نوافذ الخوف ـ يكتبها: جمال الغيطاني

الخميس 11 شعبان 1423 هـ الموافق 17 أكتوبر 2002 ما من سبب جلي يفسر لي باعث فزعتي ومصدرها. لماذا يبدأ ثباتي لحيظات مع رجفتي عند ظهورها قبل أن أجري مرعوش القلب، ساعيا إلى التواري عن كل بصر؟ الغريب أنني أعرفها ولا أجهلها، أم نبيل، البيت المواجه لمن يعرج إلى العطفة ينسب إلى تلك الأسرة، أنهم الأقدم والأبعد عن المخالطة، الأب تاجر تمباك ونشوق معروف ناحية التمبكشية، كل أفراد الأسرة مستديرو الوجوه.أثناء لعبي في الدرب أقابل نبيل الذي سيكون زميلي في المدرسة الإبتدائية ثم الإعدادية، والذي سينقطع عني، لن أراه إلا بعد ثلاثة عقود وبضع سنين في صالة المطار، كان مسافرا إلى العراق وقت تدفق المصريين نهاية السبعينيات، وكنت متجها إلى تونس لمهمة. نبيل مثل والده، بطئ اللفظ. ثقيل اللسان، يميل إلى الأمام عند بدء الحديث، غزير الشعر، أسوده، طريقة تصفيفه تخفي دائرية دماغة. لماذا كان ظهور أمه في النافذة يبث عندي هذا الرعب كله؟ لا أعرف، لا أجد جوابا. ثمة صلة بين ظهورها والنافذة، شيء لا يتعلق إلا بها، لذلك تعد أول نافذة يصدر عنها ما أخشاه وأسعى إلى الاختباء بمجرد مروري في متناول من يطل منها، لكن كان بإستطاعتي النظر للحيظات عند ظهور سهير شقيقته من جميلات الدرب، غير أن جمالها من نوع خاص،كثيف، تميل إلى إمتلاء، باهظة الأرداف رغم صغرها- لم تتجاوز الخامسة عشرة بعد أما صدرها فبيان للناس، ليس صغر سني سببا في نأيي عنها، بل وتجنبها، في هذا الطور عرفت ثريا وعزة وثناء ومحاسن وكاميليا، لعبت معهم صبيان وبنات، مرتان تحت السلم عملت زي بابا وماما، مرة مع عليه- رحمها الله - ومرة مع كاميليا. ما أقصاني عن سهير غرابتها وتحفظها ورفعتها المشهدة، تجنبها الحديث إلى بنات الدرب، لم أسمع صوتها قط تنادي على صاحبة أو جارة، أنهم في حالهم، قليلو الخلطة، لا يزورون ولا يزورهم أحد، لا يسمع لهم صوت، بعض من يبدون العلو يعلنون في صمت أنهم متميزون، وأن وجودهم عابر، مؤقت، يليه إنتقال إلى أحد المناطق الراقية، الدقي، مصر الجديدة، العباسية، لكن لم يسمع شيء من هذا عن عائلة أم نبيل في المدرسة لم يتحدث إلى أحد، لم يلعب الكرة، ولم يلتحق بأي نشاط، في الفسح والمناسبات يقف الي وحيدا، نائيا. إنه نفس الأمر الذي أدى بي إلى الهلع مرات كلما لمحت أمه تطل عبر النافذة. ما حير أمي أنها لم تر غسيلا لهم، ولا تعرف كيف ينشرونه ليجف؟، أمام النافذة لا توجد حبال، سطح بيتهم أقل إرتفاعا من سطحنا، لم نر أياً منهم فوقه، فقط صفية، وإمرأة عبده فريسكا مبيض النحاس الذي يسكن الطابق الأرضي. هل تمتد حبال من الناحية الأخرى المطلة على المسافرخانة، القصر المهجور، المسكون بأمنا الغولة، والعفاريت الليلية؟. لا يمكننا معرفة وجود فتحات من الجهة الأخرى، لكن عدم ظهور غسيل حير أمي، سمعتها مرتين تبدي عجبها، عندما تذكرهم يطالعني وجه الأم فتسرى عندي رعدة وجهها مستدير تماما، مؤطر بشعر فاحم، غزير، عيناها واسعتان، لا تتطلعان إلى نقطة معينة، في نفس الوقت تنظر إلى سائر الجهات، يظن كل رائي أنها تقصده هو. مثلي، مثلهم، أنا المقصود بهذه البصة طويلة الموجة، الهادئة السارحة نحوي في نعومة، إذا طالتني، لمستني أنقلب حجرا، أو قالب طوب في جدار، أو قطة كحلاء أو كلب أعرج، زاد خشيتي غرابة الهيئة وندرة الطلة، وضعها لا يمكن تحديده أو تخيله، يخفيه الجدار، لا يبدو إلا رأسها. بالتحديد وجهها، أكبر من الآخرين. تام الكروية، لا أرى عنقها ذقنها يلامس الحافة، غير متصل بشيء، لا ذراعين، لا يدين، هكذا رأيتها، لم يكن وقوع بصري إلا خلسة، من الممكن ألا أبص عند مروري، لكن مصادر الخوف مثيرة للفضول. ذلك الوجه في إطار النافذة من مستثيرات رعبي، سمعت جارتنا روحية تصف أم نبيل انها مثل القمر، كدت أبول على نفسي، بدأ حذري من القمر خاصة في أماكن الخلاء، هذا الوجه في إطار النافذة سيطاردني عبر العدم. بمجرد ظهوره في أحلامي، يبدأ جثوم أثقال عليّ، تحرسني، وتشلني فلا يبقى بوسعى إلا إطلاق صوت مكتوم لكم اثار دهشة امرأتي وعيالي وكل من لازمني أثناء هجعتي، قرب مرقدي. من النافذة تابعت النهارات وأخلست النظر إلى الليالي، رصدت الجيران، وتابعت المشاجرات، وتوافد الباعة على الحارة، رأيت الكون وحركته، تعرفت على الحياة، وعلى الموت أيضا. في الطابق الثاني يسكن حسن أفندي على، إذا قيل زموظفس فيما تلى ذلك من سنوات،حتى وقت تدويني هذا. فإن الترجمة تستدعي هذا القوام النحيل، المستقيم كعصا، الملامح الحادة، المتجهمة، المنظار الطبي ذو الإطار المعدني، سلسلة الساعة تطل من الصديري، حسن من الأفندية القلائل في الحارة، يحافظ على مظهره، هو ممن يوصفون بإنخفاض الصوت، أي لا يسمع أحد صوت مشاجرة منبعثة من الشقة كما يحدث في بيوت الدرب، زوجته نحيلة، انفها حاد، أما أبناؤه الثلاثة صلاح وفتحي وحامد، فكل منهم يرتدي ساعة حقيقية، وهذا كاف لوصفهم، فلم يكن ذلك هينا، وقتئذ، والده يقيم منذ مدة بعد أن اقتضى علاجه أن يكون قريبا من الأطباء، يخرج إلى صلاة الجمعة منحنيا، يتوكأ على عصا، ملتحفا عباءة سوداء، وحول رقبته شال من صوف لا يفارقه صيفا أو شتاء، وكما يقول أبناء الصعيد اللي يحوش البرد، يحوش الشرد.. منذ صباح اليوم تسمع أصوات حركة غير عادية،مغايرة للمألوف، لم تتردد من قبل. الحاج علي مات.. لم أُلم في وقتي هذا بمعنى الموت، ما أعرفه أن الموتى لا يمكن رؤيتهم، ذهبوا إلى هناك، أين.. لا يمكن التحديد، قبل وفادتي توفي شقيقي خلف، وبعد وصولي رحل أخى كمال الذي لا أذكر أي ملمح يدل على وجوده صباح العيد، في أيام جمع أخرى يقول أبي إنه ذاهب لزيارة الأولاد، تمده أمي بفطائر وبلح جاف، عند عودته تمنيت سؤاله. هل تمت الزيارة؟ هل رأهما؟ كيف هما؟ لماذا لا يصحبني معه؟. لكن صمتهما وحزنهما البادي يلجمني، لا أنطق الإستفسار، يطول أطراقهما فأرجئ. حذرتني أمي عندما دفعت بنفسي قليلا حتى أرى ما يجرى، مدت يدها، بسطتها فوق ظهري خشية أختلالي. أمام المدخل رص بعدد من المقاعد، حركة مغايرة لكل ما عرفته في الدرب، رجال كثيرون لا نعرفهم. لحسن أفندي علي أقارب صعايدة مثلنا يتاجرون في الفاكهة جاءوا من قرية الكوامل، دخل رجلان يرتديان طرابيش وقفاطين، يحملان نعشا وضعوه فوق ثلاثة مقاعد متجاورة، نفذ إلى أنفى رائحه مبيد، حتى الآن لا أدري مصدره، من النعش، أم من مكان ما؟ مبيد قوى مما توزعه نساء يرتدين الملابس البيضاء، يجئن مرة في الشهر، يقمن بالرش لقتل البق والبراغيث والقمل، ويسكبن مطهراً في المراحيض، يتعصبن بمناديل بيضاء، يرتدين جلاليب من قماش متين، لونها أبيض يميل إلى أصفر، تدس أمي قرشا في يد أكبرهن حجما ونفوذا كما يبدو، عندئذ تصب بدرة نفاذة الرائحة من علبة فارعة كان يطلق عليهن بتوع الصحة. منذ تلك اللحظة إرتبط عندي الموت برائحة المبيد الحشري هذا. هل للرائحة صلة أم الاسم؟، كنت أعرفه باسم البودرة،وفيما بعد المبيد فمن أين يأتي تأثير الاسم، الغريب أن ما وثق العلاقة، نفاذ الرائحة إلى حاسة شمي عند مروري أمام شقة علية، رؤيتي نوافذها المغلقة بعد موتها مقتولة بالكهرباء، ظهر الرجلان يحملان لفافة مستطيلة، قامة ملفوفة، لكن لا يبدو منها شيئ، مدداها داخل التابوت، أو كما سمعت الموصف فيما بعد- الخشبة - بسرعة ثم وضع الغطاء، وتزاحم الرجال ليرفعوا الخشبة، وهنا علا صوت امر. قوي .. وحدوا الله.. فردد القوم لا إله إلا الله.. يضفى الموت حركة خاصة على الأحياء، يصبح مشيهم مغايرا، تعبيراتهم تختلف استحدث بصي من النافذة وتعرفي على الموت أول مرة فيما تلى ذلك وعبر مراحل مختلفة اختلف فيها معنى السفر إلى هناك وتباين، استعدت حركة الرجال. انقضاضهم لحمل النعش بعد أكثر من نصف قرن، كنت في مسجد سيدي أحمد أبو حريبة بالدرب الأحمر، هذا اسمه كما يعرفه الناس، بناه الأمير قجماس الإسحاقي. كثيرا ما ألج فراغه فلا أجد أحداً، انفرد به، بنوافذه التي يغطيها زجاج ملون معشق بالجبس، لي وقفه وفحصة في موضع آخر، لكنني ذاكر الآن ما وقع فجأة فبدد خلوتي، عندما اندفع عدد من الرجال يحملون نعشا من خشب غير مغطى بأي قماش، هيئة دخولهم، كل ما عندهم مستفز، معلن، كل وجه متطلع إلى نقطة ما، عيون متسعة،،مبصرة محدقة، اتجهوا مباشرة إلى القبلة، أنزلوه أمام المحراب، أمهم واحد منهم رفعوا الأيدي أربع مرات، أدوا صلاة الجنازة، تحركات مرتبة، سريعة، سمعت صراخ نساء في الخارج. لم أصغ إلى أي صرخة عند رؤية والد حسن أفندي، قالت أمي إنه منع أسرته لأن الصراخ غير مستحب عند السلف الصالح، فيه احتجاج على قضاء الله!، بعد خروجهم مباشرة وفدت على رائحة المبيد، لا أدري. هل تهب من ذاكرتي، أم من الخارج؟ من مصدرها يلازمني، لا يبث إلا عند مثول الموت، الموت المصحوب بطقوس التشييع، لم أعرف الرائحة في ظروف أخرى تعدد فيها الموت أمامي وحولي، منها الحروب التي أشهدتها، وحوادث قضى فيها نفر غير قليل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات