احياء حمامات ينابيع «باث» الطبيعية

الخميس 11 شعبان 1423 هـ الموافق 17 أكتوبر 2002 اعتاد الناس منذ القدم زيارة مدينة باث الانجليزية المشهورة بينابيعها المعدنية سعياً للشفاء من اعتلالاتهم الجسدية، وفي العصور الوسطى كان المرضى يقطعون أميالاً طويلة على أمل ان الاستحمام بالمياه المعدنية الحارة سيجعلهم يشعرون بالتحسن. حتى انه كان يقال ان شرب ماء الينابيع ايضاً مفيد للصحة، وفي أوائل القرن العشرين بدأت باث تسوق أشهر منتجاتها على الاطلاق تحت اسم «ماء سوليس» وقبل سنوات من وجود هيئات حكومية مثل ادارة معايير التجارة، كان يقال ان ماء السوليس يعالج أمراضاً مثل داء النقرس وأسفل الظهر وألم النسا أو عصب الورك والتهاب الاعصاب. واليوم هناك اقرار بأن الاستحمام في مياه الينابيع الطبيعية الحارة هي بالفعل مفيدة لعلاج الروماتيزم والاضطرابات العضلية فضلاً عن المشاكل الجلدية والتنفسية. لكن خبراء الصحة الآن يرون في الاستحمام في هذه الينابيع طريقة لعلاج الجسم والعقل على حد سواء. ويقولون ان الاسترخاء في ينبوع مياه معدنية حارة من أفضل الطرق على الاطلاق لتخفيف وطأة الضغوط النفسية والمساعدة في اعادة تنشيط الدماغ. ونظراً للأهمية التاريخية والسياحية والصحية لمنتجات المياه المعدنية يجري العمل في انجلترا منذ قرابة العامين على مشروع بتكلفة حوالي 20 مليون جنيه استرليني لاعادة فتح الحمامات التاريخية بمدينة باث للملأ لأول مرة منذ قرابة 25 عاماً. ولم يكن بمقدور أحد استخدام الحمامات منذ ان أغلقت ادارة الرعاية الصحية البريطانية مركزها العلاجي هناك في عام 1978، مع ان المدينة بأسرها بنيت على أساس الينابيع المعدنية الطبيعية منذ آلاف السنين. وقد باءت المحاولات السابقة لترميم منتجعات الينابيع الحارة بالفشل بسبب ارتفاع تكلفة المشروع والمخاوف حول درجة نقاء مصدر الماء. وقدمت لجنة الألفية منحة بثمانية ملايين جنيه استرليني لتجديد خمسة مبان تاريخية بما في ذلك «الحمام الحار» و«حمام كروس» اللذين يعود تاريخهما للقرن الثامن عشر. سيفضي المشروع العام الذي يجري العمل عليه منذ سنوات الى بناء مجمع جديد يحمل اسم «ثيرما باث سبا» تكنياً بالشركة الهولندية التي ستتولى ادارته. وقريباً سيصبح هذا المنتجع المكان الوحيد في بريطانيا الذي تستطيع فيه الاستحمام في مياه ينابيع طبيعية ساخنة. وعند افتتاح الحمام في يناير 2003 سيستمتع الزوار بمشهد رائع عبر الحواجز الزجاجية التي تطل على معالم البلدة القديمة، علاوة على الفوائد العلاجية التي سيحظون بها من الاستحمام في مياه باث الشهيرة الشافية. ويرجح ان يخصص «حمام كروس» التاريخي للسكان المحليين فقط، في حين سيعود «الحمام الساخن» الى عهدة القديم، حيث سيكون مركزاً لعلاجات الاصابات والاعتلالات الجسدية، وستتوفر المعالجة المائية العينية على أسس علمية في الحمام الساخن لمعالجة المرضى في مغاطس صغيرة في المياه المعدنية الطبيعية وسلسلة من حجر التدليك والعلاج الفيزيائية المحيطة بها. على مدار تاريخ مدينة باث مرت على ينابيع المياه المعدنية فترات ازدهار وذبول عديدة بحسب درجة شيوع عادة الاستحمام في المياه الحارة في كل عصر. وكان الرومان أول من وضعوا مناشفهم في هذا المكان الذي أطلقوا عليه اسم «اكوا سوليس» حتى انهم بنوا معبداً فوق احد الينابيع الثلاثة، وكانت الحمامات الرومانية مكاناً يجتمع فيه ملاك الأراضي الاثرياء والساسة لمناقشة شئون الساعة وحتى في أيام الرومان كانت الحمامات التي ذاع صيتها تجتذب الزوار من انحاء بريطانيا وأوروبا. ومن الواضح ان شركة «ثيرما» تأمل بأن يتدفق السياح الى مجمع الحمامات الجديد ايضاً، وتقدر بأن نحو 15 ألف شخص سوف يستحمون في البركة الجديدة الموجودة على سطح المبنى البديع في كل عام. ولبلوغ هذا الهدف يسعى المنتج لأن يكون جنة لعشاق الاسترخاء والمرضى الراغبين بتجريب العلاج الطبيعي. ويقول مدير المشروع مايكل غراي: «في الطابق الثالث سيكون هناك أربعة ينابيع دائرية في أرض اسمنتية محاطة بجدران زجاجية، وفي كل بركة سيتم ضخ البخار بدرجة كثافة مختلفة ممزوجاً بروائح عطرية علاجية متنوعة. وفي الطابق الثاني توجد منطقة خالية من الماء تتوزع فيها غرف التدليك ومحلات بيع منتجات التجميل وقاعات التمارين المخصصة لدروس اليوغا والتأمل. ويتميز المنتجع بتصميم معماري بديع يجمع بين الاصالة والتحديث العصري المتمثل في استخدام الجدران الزجاجية للفصل بين أقسام الحمامات ولفصل الردهات الجديدة عن المباني التاريخية المجاورة، بحيث يستطيع الزائر ملاحظة تطور الفن المعماري منذ العقد الجورجي حتى القرن الواحد والعشرين في نظرة سريعة الى تسلسل المعالم المحيطة به من كل مكان. ويضم المبنى الجديد قبوا فسيحا، يضم تجهيزات ضخ الماء ووحدات المعالجة الاحتياطية التي يتم فيها على سبيل الاحتياط اضافة الاوزون للقضاء على البكتريا في حال وجودها والكلورين للقضاء على اي جراثيم يجلبها الزوار المستحمون انفسهم، وخلال عمليات الحفر التي مهدت لبناء القبو اكتشف المعماريون اركانا مردومة من الحمامات التاريخية التي كانت تقف على ارتفاع خمس طوابق وعثروا على بقايا طريق روماني وقناة تصريف صحي اصلية بناها الرومان لتصريف المياه الفائضة ولاتزال تعد المخرج الوحيد للمياه في الحمام. ومن خلال تحليل التركيبة الكيميائية لطبقات التربة تحت منطقة الحمامات، اكتشف المعماريون اول دلائل على وجود نشاط بشري بين العصر الروماني والعصور الوسطى. وبعد زمن طويل من افول الامبراطورية الرومانية وانقضاء عهد رهبان العصور الوسطى، ساعدت النيابيع المعدنية الطبيعية في اعادة احياء مدينة باث في عهد الملكة اليزابيث الاولى، ومرة اخرى عندما جعل الجورجيون حمامات باث تنتمى لذروة الموضة، ومع ان الاستحمام في الينابيع المعدنية لم يعد شائعا وعصريا منذ ذلك الحين لكن يبدو ان الموضة دارت دورتها وعادت الآن لتتبنى ذلك النشاط الموغل في القدم. وهناك خطط الآن لاعادة الحياة لحمامات تاريخية في بلدان بريطانية اخرى مثل باكستون وتشيلتنهام، اللتين تقترحان بناء منتجعات جديدة ومراكز معالجة مائية خاصة بها، وكذلك فان بلدة مالفيرن ربما تقوم بتجديد الموقع المحيط بينابيعها المعدنية الطبيعية، في حين تعتزم بلدة هاروغيت توسيع حماماتها التركية.. ستعتمد مثل هذه التطورات على نجاح منتجع «ثيرما باث سبا» وهو نجاح يبدو مضمونا بشهادة سجله التاريخي العريق. علي محمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات