على محك النقد ـ مع جذور الحداثة ـ بقلم: د. غازي مختار طليمات

الخميس 11 شعبان 1423 هـ الموافق 17 أكتوبر 2002 يخطيء من يظن أن الحداثة في الأدب والنقد شكل جديد يزاحم شكلاً قديماً، أو شعر حرّ ضاق بقيود الخليل فنفضها عن كاهله، وطفق يلغو بلا وزن ولا قافية، أو تجربة فنية، تبحث عن إطار يكنفها، وزيّ تتزيّا به. إذْ لو كانت كذلك لكان علينا أن نتلقاها بلا اعتراض ولا امتعاض كما نتلقى غرائب الثياب، وطرائف السّلَع، والمزروع والمصنوع من شرق وغرب، والمأكول والمشروب من طيب وخبيث. ولكان علينا أيضاً أن نقنع أنفسنا بأن الحضارة أخذ وعطاء، وتبادل وتكامل، وتحاور وتعاور. ففيم رفضُ الجديد وفيم التشبث بالقديم؟ والجديد لولا وفاؤه بحاجة ملحة ما أخذ، والقديم لولا قصوره عن الوفاء بها ما نبذ. ان الحذر من الحداثة يُعزى إلى توجّس الخوف من الجوهر، لا إلى تحسس النفور من المظهر، وإلى الجذور الفكرية والفلسفية والاقتصادية التي غذت ثمارها بنسغ دخيل وبيل، لا إلى أشكال الثمار وألوانها. فما الجذور التي استقت منها الحداثة فلسفتها في الحياة؟ وما العين التي نظرت بها إلى الكون؟ لو كانت الحداثة بضاعة عربية لسألنا زارعنا ماذا زرع، وصانعنا ماذا صنع؟ ولكنها بضاعة غريبة جليبة، حُملت إلينا بخيرها وشرها، وطلب إلينا أن نتقبلها بلا نقاش كما يطلب إلينا أن نبتلع ما في العلب المغلقة من لحم محفوظ، لا ندري على وجه الدقة والحقيقة من أيّ بلد جُلب، ولا من أي حيوان أُخذ، ولا وفق أي شريعة ذبح حيوانه؟ بل يكتب لنا على العُلب ما يرضينا لا ما يوافق الحقيقة، فنستهلكه غير مطمئنين، ونلقي تبعة تحليله وتحريمه على المستورد، ونحن نعلم علم اليقين أنه ليس من أهل الفتوى. والحداثة ليست أكثر من دفعة مستوردة قذفتها إلى شواطئنا الأمواج الزاحفة من الغرب. وحينما بلغتنا فُرض علينا قبولها بمعقولها ومجهولها، ومعسولها ومرذولها. فجندنا لترويجها وسائل التعليم والإعلام، وأوليناها صدور الصحف والمجلات، وأقحمناها في الأدب والنقد، وأوطأناها أعجاز المنابر، وصنعنا على نهجها النثر والشعر، وألّفنا في إطرائها الكتب، وعقدنا لتمجيدها المحاورات، حتى خيل إلى الناشئة من المتأدبين أنها جماع الإبداع، وقمة الرقي الفكري، وأن كل من لا يسيغها غبيّ عيي، متكلّس العقل، متبلّد الحسّ، فانغمسوا فيها على جهل، وعبوا منها على غير عطش، وأرغموا أذواقهم على تجرعها بالإكراه، كما يفعل المبتديء بالتدخين قبل أن يتحول ألمه إلى لذة، وتقيّؤه إلى استمراء. وإذا كانت الحكومات الرشيدة في كل أقطار الأرض تحلل الغذاء الدخيل قبل أن تتلقفه الأفواه، فإن الحداثة ضرب من ضروب الغذاء الدخيل بحسن ضربه على محك النقد قبل أن تثقفه العقول، ويترشفه الذوق، ويتعّرفه القاريء الخالي الذهن. وهذا الضرب على المحك مارسه كثير من النقاد والدارسين الذين تضلعوا من ثقافة الغرب تضلعهم من تراث العرب، وألّموا بالتاريخ والفلسفة إلمامهم بالأدب والنقد، فجاءت دراستهم للحداثة عميقة دقيقة. من هؤلاء الدارسين من مد جذور الحداثة إلى الصراع بين الشكلية الروسية والماركسية اللينينية في مطلع القرن العشرين. ومنهم ـ وعلى رأسهم د. عبدالعزيز حمودة ـ من أطال حبال الجذور حتى أبلغها القرن السابع عشر، وربطها بالصراع الفلسطيني والفكري الذي نشب في أوروبا بين المؤمنين والملاحدة من الفلاسفة، وبما نجم عن هذا الصراع من نظرات في السياسة واللغة والأدب، ثم بما رافق هذا الصراع من مذاهب أدبية سبقت الحداثة كالإبداعية والرمزية والوجودية ومذهب اللامعقول. قبل النصف الأول من القرن السابع عشر كان الفكر الأوروبي يُبنى على أربعة أركان راسخة متوازنة وهي: الطبيعة، وما وراء الطبيعة (الإله)، والإنسان، واللغة. وحينما احتدم الصراع بين الفلسفات المادّية والمثالية تزعزعت هذه الأركان، وأخذ بعضها يحيف على بعض. فالفيلسوف الإنجليزي (جون لوك) (1632 ـ 1704م) غلّب النزعة المادية على النزعة المثالية، وذهب إلى أن أفكار البشر عن الطبيعة والكون والإله مكتسبة، وليست فطرية كما كان رجال الكنيسة يتصورون، وأنها مع اللغة التي تحملها وتنقلها إلينا تأتي من خارج العقل إلى العقل، ولا تنبع منه. و(إيمانويل كانط) (1724 ـ 1804) الألماني في كتابيه (نقد العقل الخالص) و(نقد العقل العملي) غلّب المثالية على المادية، فزعم أن المعرفة نوعان: نوع فطري ينبع من العقل، وهو الأصل، ونوع مكتسب تأتي به الخبرة والتجربة، وهو الفرع. وذهب إلى أن العقل والنفس والوعي ملكات غير مادية ولا مكتسبة، وهذا يعني أن اللغة قد تكون موهوبة لا مكسوبة. وأما الله نفسه فهو العقل الأسمى، ومن هذا العقل الأسمى تلقى الإنسان وجوده ونفسه وعقله ولغته. ومن يقرأ كتابيْ كانط يدرك أنه لم يَصُغْ فلسفته صياغة واضحة بلغة ميسرة وأسلوب سائغ كتلك اللغة وذلك الاسلوب اللذين يسرا لك العسير، وقرّبا البعيد، بل صاغها بلغة غامضة معقدة، إمّا لأن الالمانية في زمانه لم تكن قد لانت ومرنت، وإما لأنه تعمّد التعمية والإلغاز ليقف فلسفته على النخبة، ويحجبها عن الدهماء. وهذه اللغة المعقدة سوف تترك صداها البعيد في لغة الحداثة والحداثيين كما سيتبين لك بعد حين. اكتفينا بهذين الفيلسوفين لان المذاهب الفلسفية والادبية التي ظهرت بعد لوك وكانط على اختلاف أمكنتها وأزمنتها والشعوب التي ينتمي اليها اصحابها كانت تتردد بين قطبين: مادية لوك، ومثالية كانط. فجدلية هيغل أثرت المثالية، وجدلية ماركس أثرت المادية. والمذهب الإبداعي في الأدب دان بالمثالية، والواقعية الجديدة دانت بالمادية. فإلى أي قطب من هذين القطبين انحازت الحداثة؟ وإلى أي نقيض من النقيضين مال أهل البنيوية وأهل التفكيك؟ من المعروف أن ثورة البلاشفة قامت على أسس الجدلية المادية، ومن المعروف أيضاً أن البنيويين تأثروا بالشكلية الروسية التي كانت رائجة في سوق الادب والنقد عشية انتصار السوفييت على القيصر. ولهذا كان على المذهب الشكلي الذي أنجب البنيوية أن يتلاءم مع فلسفة الثورة، وان يتبنى مبادئها، وان يوسع الاطار الذي كان يلتزمه، وهو الاكتفاء بدراسة الشكل اللغوي، فوسّعه، وأضاف اليه المضمون الفكري الثوري. ثم اصبح تبني الشكلية القديمة لمضمون الواقعية الجديدة إلزاماً لا التزاماً منذ قبض ستالين على السلطة بيد من حديد. وهكذا دفعت الأحداث السياسية الطاغية البقية الباقية من الشكلية الى تجديد ما رثّ منها، ورمّ ما تداعي من بنيانها، فاعتنقت هي والبنيوية المتأثرة بها مذهب الدولة السياسي، وهو الجدلية المادية، ثم سعت الى ايجاد صيغة نقدية جديدة تلائمها وتلائم وريثتها البنيوية، فكانت هذه الصيغة مزيجاً من عنصرين: اولهما المضمون الماركسي الذي تبنته الواقعية الجديدة، وثانيهما دراسة الأنساق اللغوية التي أصبحت اهم الاركان النقدية في مذهبي البنيوية والتفكيك. وأبرز النقاد الذين تخصصوا بالتوفيق والتلفيق بين هذين النقيضين (باختين) و(ميدفيديف) و(ياكبسون). وعلى هذا الأساس يستطيع الدارس أن يمدّ جذور البنيوية الى الفكر الماركسي من ناحية المضمون، وإلى الشكلية الروسية من ناحية اللغة والاسلوب، ويستطيع كذلك أن يفسر النزعة التخريبية الجارفة التي تدفع البنيوية والتفكيكية إلى تدمير الموروث من عادات وتقاليد ومقدسات وأديان ومدارس أدبية ونقدية سابقة، لأن هذه الاشياء المتحدرة من عصور الرجعية والبورجوازية والرأسمالية أعدى اعداء الماركسية. ثم انهار الاتحاد السوفييتي، فانهار المضمون الذي تأثرت به الحداثة، ولم يبق للبنيوية والتفكيك الا ثور(هديغير) ومعوله اللذان احترفا التدمير، والا الشكل اللغوي والانساق الاسلوبية، والا غموض كانط وألغازه، فانطلق الثور والمعول يدمران التراث، وعكفت الحداثة البنيوية فالتفكيكية على الالفاظ والانساق، تقطعها وترقعها، وعلى الغموض والألغاز والأحاجي تتسربل بقيودها، فصنعت أدبها ونقدها من رموز مغلقة، واعتقدت أنها بهذا الإبهام المتعمد ارتقعت عن مستوى الغوغاء من الأدباء إلى عالم النخبة المنتخبة، والصفوة المصطفاة. أما جذور الحداثة السياسية والاقتصادية فتعود الى الثورة الصناعية، وما أعقبها من أزمات خانقة، ورأسمالية جشعة، وحروب عالمية مدمرة، واخفاق اثر اخفاق في تفسير الحياة والكون، وحل المشكلات المعقدة التي مزقت الإنسان الغربي، وأوقفته حائراً خائراً بين المادية والمثالية، بين الشمولية التي تمجّد الشعب، والتعددية التي تعبد الفرد. وههنا لا يستطيع احد ان ينكر ازمات الانسان الاوروبي والاميركي، وان يتغاضى عما يعاني من التناقض بين تطوره العلمي وخوائه النفسي، ولا عن عجز التقنية البالغة التطور عن ملء هذا الخواء، وحلّ هذا التناقض. انها بلا شك ازمة قاتلة لم يجد لها أهل البنيوية والتفكيك من حلّ سوى ثور هديغير ومعوله. اما اهل الحداثة من العرب فقد استوردوا البنيوية والتفكيك قبل أن يعاني العرب أزمة الانشطار الثقافي والروحي الناجمة عن الثورة الصناعية. ولهذا لم يشعر القراء العرب بحاجتهم الى حداثة انجبها مجتمع لا يعايشونه، وأفرزتها ازمات لا يكابدونها. لقد ركضنا خلف الثورة الصناعية، ولم نصل إلى أبعد من ذَنَبها فلما عجزنا عن نقلها نقل الحداثيون أزماتها، وطلبوا من شعبنا المؤمن المطمئن ان يتمزق بين الشك واليقين، وان يوغل في الضياع، وان يحمل المعول، ويركب الثور الهائج ليهدم التراث، وان يتجرّع الغموض ليظفر بشرف الانتماء الى الحداثة فكراً وحسّاً وأدباً ونقداً. ومن تلكأ وأبطأ، أو امتعض واعترض رُمي بالعماء والغباء، ووصم بالتخلف والطرف، وطرد من نقابة النخبة، ونديّ الصفوة، وألقي في مستشفى الأمراض العقلية النقدية الذي يضم ابن سلام وابن قتيبة وابن رشيق وعبدالقاهر الجرجاني، إكراماً للعيون الزرقاء والنواصي الشقراء التي تلتمع في وجوه باختين، ودريدا، ورولان بارت. وقبل أن يتجه القاريء الى نقابة النخبة، أو مستشفى الأمراض العقلية النقدية عليه أن يتذكر أن المرء يحشر مع من أحبّ

طباعة Email
تعليقات

تعليقات