لغز الوارث الميت والمشتبه به الصامت

السبت 6 شعبان 1423 هـ الموافق 12 أكتوبر 2002 عندما وقفت الحافلة رقم 35 أمام محل سوبر ماركت في ضاحية ساتشسنهاوزن السكنية الواقعة جنوب مدينة فرانكفورت كان الصبي جاكوب فون ميتزلر متلهفاً للعودة الى منزله للبدء بعطلة الخريف الدراسية التي تستمر اسبوعين. وبينما دخل زملاؤه السوبر ماركت لشراء الحلوى لوّح جاكوب مودعاً إياهم وانطلق وهو يعلق حقيبة المدرسة على ظهره لقطع مسافة المئة ياردة المتبقية سيراً على قدميه باتجاه منزل عائلته. وجاكوب 11 عاماً لا يختلف مظهره عن أي تلميذ في مدرسة كارل شورز الحكومية اذ كان كزملائه يرتدي سروالاً أزرق وفانيلة مخططة بالأبيض والأزرق وحذاءً رياضيا، فهكذا أرادت عائلته ان ينشأ رغم انها احدى اكثر العائلات ثراءً في ألمانيا. فوالده فريدريك فون ميتزلر الذي ورث من عائلته مجموعة من كبرى المصارف الخاصة وزوجته سيلفيا كانا مصرين على ان يتعلم ابنهما جاكوب أمور الحياة بعيداً عن قيود القضبان الحديدية لفيلا العائلة التي تخضع لحراسة مشددة على مدار الساعة. والذهنية أو الروح التحررية لهذه الأسرة الشهيرة هو ما جعلها ترفض توفير تعليم خاص لابنها أو سائق خاص ورغم كثرة حوادث الاختطاف التي يتعرض لها أبناء العائلات الثرية هناك إلا ان الأسرة لم تستأجر حارساً خاصاً لمرافقة ابنها في ذهابه وإيابه. في ذاك اليوم لم يصل جاكوب أبداً إلى بوابة فيلا والديه الواقعة بحي مورفيلدر لاندشترا وبعد ثلاثة أيام من اختفائه عثر على جثته مقيدة الاطراف ومحشورة في كيس قمامة بالقرب من بحيرة صغيرة على بعد 40 ميلاً من منزل العائلة وفي عطلة نهاية الأسبوع المنصرم وبعد مرور اكثر من أسبوع على الحادثة التي وصفها رئيس شرطة فرانكفورت هارلد وايز بولاندت بأنها ازدراء لا نظير له للحياة البشرية وذلك أثناء شرحه تفاصيل الجريمة وكيف قام القاتل بمحاولة خنق الصبي قبل ان يحشره في كيس قمامة ويزج به من على حافة جسر خشبي إلى البحيرة. وفي غضون ذلك فقد رفض المشتبه به الرئيسي ماجناس جافجن 27 عاماً التحدث للشرطة وجلس طالب القانون بدلاً من ذلك معزولاً داخل زنزانة في سجن وايترشتاد. وآخر رحلة لجاكوب بالحافلة أوصلته إلى المكان الذي اعتاد النزول فيه في الساعة العاشرة والنصف صباحاً يوم الجمعة الموافق 27 سبتمبر الماضي وهو المكان المواجه لشقة ماجناس الواقعة في الطابق الثاني. ولابد ان جاكوب تبادل التحية مع قاتله فماجناس ذو البنية القوية والشعر الاشقر كان معروفاً في المدرسة حيث كان يعطي التلاميذ دروس تقوية. وفي الساعة الثانية عشرة تقريباً عثر على رسالة مطلوب فيها فدية قدرها مليون مارك من قبل احد موظفي فون ميتزلر وخلال دقائق اتصل الوالدان المذكوران بالشرطة وتم فرض تعتيم اعلامي على الأمر في الوقت الذي سحب فيه والدا جاكوب مبلغ الفدية من حسابهما الخاص ووضعا العملات الورقية في كيسين. وكان مطلوب منهما وضع النقود في اكياس بلاستيكية في الساعة الحادية عشرة مساء من يوم الاحد في سلة قمامة قريبة من موقف الترام في الضواحي الخارجية لفرانكفورت. فعل والدا جاكوب ذلك دون ان يعلما ان الأوان قد فات لانقاذ ابنهما وفقاً لأقوال الشرطة التي رجحت ان تكون الجثة موجودة في حقيبة سيارة القاتل في الوقت الذي ترك فيه رسالة الفدية كما تعتقد الشرطة ان الرسالة كتبت قبل أيام من وقوع الحادثة. كان مئة ضابط شرطة يراقبون عن بعد عندما ظهر ماجناس بعد لحظات من وضع فون ميتزلر كيسي المال في سلة القمامة، وظلوا يتبعون اثره حتى مساء اليوم التالي عندما بدا واضحاً ان ماجناس على وشك مغادرة البلد، وكان القاتل قد وضع جزءاً من الفدية في حساب بنكي ثم ذهب إلى وكالة سفريات وحجز تذكرة إلى جزر الكناري واشترى سيارة مرسيدس جديدة. وكان بامكان ماجناس الوصول إلى المطار خلال عشرين دقيقة من خلال المواصلات العامة لكن قبل ان يتسنى له فعل ذلك اقتحم فريق من القوات الخاصة شقته في الساعة الثالثة والنصف عصراً، واعتقلوه كما قاموا باحتجاز صديقته كاترينا ابنة السادسة عشرة التي اصيبت بانهيار عصبي بعد ذلك إلى جانب شقيقين أصغرين للاشتباه بهم وافرج عنهم بعد فترة وجيزة. وقد قام اكثر من ألف ضابط شرطة بالبحث في الغابات الواقعة جنوب المدينة ثم تحول تركيزهم للشمال في غابة وبحيرة قريبة لقرية بيرشتاين حيث تم العثور على جثة جاكوب في الساعة الحادية عشرة صباحاً. والفحوصات الجنائية التي أجريت على الجثة أظهرت ان جاكوب لم يتعرض لاعتداء جنسي قبل موته ما يرجح أن الدافع الرئيسي للجريمة كان مادياً. وقال رودلف ايج رئيس مركز علم النفس الجنائي في وايزبادن ان ماجناس لا تنطبق عليه مواصفات المجرم الخاطف فهو يعرف الضحية وليس له تاريخ جنائي كما ان مبلغ الفدية الذي طلبه كان صغيراً. أما والد ماجناس المهندس المعماري «جنشر» فقد قال انه وضع كل آماله في أبنائه، ولم يتوقع من أي منهم مثل هذا الأمر، وذكر ان ابنه زار والديه في مساء اليوم ذاته الذي وقعت فيه حادثة الاختطاف وانه اتصل بهم في اليوم التالي ليسأل ان كانت هناك بقايا من غداء اليوم السابق، لكن السمة البارزة في شخصية ماجناس هو ميله لمصادقة أبناء العائلات الثرية ورغم الفوارق الطبقية حدث وان اصطحب ابن فون ميتزلر الاكبر فرانز البالغ من العمر 17 عاماً ماجناس لاحد الملاهي الليلية بعد ان شعر برغبة ملحة لديه في الانتماء لشلة أبناء الاثرياء من رجال الاعمال في فرانكفورت ويعتقد ان ماجناس زار منزل العائلة في عدة مناسبات وهو يشترك مع أبناء العائلة في عشقهم لفريق آينتراخت ـ فرانكفورت المحلي لكرة القدم. وكان فون ميتزلر قد ذكر في مقابلة اجريت في مطلع العام انه تعلم من والده ضرورة عدم سعي المصرفي للأضواء لكن ميل الأسرة لأعمال الخير جعلت اسمها على كل لسان فما من متحف أو مبنى في فرانكفورت لم ينتفع من الهبات المالية التي تغدقها أسرة فون متيزلر التي تتبرع بمليون مارك ألماني سنوياً للجمعيات الخيرية والمؤسسات النفعية. ابتسام أحمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات