الصينيون يتخلون عن المواليد الاناث طمعاً في الذكور

الجمعة 12 شعبان 1423 هـ الموافق 18 أكتوبر 2002 تبلغ تشين جياني من العمر 17 شهراً. ولقد امضت حياتها كلها ما عدا الاسابيع القليلة الاولى منها في دار للايتام في شنغهاي. ولكنها ليست يتيمة بالمعنى الذي قد يتبادر للذهن. ففي مكان ما من الصين، يعيش على الارجح والدا هذه البنت الصغيرة ذات الشعر الاسود والبشرة الفاتحة والعيون السوداء. ولا احد يعرف باستثناء والدتها، لماذا تركت تشين جياني في احد المستشفيات المحلية بمنطقة كيباو بمدينة شنغهاي. وعندما وصلت الى جمعية رفاهية الاطفال في شنغهاي، بعد شهر على ميلادها في 30 ابريل من العام الماضي، كان كل ما لديها من تاريخ هو تاريخ ميلادها. وكانت تشين جياني بنتاً في كامل صحتها تركت في غفلة من مستشفى مكتظ بنزلائه، من دون اي شيء اللهم الا ملابسها وقصاصة ورق صغيرة تشير الى تاريخ ميلادها. انها واحدة من عشرات الالوف من الوليدات اللواتي يتم التخلي عنهن سنوياً في الصين. وشأن جميع الاطفال الآخرين الذين ينتهي بهم الحال في دار الايتام، منحت جياني كنية هي تشين وذلك بحسب العام الذي دخلت الملجأ فيه، وفي كل عام، يتم اختيار اسم مختلف للقادمين الجدد. وفي سلة بالغرفة التي تقيم فيها مع 23 طفلاً آخرين، هنالك بطاقة كتب عليها اسم جياني وتاريخ ميلادها الى جانب رقم السرير الذي تقضي فيه معظم اوقاتها. وفي المكتب بالاسفل، يوجد ملف اكبر لكل طفل، ولكن للكثيرين منهم، هنالك القليل مما هو مكتوب فيه ـ وقصصهم تحوي العبارتين التاليتين: تم التخلي عنهم، وجاءوا الى دار الايتام. احدث الاطفال الذين دخلوا دار الايتام، مؤخراً كانت بنتاً تركت في الشارع بضاحية زيوهو. ومن هناك، اخذت الى قسم الشرطة المحلي من قبل احد المارة. وهذا هو الاجراء المتبع والشائع مع الاطفال المتخلى عنهم. فهم يبقون في قسم الشرطة لمدة ثلاثة ايام، بينما يتم اجراء تحقيقات للعثور على آبائهم، وفي معظم الحالات لا يتم العثور عليهم. رسالة اسف في بعض الاحيان، يحمل الطفل رسالة مكتوبة بخط اليد في جيبه، تفسر السبب الذي دفع بأمه الى تركه. والبعض يقول في رسالته: «انني آسفة، فانا فقيرة جداً بحيث لا استطيع ان احتفظ بطفلي» ويقول آخرون ان الطفل ولد غير شرعي، او ان الطفل معاق. وفي احيان اخرى، لا تكون هناك سوى رقعة مكتوب عليها تاريخ الميلاد ومربوطة حول معصم الطفل او مشبكة بدبوس بملابسه. وفي احيان نادرة يكون مع الطفل القليل من المال. ولكن في اغلب الاحيان لا يكون هناك شيء ابداً، وربما يعود ذلك الى خوف الاهل من ان يلقى القبض عليهم، فعلى الرغم من انتشار هذه الظاهرة في الصين، الا ان التخلي عن الطفل في الصين يعتبر امراً مخالفاً للقانون. وفي معظم الاحيان، يتم ترك الاطفال في اماكن يكون الآباء متأكدين من انه سيتم العثور عليهم، كأن يتركوهم في الحدائق العامة، او بجوار الطرق او على عتبات المنازل وفي المطاعم والمحلات والمراحيض العامة. ونادراً ما يتم العثور عليهم في مكبات النفايات وقنوات الصرف الصحي. وفي حين قد تكون هناك حالات قتل للاطفال المواليد، الا انها تبقى حالات نادرة. غير ان التقاليد والثقافة والفقر وغياب التعليم وسياسة الطفل الواحد التي تعتمدها الدول تجتمع معاً لكي تجعل من التخلي عن الاطفال مسألة كبيرة في الصين. واللافت للانتباه هو ان الغالبية العظمى من الاطفال الذين يتم التخلي عنهم هم من البنات وليس الاولاد. فالاولاد الاصحاء جسدياً لا يتم التخلي عنهم ابداً في الصين وانما المعاقون فقط. وميلاد صبي للاسرة هو سبب وجيه للاحتفال بينما يعتبر ميلاد بنت سعادة منقوصة. ويقول احد الامثال التقليدية الصينية: هناك 36 فضيلة، ولكن ان يكون المرء بدون ورثة «ذكور» هو شر يبطلها جميعاً. ويقول ايضاً ان «الابنة المتزوجة هي مثل الماء المسكوب خارج المنزل»، وذلك لان الثقافة الصينية تنص على ان الفتاة عندما تتزوج، فانها تترك عائلتها وتصبح جزءاً من عائلة زوجها. بعد ثلاثة ايام من البقاء في قسم الشرطة وعندما تتم تعبئة جميع النماذج، يؤخذ الطفل الى مستشفى قريب لاجراء الفحوص عليه ثم يرحل الى دار الايتام. وفي بعض الاحيان، يتم البحث عن ذويهم من خلال المناشدات التي تنشر في الصحف المحلية. من الملاحظ وفاة الكثير من الاطفال في الملجأ دون ابداء اسباب مقنعة. وفي منتصف التسعينيات من القرن الماضي، كان هذا الامر محور جدل كبير جاء في اعقاب نشر تقرير اعدته منظمة الحقوق المدنية «هيومان رايتس واتش» وكذلك بث القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني لفيلم وثائقي حمل عنوان «غرف الموت» في عام 1995، والذي صور اطفالاً تركوا ليموتوا في غرف سرية بالملجأ. وزعم التقرير الذي نشرته «هيومان رايتس واتش في عام 1996» وحمل عنوان «الموت بسبب الاهمال» ان معظم الاطفال الايتام او المتخلى عنهم يموتون في غضون العام الاول من دخولهم الى دور الايتام التي ترعاها الدولة. واتهم الحكومة بانتهاج «سياسة الاهمال القاتل» وافاد التقرير ان جمعية رفاهية الاطفال في شنغهاي قد مارست سياسة متعمدة لقتل الاطفال في حالات عديدة، وذكر ان نسبة الوفاة من اواخر الثمانينيات وحتى اوائل التسعينيات بلغت «ما يقارب الـ 90%». غير ان الحكومة الصينية الغاضبة وصفت التقرير بأنه محض «افتراءات واكاذيب» ولكن المعلومات التي جاءت فيه تسببت بموجة من عمليات التبني الدولية لهؤلاء الاطفال واحدثت هزة وان كانت بطيئة بطريقة تعامل الحكومة الصينية مع الاطفال المتخلى عنهم. ضرار عمير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات