الماوري .. أصل غامض ومستقبل مجهول

الخميس غرة صفر 1424 هـ الموافق 3 ابريل 2003 لا يزال الغموض يحيط بأصل قبائل الماوري البدائية التي تسكن الجزء الشمالي من نيوزيلندا. وتقول الاسطورة الشعبية ان اصل هذه المجموعة العرقية يقوم على ثلاثة احداث عظيمة متصلة. الحدث الاول هو رانجويني، اي أبو السماء وهو الحدث الذي تخلق فيه الماوري، والحدث الثاني هو بابا توناكو، اي الارض الام وهو الحدث الذي هبطت فيه القبائل الى الارض، اما الحدث الثالث فهو ماوى، اي الآلهة التي اصطادت الارض ومنحتها الخير والبركة. اما اكبر الاحداث التي ادت لتخلق الماوري فهو تشكل تاوهاكى الذي يرمز للارستقراطية والبطولة وتتمحور حول شخصيته كل الالهة الاخرى والاساطير والاتباع واصل الانسان والذي تحكي عنه الحكايات وينظم فيه الشعر وتقام له الطقوس والاحتفالات الدينية ولا يتجرأ اي من افراد الماوري على الاستهانة بنفوذه وإلا تعرض لصنوف من عذاب الضمير وانتهى نهاية مأساوية. ويحدد الموروث التاريخي للماورى المراحل الحديثة الثلاث المتصلة لهذا التطور والتشكل بثلاث مراحل اساسية، هي تي كوري، اي لحظة تكون الطاقة والقوة والفراغ والعدم، ثم تي بو اي مرحلة تكون الاشكال والاجسام والظلام والضوء واخيراً تي ماراما اي لحظة تكون البدايات الاولى للحياة والواقع وتحديد المكان الذي يسكنه البشر. ويقول الماوري انهم ابحروا من هاويكي، موطنهم الاسطوري ورست قواربهم بالجزء الشمالي من نيوزيلندا قبل نحو اكثر من الف عام. ولكن اين تقع هاويكي هذه؟ يعتقد بعض المؤرخين والدارسين انها تقع في منطقة ما بالمحيط الهادي وقد تكون في منطقة بولينيزيا. الا ان بعض الدراسات الحديثة تدعى ان الماوري كانوا يسكنون فيما يعرف حالياً بالصين قبل نحو اكثر من خمسة عشر الف عام، وانهم انتقلوا من هناك عبر تايوان والفلبين الى اندونيسيا. وتضيف هذه الدراسات الى انه وقبل اكثر من ستة آلاف عام انتقل الماوري الى جزر فيجي ومنها الى ساموا ثم جزر الماركيز التي انتقلوا منها الى تاهيتي وجزر كوك واخيراً نيوزيلندا. وبالرغم من عدم التحديد الدقيق لموقع هاويكى، المنطقة التي يعتقد الماوري بانها المكان الذي كانوا يعيشون فيه، الا ان الحكايات الشعبية التي يتداولونها تقول انه وبعد ان يلفظ الواحد منهم انفاسه تعود ارواحهم الى هاويكى المقدسة في رحلة طويلة حيث تلتقي ببقية الارواح في هاويكى وهي تنشد «لقد اشتقت اليك ايها المكان المقدس البعيد ايها الوطن الروحي للماوروي». وبصرف النظر عن تلك الاساطير والقصص حول اصل الماوري، الا ان كتب التاريخ تذكر ان قواربهم رست على شواطيء نيوزيلندا قبل الف عام، كما ان الشواهد اللغوية والثقافية تؤكد انهم نزحوا من جزر كوك التي كانت مكاناً يضج بالحركة والحياة والنشاط الاجتماعي والتجاري. وبنهاية القرن الرابع عشر شهدت المنطقة تكون تجمعات سكانية كان افرادها يرتدون ملابس مصنوعة من الكتان ويتزينون بجلود الكلاب وريش الطيور مثل الكيوي والموا الذي يبلغ ارتفاعه عن الارض نحو اربعة امتار ولا يوجد الا في هذا الجزء من العالم. واستطاع الماوري، بعد ان استقرت اوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية تطوير تقاليد فنية متطورة للغاية ويتجلى هذا في الهندسة المعمارية للمنازل وقوارب الصيد والحفر على الخشب والتاتو ـ اي النقش على الجلد ـ الذي يعتبر واحداً من ابرز ملامح الرجولة والقوة. ونظراً لاعتماد الماوري على صيد السمك والطيور فان تجمعاتهم السكانية تتكاثر في مواقع الصيد، الامر الذي جعلهم اكثر تمسكا بما يطلقون عليه «الواهناو» اي العائلة وزاد من ترابطهم الاسري والقبلي وهو النظام الذي يطلقون عليه «هابو» اي القبيلة ومكنهم من رسم حدود واضحة بين مختلف القبائل وشجع الزواج بين افراد القبيلة الواحدة. ويسكن الماوري داخل قرى محصنة ومنيعة وتحيط بها الاسوار، وان تمكن الاعداء من اختراق السور الخارجي وجدوا انفسهم امام سور آخر. وساعدت هذه الهندسة المعمارية التي تهدف اساساً لحماية السكان وممتلكاتهم على تطور طقوس خاصة بالحرب مثل الرقصات، كما أدت لنشوب العديد من المعارك حول ملكية الارض والثأر ومجموعة من الاسباب الاخرى والتي يتعرض الطرف المهزوم فيها الى الاسترقاق او يتحول لوجبة دسمة. وبرغم الغموض الذي يكتنف اصل الماوري الا ان الحقيقة تقول ان هذه التجمعات السكانية البدائية قد تعرضت ومنذ هبوطها بهذا الاماكن الى هجمات الرجل الابيض الذي جاء ومعه العديد من الامراض الاجتماعية والتهديدات الامنية التي جعلت الماوري يتقاتلون فيما بينهم ويصرفون النظر عن تقاليدهم وموروثاتهم حتى تفشت الامراض وانتشرت العادات الضارة وسطهم بالدرجة التي قد تحولهم الى شيء من التاريخ المجهول مثل اصلهم تماماً. مأمون الباقر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات