أوروبا تطرح موروثها الثقافي للبيع

الجمعة 2 صفر 1424 هـ الموافق 4 ابريل 2003 منذ القرن الثالث عشر، كانت المدن الايطالية المستقلة تحمي تراثها الثقافي بالحرص نفسه الذي تعتمده في حماية حدودها واليوم بعد حوالي 800 عام، فإن ايطاليا الموحدة التي تفخر بميراث يضم أعمال عمالقة كبار في عالم الفن من أمثال مايكل أنغلو وتيتيان لا تزال على عهدها القديم في رعاية كنوزها الفنية والثقافية، فالدولة الايطالية ملتزمة بحماية كل كنوز ايطاليا تقريبا، من الروائع الفنية المعلقة على جدران المتاحف إلى القطع الثمينة الموجودة في مجموعات المقتنيات الخاصة والتي لا يستطيع مالكوها التصرف بها أو حتى نقلها من مكان لآخر من دون إذن رسمي. ويقول البروفيسور الإيطالي سلفاتور ستيس، أستاذ التاريخ والآثار الكلاسيكية: «الثقافة تحمل ذاكرة تاريخية تخص المواطنين». وتشترك الحكومات في انحاء أوروبا في هذا الشعور العميق بالمسئولية والالتزام لكن الضغوط المالية بدأت تجبر تلك البلدان على اعادة النظر واعادة هيكلة طريقة عنايتها بتراثها الثقافي وطريقة رعايتها للحاضر والمستقبل، وتضغط الحكومات في انحاء أوروبا الآن على المؤسسات الفنية لتصبح أكثر اكتفاءً ذاتيا ـ حتى ولو استلزم ذلك تبني أساليب محرمة مثل الخصخصة والاستعانة برعاية الشركات الكبرى وللاقرار بأن القضايا المالية التي تقل أهمية عن المزايا الفنية، ويعبر فيرنز هاينريش، عميد جامعة الموسيقى والفنون التمثيلية في شتوتغارت بقوله: «الثقافة هي جزء من عالم المال والأعمال. ولا ينبغي لأحد الادعاء بأنهما شيئان منفصلان». وإلى جانب تشجيع الشراكات في القطاع الخاص لتوفير الاعتمادات المالية اللازمة لحماية الكنوز والاركان الثقافية، فإن الحكومات الاوروبية راحت تدفع المؤسسات الفنية والثقافية لموازنة ميزانياتها، واخضاع ادارة المتاحف لاعتبارات متصلة باهتمامات القطاع الخاص واغلاق المسارح غير المربحة وهي جميعها نزعات مستحدثة ادت إلى قلق واسع النطاق داخل الأوساط الفنية، لكن ما مدى واقعية مبررات هذه المخاوف؟ البعض يرى ان المشكلة في مزج التجارة بالثقافة تكمن في ان الغاية النهائية قد تصبح لها أسبقية على اعتبارات أخرى مثل التطوير الابداعي، في حين يشعر آخرون بأن هذه الحجج بعيدة عن الواقع. ويقول كولين تويدي المدير التنفيذي لمؤسسة الفن والاعمال التجارية في لندن والتي تقوم بتطوير شركات بين الفنون وعالم المال والاعمال ان ايديولوجية المال والاعمال تجلب للفنون نعمتين، الأولى هي الموثقية المالية التي تعتبر بنظره الطريق إلى طول البقاء. أما النعمة الثانية فهي ان القطاع الخاص أقل تشدداً وعسرة في شروط تعاقداته وفقاً لتويدي الذي يصر على نبذ فكرة ان الشركات الراعية تسعى للتأثير على الاتجاه الابداعي للفنانين أو صالات العرض الفنية التي ترعاها. هل يمكن ان يقدر النجاح لزواج الفن بعالم المال والاعمال؟ من المناسب هنا النظر في الجبهة الايطالية حيث تتصادم وتمتزج الرؤى الفنية بالضغوطات المالية. يقول المؤرخ الفني الايطالي انطونيو باولوتشي، الذي شغل فيما سبق منصب وزير الثقافة: «ان المورد الرئيسي لدى ايطالياً هو رؤيتها الفنية. الفن، التاريخ الموضة، الطعام، الحرف اليدوية، التصميم، كل شيء من البيتزا إلى البوتيسيلي»، لكن اليوم فإن قدراً عظيماً من ذلك الموروث ـ بومباي الكولوسيوم وحتى صالة اوفيزي الفنية يمكن من حيث المبدأ أن يباع لخفض الديون العامة. وبسبب الدين المرعب الذي يثقل كاهل ايطاليا والذي تعدى 34,1 تريليون يورو بحلول نهاية عام 2002، مرر البرلمان في نهاية شهر يونيو الماضي قانوناً يخوّل وزير الاقتصاد باجازة تصفية أصول جزء من الميراث الثقافي لايطاليا وأنشئت لهذا الغرض مؤسستان «باتريمونيو» اس بي ايه» و«انفراستركتور ايس بي ايه» مخولتان ببيع أو تأجير الصروح التاريخية أو الكنوز الفنية أو الموارد الطبيعية كالجزر والشواطئ والغابات التي تعود ملكيتها للدولة. وعندما يكون موضوع الصفقة «ذا أهمية ثقافية خاصة» يحتاج وزير الاقتصاد للحصول على موافقة وزير الثقافة قبل بيعه، وعقب المظاهرات التي نظمها الموظفون الفنيون وأنصار حماية البيئة في أنحاء البلد في شهر ديسمبر الماضي احتجاجاً على الصيغة المبهمة والاجراءات المشوشة للقانون الجديد، قام وزير الثقافة جوليانو أورباني بتعيين اللجنة العلمية لحماية الميراث الثقافي لاقتراح المعايير المناسبة لتحديد الاشياء التي يمكن بيعها وتلك غير القابلة للبيع. ويشدد باولوتشي على ان الكلمة الأخيرة يجب أن تكون لوزارة الثقافة ويقول: «من مصلحة وزارة الثقافة الحفاظ على موروثنا الثقافي، أما وزارة الاقتصاد فهي مهتمة بجمع المال». ويقول سلفاتور سيتيس وهو مدير سابق لمعهد غيتي لأبحاث التاريخ الفني في لوس أنجلوس وعضو في اللجنة العلمية لحماية التراث الثقافي ان ايطاليا فريدة في أن متاحفها جزء متصل ومتكامل مع المدينة ونفس الفنانين الذين تراهم في صالة أوفيزي الفنية ستجدهم في كنيسة صغيرة على أطراف فلورنسا أو في الساحات العامة في البلدان المجاورة واتخاذ القرار حول ما يمكن الاستغناء عنه يصبح معقداً عندما يكون الارث الثقافي بهذا الثراء، وعندما يكون هذا الارث جزءًا كبيراً إلى هذا الحد من الهوية الوطنية، وعلى سبيل المثال فإن الصرح التاريخي «فيلا فيروني» الذي يعود للقرن السابع عشر والذي يعتبر انموذجاً رائعاً للطراز المعماري الباروكي ويقع على مسافة 30 دقيقة بالسيارة عن مدينة فلورنسا أصبح مهجوراً الآن، ولذلك إذا تقدم مشترٍ وأبدى استعداده لترميم الفيلا وجعلها مركز مؤتمرات، فإن المحاسبين في وزارة الاقتصاد سيوافقون على الفور، لكن سيتيس لن يوافق، إذ يقول: «هناك المئات من الدور التاريخية المهجورة ذات الملكية الخاصة لكن الحكومة لا تجبر المالكين على بيعها». ويقترح سيتيس اجراء جرد كامل للأركان الثقافية التي تملكها الدولة، وهي مهمة غير يسيرة في بلد غني بالتراث مثل ايطاليا. إذن ينبغي تقسيم القائمة ويمكن بيعها، أشياء لها أهمية ثقافية واضحة، لا يمكن بيعها وأشياء تقع في المنطقة الرمادية بينهما تحتاج إلى استنباط معايير لتحديد ما الذي يمكن بيعه منها. ويقول سيتيس علينا ان نبتعد عن الضغوط باتجاه ايجاد شيء صالح للبيع والضرورة الملحة الحقيقية الآن هي تصحيح القانون الخطير الذي تم تمريره. علي محمد

طباعة Email