افتتح «ندوة التاريخ والرمز الحضاري» بحضور عربي وعالمي، ولي عهد الشارقة: نهدف إلى إبراز الخصوصية الثقافية للمسلمين وترسيخ عناصر وحدتهم

الاثنين 8 شعبان 1423 هـ الموافق 14 أكتوبر 2002 أكد سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمى ولى عهد ونائب حاكم الشارقة اهتمام الامارة بندوة التاريخ والرمز الحضارى التى تستضيفها حاليا. وشدد سموه على حرص الامارة على تقديم كل الدعم والمساندة للقائمين على هذه الندوة والتى تناقش التاريخ والرمز الحضارى بقصد حماية هوية الامة باعتماد رمزها الحضارى فى مجال التاريخ وتوجيه الانظار الى أهمية التاريخ بأحداث الامة وأمجادها اضافة الى ابراز الخصوصيات الثقافية للمسلمين والحث على تعميق الانتماء الاسلامى من خلال ترسيخ عناصر الوحدة بين الدول الاعضاء فى منظمة الدول الاسلامية. جاء ذلك فى تصريح لسموه عقب افتتاحه ندوة «التاريخ والرمز الحضارى» أمس فى مسرح قاعة القصباء والتى تقام تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة وينظمها المكتب الاقليمى للمنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالشارقة بالتعاون مع منظمة «الايسيسكو» وجمعية الدعوة الاسلامية العالمية ويشارك فيها خبراء من بلدان عربية واسلامية. وأشار سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي الى أن صاحب السمو حاكم الشارقة دعا دائما الى اعادة كتابة التاريخ العربى الاسلامى وساهم سموه شخصيا فى تصحيح مغالطات تاريخية نالت تقدير المؤرخين نظرا لاعتماده المنهج العلمى والوثيقة الرسمية فى اعادة كتابة هذا التاريخ. وقال ان سموه يحرص أيضا على دعم كل نشاط محلى واقليمى وعربى واسلامى يصب فى هذا الشأن علاوة على دعمه الدائم أيضا لمراكز البحوث والدراسات فى اكثر من دولة عربية واسلامية وجمعيات المؤرخين. ولفت الى أن الشارقة تتميز بتمجيد بعض هذه الرموز الاسلامية من خلال مسميات الميادين والشواهد الحضارية فى الشارقة لتبقى ناقوسا يذكر كافة الابناء والاجيال القادمة بالجانب المضيء من تاريخ امتنا العربية والاسلامية. وأكد سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمى ان الشارقة على استعداد تام لتبنى وتنفيذ التوصيات التى ستصدرها هذه الندوة والتى تخص الامارات عامة والشارقة خاصة وذلك ترجمة لمفاهيم ومنطلقات تؤمن بها وتحرص على أن ترى النور معربا عن امله فى أن تخرج الندوة بتوصيات مهمة تفيد المنطقة حيث ان التاريخ أساس كل حضارة متمنيا التوفيق والنجاح لها. ووجه الشكر والتقدير للقائمين على هذه الندوة وللمشاركين فيها ضيوفا واكاديميين وعلى التنظيم الجيد لها. وألقى عبدالله العويس مدير دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة كلمة الدولة المضيفة حيث رحب فيها بالمشاركين وقال: إننا نجسد هذا المفهوم في دولة الامارات العربية المتحدة إذ نعتبر التعايش والتكامل وسيلة للنماء والتطور، وهو ما تشهد به وقائع الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما اننا نسترشد دوما بالتوجيهات الحكيمة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى للاتحاد حاكم الشارقة، تلك التوجيهات الصادرة عن نظرة ثاقبة استطلعت التاريخ وعرفت اسراره واعادت تعميم حكمته عن طريق العشرات من المؤلفات والشواهد الماثلة امامنا.. وأشار العويس الى ان الحديث عن التاريخ والحضارة فرصة نادرة لاستحضار شهادات المفكرين والعلماء الذين يتمتعون بالنظر الواسع وحسن الفطنة للامساك بتلك السلبيات التي اصبحت تحاصر الانسان المعاصر وتضعه امام مخاطر كثيرة، لقد اسهمت الحضارة العربية الاسلامية بقسط كبير في ميزان الحوار والتعايش والسماحة وترك لنا الاسلاف كنوزا معرفية وسلوكية قابلة حتى اليوم لان تكون نبعا نأخذ منه الكثير.. وأكد العويس في كلمته ان العولمة تحمل في طياتها ملامح اخرى مداها رغبة البعض في توظيفها لاغراض تجافي النماء والتطور الطبيعي، ولذلك فان من واجبات مثل هذه الملتقيات تناول الجوانب السلبية لهذه الظاهرة وخاصة تلك المرتبطة بآثار ثورة المعلوماتية ومظاهر التوتر.. ثم القى د. عبدالحميد عبدالله الهرام كلمة المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة نقل من خلالها تحيات وشكر الدكتور عبدالعزيز التويجري مدير عام الايسيسكو للشارقة والى جمعية الدعوة الاسلامية العالمية وللمشاركين في الندوة.. وجاء في الكلمة: ان هذه الندوة لا تستحث المفكرين المسلمين الى عمل مشترك فحسب لكنها تضع على عاتقهم مسئولية الوعي الموحد، نحو كل ما يحقق لهذه الامة العزة، وما يرسخ عناصر الوحدة بين ابنائها ويحمي هويتها الثقافية من الذوبان في دنيا العولمة، التي تسعى الى طمس خصوصيات الاخرين، وتهيئتهم الى التبعية المطلقة بالتخلي عن تلك الخصوصيات والانصهار الفكري والثقافي في اطروحاتهم المادية والثقافية.. ولما كان التاريخ احد تلك الرموز الحضارية التي تميز الامم بتخليد عظمائها واحداثها المجيدة فقد رأت المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة وجمعية الدعوة الاسلامية العالمية ان يحظى هذا الموضوع بعناية المفكرين عسى ان يخرجوا من ندوتهم هذه بتوصيات مهمة من شأنها ان تحقق بعض آمالنا في الحفاظ على هويتنا الاسلامية وثقافتنا المتميزة بتراثها النفيس وعطائها الخير.. ثم القى د. المهدي مفتاح امبيرش الامين المساعد لجمعية الدعوة الاسلامية العالمية كلمة شكر فيها الشارقة على احتضان هذا الحدث، كما توجه بالشكر الى المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة على تعاونها واجتهاداتها في هذا الاطار.. وقد بدأت الجلسة العلمية الاولى وادارها عضو الاكاديمية الملكية المغربية د. عبدالهادي التازي بمحاضرة قدمها حجة الاسلام د. محمد سعيد نعماني مستشار وزير الثقافة بايران تحت عنوان «اهمية التاريخ في الحضارات العالمية والتراث الانساني» بين فيها تركيز المسلمين على التاريخ واهتمامهم به، وقال ان علماء التاريخ المسلمين غاصوا في اعماق البحث في عناصر التاريخ والسنن الكونية والتاريخية مستشهدا بمقولات الامام علي رضي الله عنه من كتاب نهج البلاغة ومؤلفات محمد باقر الصدر وابن كثير في كتابه الكامل موضحا كيف اعتنى هؤلاء بتفسير حركة التاريخ ودوره في بناء الحضارات. وتطرق د. نعماني الى آليات عمل المدارس الاوروبية التي اهتمت بالتاريخ وكيف انها وقعت في الكثير من اللغط والجدل العلمي، مشيرا الى انحياز بعضها الى العنصرية والذاتية، حيث اهتم فلاسفة هذه المدارس بتبرير هذا النهج واعطائه صبغة علمية، مشيرا الى ان النظريات التي سيطرت على هذه المدارس لم تكن نتيجة دوافع سياسية فقط وانما قامت على اساس نظريات فلسفية ومنها المدرسة المثالية التي قامت على فكرة الجدل بين العقل المطلق والطبيعة، كما نظر لها الفيلسوف الالماني هيغل، والمدرسة المادية التاريخية التي طرحها كارل ماركس انطلاقا من فكرة الديالكتيك الهيغلي والتي خلصت الى ان الاقتصاد هو الذي يسير حركة التاريخ. واكد د. نعماني على ان المسلمين لم ينكروا دور الاقتصاد في التاريخ ولكنهم اعتبروه احد العوامل، كون ان التاريخ تحركه عوامل مختلفة ومتشعبة. ثم توقف د. نعماني عند المدرسة الحضارية الحديثة التي روج لها الفيلسوف تويمبي والتي تقول بأن الحضارة تنبع من الاستجابة لشروط الطبيعة.. وختم د. نعماني محاضرته بدعوة صريحة الى ضرورة ايجاد حوار بين العلماء من اجل وضع ملامح لحوار تبادلي مع الاخر.. بعد ذلك قدم د. احمد السري رئيس قسم التاريخ والاثار بجامعة الامارات ورقة بعنوان «سلطة التاريخ ومسارات الوعي المعاصر» اشار فيها الى ان سلطة التاريخ هي التحام الماضي المجيد بالشخصية المعاصرة المقهورة ووقوفه شاهدا على أي فعل او تخاذل معاصر، حيث تبرز سلطة التاريخ كقيمة ايجابية فاعلة تقاوم العجز الذاتي وتتصدى لحملات تشويه الارادة في الداخل والخارج. ويضرب د. السري مثلا حول فعل التاريخ سلطته وفعل رموزه الحضارية في اللحظة الراهنة، وقال: لن نجد خيرا من فلسطين ومأساتها مثلا لفهم سلطة التاريخ والفعل التاريخي، ففلسطين في وعينا التاريخي والجغرافي بلاد عربية اسلامية غصبها الصهاينة بالقوة، وكلنا يعرف انها ليست المرة الاولى التي تكون فيها فلسطين مسرحا لصراع يلعب فيه الوعي التاريخي الدور الحاسم في مسارات الصراع، ولذلك فان غاصبي ارض فلسطين لن يهنأوا بأي نصر عسكري يحققونه لسبب بسيط وهو ان الاحتلال والقتل والاستقواء الدائم لا يلغي الوعي بالتاريخ. ثم يتساءل د. السري في محاضرته: هل تغير الوعي بفلسطين ومأساتها في العقدين الاخيرين ام لا يزال كما هو؟ ويجيب: لغياب دراسات احصائية مقارنة وحديثة حول هذا الموضوع لا يمكن الاجابة عن السؤال على نحو رقمي دقيق، ولكن الاكيد ان وعي الاجيال الجديدة قد اهتز كثيرا بسبب التشويه والتخاذل القائمين وانحسار الصقل الدائم لوعي تاريخي مقاوم، بالاضافة الى دخول مفردات الخطاب الصهيوني بكثافة في الخطاب الاعلامي العربي. ثم تعرض د. السري الى قضية عمليات تشويه التاريخ من خلال ما تنتجه المحطات الفضائية من مسلسلات يطلق عليها اليوم «الفنتازيا التاريخية» وقال: لقد اطلت علينا منذ سنوات مسلسلات تلبس رداء التاريخ وتعتذر عن التشويه والتزييف المتعمدين بالاشارة الى انها مواضيع خيالية غير واقعية «فنتازيا كما سموها» ولكنها معدة باحكام وبطريقة تخدم هدفا واحدا هو تغريب الوعي المعاصر عن جذوره الاولى واظهار العرب امة من قبائل متناحرة متعطشة للدماء واعتبار ذلك هو كل ما تملكه من تاريخ. أما الدكتور عبدالستار العزاوي خبير الترميم والصيانة بادارة التراث بدائرة الثقافة والاعلام بالشارقة فقدم ورقة مختصرة حول تحديد تاريخ المباني العربية الاسلامية اشار فيها الى اهمية تحديد التاريخ وضبط جدول التقويم من اجل توثيق ما حدث وتثبيت حقائق متسلسلة لعصور ماضية، مؤكدا ان هناك الكثير من المواقع الاثرية والتاريخية لا تزال تفتقد الى التاريخ، خصوصا وان بعضها ارتبط بأحداث وهناك اخطاء في تسمية بعضها.. يذكر ان ندوة التاريخ والرمز الحضاري ستتواصل صباح ومساء اليوم بعدد من المحاضرات يشارك فيها نخبة من المتخصصين تحت عناوين تدويل التاريخ الهجري، أسماء الشهور في الحضارات الانسانية، التاريخ في الذاكرة الشعبية، التجربة الإسلامية الأولى، رموز ومعالم ودلالات. كتب مرعي الحليان:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات