في محاضرة استضافتها ندوة الثقافة والعلوم، د. عزيز العظمة : العمل الوطني يقوم على التكامل وليس التجانس التراثي

الخميس 29 صفر 1424 هـ الموافق 1 مايو 2003 اكد الدكتور عزيز العظمة انه لا نهضة حضارية دونما متكأ علمي بشقيه الطبيعي والتاريخي الاجتماعي، وانه لا سبيل لنا في الوصول الى الثاني الا عبر توسل النظرة التاريخية في النظر الى الامم والمجتمعات، اي عبر الالمام بواقع التحول والتغيير بحيث يصبح تاريخنا تاريخا حافزا والاكتفاء من عملية استقبال التاريخ الى صنعه بحيث نخرج من هوامشه المزرية ونصل الى النظرة المستقبلية للعمل الوطني وهو عمل قائم على التكامل العملي وليس على التجانس التراثي مما يضفي على مفهوم الاجماع الوطني والقومي الطابع الفعلي وليس الاستمراري والاستعادي، ويصير هذا الاجماع فعلا سياسيا بعيدا عن وصفه نتاجا طبيعيا للسجايا الثقافية الموهومة والمرتجاه. جاء ذلك في المحاضرة التي القاها الدكتور عزيز العظمة بندوة الثقافة والعلوم ضمن فعاليات موسمها الثقافي بحضور المستشار ابراهيم بوملحة نائب رئيس دائرة العدل النائب العام بدبي رئيس مجلس ادارة الندوة وعدد من اعضاء مجلس الادارة وجمهور من المتابعين والمهتمين. وكان المحاضر قد اشار في مستهل ورقته الى الواقع العربي الراهن الذي يعيش وضعا استباحيا على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية في الوقت الذي لم يتنبه فيه سوادنا الى وجود مفارقات عجيبة بين مفرداتنا ووسائلنا ومشاغلنا ومشاريعنا وبين مثيلاتها على المستوى العالمي فهم يبادروننا بالحرب والسياسة ونحن نرد عليهم بالتغني بمناقب السلف ومجد الماضي، هم يرسلون القنابل الالكترونية، ونحن نرشهم بالاصالة والمشاريع الثقافية، وتوقف المحاضر مطولا عند عبارة العولمة التي اعتبرها عبارة جامعة لحالة التفارق بين الواقع والوهم وهما عنوان المحاضرة. وفي هذا السياق اضاف العظمة: ان المتفحص لتاريخ العالم الحديث سيكتشف ان العولمة تمثل الطور الراهن لدينامية اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية ابتدأت في القرن السادس عشر مع بزوغ آليات التوسع الاقتصادي التجاري اولا، والهيمنة الملاحية والعسكرية ثانيا للدول الاوروبية مفضية نهاية الامر وعلى استمرار القرون اللاحقة الى تحول النظم السياسية والادارية والقانونية التربوية والثقافية والى انقلاب القيم المعرفية والاجتماعية للبلاد التابعة على صورة تنشئة تاريخية مستأنفة وقيم انتشرت في اوروبا متنقلة الى الدول التابعة . في الوطن العربي بصورة خاصة، ترتب على هذا الوضع جملة من التوجهات العالمية وجدت ترجماتها المحلية في مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وما انطوت عليه من خطط ومن تفعيل سياسي ونزاعات تقدمية وغيرها. ولكن ثمة تحولات ذات ابعاد تاريخية كبرى ادت الى انحسار هذه النزعات التقدمية، منها الهزائم العربية المتتالية والنتائج المتضافرة مع الحرب الباردة العربية والتي ترجمت مبدأ ترومان لاحتواء الشيوعية على صورة الصراع بين المحاور العربية المختلفة وبين النظم الاشتراكية والقومية العربية والدول ذات التوجه الاسلامي المحافظ. وفي موقع آخر من المحاضرة اشار العظمة الى ان الكلام حول الانشطارات الثقافية في المجتمع باعتبارها امورا غريبة وطارئة شأن ذائع، وهو يتخذ عموما شكل الاحالة على ثنائيات متخيلة كالاصيل والوافد، والتحديث من فوق والتحديث من الداخل هذه الثنائيات منتمية الى نصاب، ايديولوجي عماده نظرة رومنطقية عالمية المدى في المجتمع وفي التاريخ وهي نظرية تقوم على استعارة البيولوجيا للكلام على المجتمع الذي نراه كتلة عضوية تموت وتحيا وتتصادم دون ان تتحول وعلى الاغتراب والاستنبات دون النمو والرقي. قضية الانشطار الثقافي لابد ان ينظر اليها نظرة عينية وعملية اي ان نرصد دور هذا الانشطار في اعادة انتاج الثروة والسلطة والثقافة وان نرصد دور وسائل الاعلام والمناقضة العربية العامة وسبب دور الفضائيات العربية والاجنبية في عملية التحول القيمي والاستهلاكي وفي المجانسة الثقافية على الصعيد العربي، وان ننظر بتأن الى انتاج الثقافة الدينية والفئوية ونوه المحاضر الى ان قضية حدود الخصوصية لا تتحد انطلاقا من مفهوم ضبابي للثقافة المحلية، بل على هذا التحديد ان يضع تخوما عملياتية في سياق الكلام عن التخطيط، وخصوصا ان شئنا بحث العلاقة العملية بين الثقافة والتنمية، ان حوار الحضارات وكما جاء على لسان العظمة شعار مناظر لشعار حرب الحضارات اذ ان كليهما ينطوي على افتراض تباينات وجودية وخنادق غريزية بين كتل تاريخية قد تتصارع وقد تتحارب وقد تتحاور لكنها لا تتداخل ولا تخضع لتحولات التاريخ غير الوفي قطعا للاصول المزعومة له، بحيث يضحى ما يسمى بحوار الحضارات حوارا للطرشان المتخندقين في مواقع مبرمجة سلفا يتم اجترارها والتغني بها، هذا في الوقت الذي نرى في استخدام مفهوم الحضارة اعلاء لصراعات اجتماعية واقتصادية تنتقل في هذا الاعلاء الى مجال اثيري وهو للثقافة والحضارة. وفي ختام ورقته اشار الدكتور عزيز العظمة الى انه وضمن سياق العلاقات الدولية غير المتكافئة قد يصار الى اعلاء اللاتكافؤ هذا وصرفه على الطبيعة الثقافة ومن ثم الحكم على الثقافات الاخرى، ومنها العربية بالثبات والركون الى التقادم الطبيعي فيه وبعدم الفاعلية التاريخية وما الكلام عن فرادة الحضارة الا احد وجوه عملية الانفصال التاريخية التي تؤسسها العولمة في طورها الحالي بين مجتمعات مزدهرة نسبيا اقتصاديا واخرى يحكم عليها بالقصور الخلقي وبعدم القابلية الفعلية للترقي، ولذلك لابد من ايلاء الجنب المعرفي في التعامل مع السياسة والمجتمع موقع الصدارة على افتراض ان دليل الواقع هو السبر وليس التمني والخيال واننا قد اخللنا بواجباتنا كمثقفين من توجيه الاهتمام نحو ايديولوجي حصرا دون التناول العلمي الا لماما، والاقرار بأن الثقافة العلمية في عصرنا هذا غالبا ما تقرن بتوجه تكنوقراطي وادائي صرف وانه بالتالي علينا ربط تناولنا للمعارف الحديثة بالعمليات السياسية والاجتماعية التي ترتجي منها النماء العقلي والاجتماعي والاقتدار وبالتالي على مواجهة المستجدات من موقع قد لا يكون نديا ولكن المرجو ان يكون كفوءا بصورة عامة كانت محاضرة مطولة وغلب عليها ذلك الطابع التخصصي والاكاديمي والذي اثار جملة من التساؤلات عند الحضور. كتب حازم سليمان:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات