او لمجرد المتعة والتسلية. صنعها الإنسان الأول من مواد بدائية مثل الطين والفرو او الخشب. وتواصلت مسيرتها الطويلة حتى هذا العصر. دخلت البيوت وعشقها الصغار والكبار وتفننت المصانع في انتاج نماذج جديدة منها باشكال واحجام مختلفة. وبعد ان كانت على هيئة انسان تحولت لتتخذ اشكال السيارات والطائرات والأسلحة والحيوانات. خلقت علاقة حميمة مع الانسان، ولايكاد يخلو منها بيت. واشتهر بعضها حتى تجاوزت شهرته الحدود الجغرافية للبلد الذي انتجه. تلك هي الدمي أو الألعاب، فما هي قصة هذه الدمية وكيف تطورت حتى أصبحت الدمية باربي تسكن كل بيوت المعمورة تقريباً؟ تم اكتشاف مجموعة من الدمى المصنوعة من الطين والتي تزين رؤوسها جدائل سوداء من الطين المحروق أو شرائح الخشب في القبور المصرية التي يعود تاريخها إلى العام 2000 قبل الميلاد. وقد كان اغنياء المصريين في تلك الحقبة يدفنون الدمى الطينية مع موتاهم، الأمر الذي جعل البعض يعتقد ان للدمى مكانة روحانية سامية وانها من الممتلكات التي يفاخر اصحابها بها. كما تم العثور على دمى من الطين والخشب في قبور الفتيات اللاتي عشن خلال الامبراطوريتين اليونانية والرومانية، فقد كانت الفتيات يهبن الدمى للآلهة عندما يصلن إلى السن التي لا يحتجن فيها للعب بها. وكانت كل تلك الدمى التي تم العثور عليها مصنوعة من مواد بدائية وعلى هيئة اشكال بسيطة للغاية. وهناك بعض الدمى النادرة المصنوعة من الشمع او العاج. وكان الهدف من صناعة الدمى هو انتاج شيء اقرب إلى الحي منه إلى الميت. وقد ادى هذا الهدف إلى تصنيع دمى بأعضاء متحركة وملابس يمكن نزعها. وقد تم انتاج مثل هذه الدمى خلال العام 600 قبل الميلاد. وبمرور الوقت تحولت اوروبا إلى مركز رئيسي لصناعة الدمى واعتمدت في ذلك على الخشب. ويمكن القول بأنه يوجد الآن نحو ثلاثين دمية يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر. وانتشرت هذه الصناعة في المانيا على نحو خاص حيث كان يتم انتاج دمية «الشماعة» وهي دمية خشبية يتم تركيب اعضاء جسدها في اماكن محفورة في الجسد حيث يتم وضع الساقين في حفرتين والرأس في حفرة ومن ثم الكتفين واليدين، وسميت بذلك الاسم لأنها كانت قريبة الشبه من شماعة الملابس. وبالاضافة إلى الدمى الخشبية كانت هناك الدمى المصنوعة من الشمع والتي انتشرت في مدينة ميونيخ الالمانية التي تحولت مع بداية العام 1850 إلى المركز الرئيسي لانتاج هذه الدمى. وشهدت البدايات الأولى للقرن التاسع عشر استخدام البروسيلين في صناعة الدمى. وكانت الدمى الطرية توضع داخل اتون وتتعرض لحرارة عالية قد تتجاوز 2000 درجة فهرنهايت. وهكذا ظهرت الدمى الفخارية. وشهد العام 1880 طفرة كبيرة في صناعة الدمى حيث تم الكشف في فرنسا عن اول دمية من «بيبي» التي انتشرت انتشاراً واسعاً ولا يزال البعض يبحث عنها حتى الآن. وما يميز هذه الدمية عن سابقاتها انها صنعت على هيئة فتاة صغيرة، حيث كان يتم في السابق صناعة الدمى على هيئة رجال. وبالرغم من ان الدمى الفرنسية لم تجد أي منافسة، خاصة في النواحي الجمالية، الا ان الدمى الفخارية الالمانية نالت حظها من الرواج نظراً لانخفاض اسعارها مقارنة بالفرنسية. وادى هذا التنافس إلى كشف الالمان عن دمى على هيئة شخصيات معينة الأمر الذي فتح الباب امام ما يطلق عليه الدمى الواقعية. وظلت الامهات طوال القرون يصنعن دمي من الخرق البالية لاطفالهن، وقد تم انتاج كميات تجارية من هذه الدمى لأول مرة العام 1850. وبالرغم من انها ليست فخمة مثل الدمي المصنوعة من مواد اخرى، إلا ان دمى الخرق البالية تجد رواجاً واسعاً ويحتفي بها الاطفال احتفاء خاصاً لانهم يجدون سهولة في التعامل معها وملاطفتها. ولم تتحول الدمي إلى صناعة في الولايات المتحدة إلا خلال الفترة التي تلت الحرب الأهلية في الستينيات من القرن الثامن عشر. وتركزت هذه الصناعة في نيوانجلاند واستخدمت مجموعة من المواد منها الجلد والمطاط والأقمشة. بعدها بدأت المصانع الأميركية والالمانية في الانتاج التجاري الواسع للدمى التي تستخدم في صناعتها مادة السليوليد وهي مادة صلبة شفافة. الا ان الانتاج تراجع نظراً لأن تلك المادة قابلة للاشتعال وقد تتسبب في مخاطر كبيرة. وتحولت صناعة الدمى في اعقاب الحرب العالمية الثانية إلى مادة البلاستيك، وتم طرح الكميات الأولى منها في منتصف الاربعينيات. وكانت تلك الدمى شبيهة بدمى السليوليد، الا انها كانت اكثر متانة وتحملاً. كما استعانت الصناعة بمواد اخرى مثل المطاط، والفينيل التي غيرت صناعة الدمى وسمحت لأول مرة في التاريخ بزراعة الشعر في رأس الدمية، بدلاً عن استخدام الشعر المستعار أو الاصباغ. ومهدت كل تلك المراحل المختلفة لظهور اكثر الدمى رواجاً وشهرة في العالم. الدمية باربي، تلك الفتاة النحيفة فارعة الطول التي غزت العالم بعد ان تم اطلاقها مباشرة منتصف خمسينيات القرن الماضي. ولهذه الدمية قصة طريفة، فقد رفضت عائلة دورتي هاندلر زواجها من زميل لها بالكلية يدعى اليوت، ولكنها لم ترضخ واقترنت به وانجبا طفلتين هما باربي وكين، وبينما كانت دورثي تقوم بزيارة الى سويسرا اشترت الدمية الالمانية ليلى دول صغيرة الحجم، وعندما عادت الى الولايات المتحدة اسست عائلة هاندلر مع صديق العائلة هارولد ماطسون شركة «مات» لصناعة الدمى. وتفتق ذهن دورتي عن الدمية التي اطلقت عليها اسم ابنتها «باربي» واستعانت بصديقة لها تعمل في مجال الازياء في تصميم ازياء خاصة بالدمية الجديدة ومنذ ان تم طرح الدمية في الاسواق لاول مرة العام 1958 حققت مبيعات بلغت 500 مليون دولار اميركي خلال العامين الاولين فقط. تلك قصة الدمى تلك المنتجات الانسانية التي خلقت مع الانسان علاقة حميمة تواصلت منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى هذا العصر الذي تسيدته باربى سيدة الدمى. مأمون الباقر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات