كنوز الفن ـ « بورصة » .. تجسد لروعة عمائر العثمانيين

الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 اتخذ الأتراك العثمانيون من مدينة بورصة عاصمة لدولتهم الناشئة وكان من الطبيعي أن تحتضن هذه العاصمة الأعمال المعمارية لأوائل سلاطين العثمانيين فضلا عن بعض أعمال أخرى اختص بها السلاطين عاصمة ملكهم القديمة بعد نقل العاصمة مرتين الأولى منهما إلى أدرنه والثانية إلى القسطنطينية. وقد استخدم في تخطيط المساجد العثمانية الخمسة الأول والتي شيدها السلاطين لتحمل أسماءهم تخطيط يعرف باسم حرف - المقلوب وهو يتألف من بيت للصلاة مغطى بقبة مركزية ضخمة تتقدمه صفة متقاطعة على محوره الرئيسي فيما يشبه أن تكون المصلى الصيفى المفتوح بواسطة بوائك مغطاه بقباب ضحلة، وأقدم هذه المساجد هو مسجد أورخان بك (740ه/1339م) وقد تساقط رخام هذا المسجد وتهدمت أحجار صفته عند حاول بعض الجند أشعال نار داخله للتدفئة وذلك أثناء حصار محمد بك القره ماني لمدينة بورصة في عام 1413م. وقد قام الوزير بايزيد باشا في عام 1417م بإصلاحه بأمر من السلطان محمد جلبي (الأول) وعلى الرغم من خضوع المسجد للعديد من أعمال الإصلاح والترميم إلا أن تخطيطه الأساسي لم يطرأ عليه أي تعديل، فهو على هيئة حرف T المقلوب نتيجة تزويده بقبتين صغيريتن في جانبه وقبة أكبر ناحية القبلة، وهكذا أحيطت القبة المركزية العالية (قطرها 845م) بقباب من جهات ثلاث وفي مقدم المسجد مجموعة غرف تغطي الوسطى منها قبة صغيرة جدا أما الغرف الأخرى فمغطاه بأقبية وغرف الأركان أوسع وأكبر وهي مغطاه بالأقبية أيضا. وفيما يلي الغرف توجد الصفة المقسمة إلى خمسة أجزاء وتغطي القباب الأجزاء الثلاثة التي في الوسط ويغطي الجانبين أقبية بحشوات ونجد تيجان أعمدة يونانية مركبة ضمن العقود الحاملة المملوءة بالأشكال المنشورية. ونشاهد في القبة الرئيسية المثلثات ذات التركيبة الكروية وكأنها مراوح مقلوبة والواقع أن مسجد أورخان يعتبر مثلا أو نموذجا لمساجد بورصة الأخرى والمسجد الثاني في بورصة هو مسجد مراد الأول خداوند الذي فيه بمنطقة جكركه في بورصة وقد تم تشييده قبل نهاية عام 1385م. وجدران هذا المسجد سميكة ومبنية من ثلاثة مداميك بالطوب بالتبادل مع مدماك من الحجر المنحوت،ويتكون المسجد من طابقين خصص أعلاهما ليكون مدرسة ويتألف التخطيط الأصلي لجامع مراد من قبة رئيسية مرتفعة وصفات ذات أقبية تحيط بالقبة وتسندها من ناحية القبلة ومن الجانبين.وفي الأركان غرف ذات أقبية ويقع المدخل في الوسط ويوجد سلم في كل طرف يصعد إلى الطابق العلوي.والطابقان تغطيهما قبة رئيسية وقبو ويوجد بنفس اتساع القبة. وتنتشر على طول جوانب الطابق العلوي، غرف المدرسة المغطاة بالأقبية. أما الرواق الذي يدور حول القبة الرئيسية وإيوان القبلة فيطل على المسجد من خلال نافذة واحدة توجد غرفة صغيرة لها قبة تعلو المحراب. وتكون الواجهة الفخمة من صفة ذات خمس قباب ودعامات تحمل الطابق الثاني حيث توجد ثلاث قباب في الوسط وأقبية ذات حشوات في الجانبين.. وهذه الصفة ذات أروقة تطل في الأمام وعلى الجانبين من خلال عقود مدببة.وبعض هذه العقود يجمع عقدين صغيرين بداخله تفصل بينهما الاعمدة وتعطي كلها مظهر بيوت البندقية لكن نظرا لأن الواجهات الأخرى للمبنى لا تضم سوى القليل من النوافذ فقد أكسبها ذلك نوعا من الجمود فضلا عن أن الداخل أصبح لا يوحي بالبهجة لقلة الإضاءة ويضم هذا المجمع ضريحا للسلطان مراد في الناحية الشمالية لدار المرق الواقعة في الناحية الغربية، ويعرف هذا المسجد باسم «أولو جامع» أي الجامع القديم لأن السلطان مراد الثاني أسس مسجدا آخر في نفس المدينة، صار يعرف باسم جامع المرادية. وتوقفت جهود المعماريين الأتراك لبعض الوقت في نهاية القرن الثامن الهجري (14م) نتيجة اضطراب الأحوال الداخلية بسبب هزيمة بايزيد الأول (يلدريم أو الصاعقة) ووقوعه أسيرا في يد تيمور لنك الرهيب. لكن مسيرة التطور المعماري سرعان ما تواصلت خلال السنوات العشر التي تلت وفاة بايزيد (1403م) وذلك على يد ولده السلطان محمد جلبي، وعادت الحيوية ثانية لفن المعمار. ويعتبر المسجد الاخضر في بورصة من أوائل الاعمال التي شرع السلاطين العثمانيون في تشييدها، وقد وضع تصميم هذا المسجد المهندس المعماري «حاجي إيواظ» بأمر من السلطان محمد جلبي. وجاء البناء في صورة مجمع يضم بالإضافة إلى الجامع ضريحا له هيئة غير مألوفه إذ يرتفع بنيانه عن بناء المسجد،وقد استغرق بناء المجمع عشر سنوات انتهت في عام 1424م، إبان حكم السلطان مراد الثاني حيث لم تكن زخارف نوافذه من الخارج قد انتهت بعد. ويتضح من المظهر الحالي للعقود أن المهندس «إيواظ» كان ينوي عمل صفة مدخل مغطاة بخمس قباب لكنه عدل عن ذلك. وتخطيط المسجد وعمارته تجعلانه أشبه بمسجد بايزيد الصاعقة، إذ له قبتان الواحدة تلي الأخرى وهما ترتكزان على مثلثات منشورية وله إيوان تغطية قبة وقباب في الأركان جهة حائط القبلة وأقبية طويلة تغطي الغرف الأخرى جهة حائط المدخل. وقد زود الحائط من كل غرفة بحنية لها أرفف غائرة وبمدفأة كتلك التي في مسجد بايزيد. وكانت القبة مفتوحة أصلا ولكنها أغلقت فيما بعد بمنورة وضع أسفلها شادروان جاء أدنى قليلا من مستوى المسجد. والبهو الأمامي الموجود بين الغرف المغطاه بالأقبية منفصل كلية عن داخل المسجد وهو يضم طابقين، الطابق الأول منه شرفة في كل جانب ويضم الطابق الثاني جناحا خاصا وشرفة ملكية، ويوجد كذلك سلمان في جانبي بهو المدخل وشرفتان تطلان على الطابق الأول. والمنطقة التي ينخفض مستواها عن مستوى المسجد هي منطقة الشادروان المتصلة بمنطقة قبة المحراب وهذه يتم الوصول إليها ببضعة درجات من خلال عقد ناقص. والمسجد مبني كله من الحجر المنحوت وزخارف ظلت مدخله ومحاريبه الخارجية ونوافذه غنية بالزخارف وتكشف عن براعة فائقه في الحفر على الحجر، ويبدو واضحا ارتفاع جدران الواجهة والجوانب وهي تحتوي على طابقين يضم كل واحد منهما صفا من الشبابيك. وقد عرف هذا المسجد باسم الجامع الاخضر نتيجة لأسلوب تغطيته بالبلاطات الخزفية الفاخرة التي يغلب عليها اللون الأخضر المائل للزرقة. وحدث في وقت متأخر أن تم الكشف عن زخارف ذات الوان متعددة وثرية في زخارفها وذلك بعد أن أزيل الملاط من فوق الاجزاء العليا لجدران القبة.وقد ترك الفنان الذي صنع بلاطات هذا المسجد اسمه عند الحافة الدنيا للعقد الموجود بالمقصورة السلطانية وهو «محمد المجنون» لكن لاصق البلاطات ومنسقها والمسئول عن وحدة الأسلوب الزخرفي هو «علي بن الياس علي» النقاش الذي نرى اسمه محفورا على أحد احجار المقصورة السلطانية أيضا. ونظرا لإستخدام ذات البلاطات الخزفية في زخرفة ضريح السلطان محمد جلبي فقد عرف هو أيضا باسم «التربة الخضراء وقد دفن بها السلطان بعد وفاته في عام 825ه/1421م. وفي عام 830هـ (1425م) أقام السلطان مراد الثاني مسجدا باسمه في بورصه وهو المعروف باسم المرادية.ويمتاز جامع المرادية ببساطه تخطيطه الذي يتكون من قبتين الواحدة وراء الأخرى وإيوانين تغطي كل منهما قبة على جانبي القبة الأولى بينما الثانية مفتوحة، وغرفة ركنيه صغيرة ناحية المدخل، وصفة بثلاث قباب في الوسط وبقبوين في الجانبين، وتهيمن القبتان الرئيسيتان على المبنى كله نظرا لإرتفاع جدران الواجه والجوانب. ولجامع المرادية مئذنتان وجدرانه مبنيه بمداميك من الحجر المنحوت ومن الطوب بالتبادل كما في مسجد مراد الأول في بورصه. د. أحمد السيد محمد:

تعليقات

تعليقات