القلق العصابي يستدعي العلاج

الجمعة 5 شعبان 1423 هـ الموافق 11 أكتوبر 2002 القلق حالة من التوتر الشامل، وهو مجموعة عمليات انفعالية متداخلة تحدث نتيجة الاحباط والصراع الذي يعاني منه الفرد. وهو شعور عام غامض غير سار مصحوب بالخوف والتوتر والتحفز. والإحساس بالقلق يشبه الاحساس بالخوف الا ان هناك اختلافاً بين القلق والخوف من حيث ان الخوف يستثار بسبب وجود خطر خارجي يدركه الفرد، اما القلق النفسي فتثيره مشاعر داخلية وفترة الخوف تكون عابرة وتزول بزوال المؤثر اما في القلق النفسي فيبقى الفرد في حالة تردد وحيرة. وليس كل حالات القلق مرضية أو دليل على اضطراب نفسي، فالقلق في حد ذاته ظاهرة طبيعية، فهو احساس وتفاعل مقبوله يبديه الشخص العادي تحت ظروف معينة يمر بها في حياته اليومية. وللقلق وظيفة حيوية تحفز الانسان على النشاط فمثلاً الطالب الذي يخاف الفشل في الامتحان ويقلق على النتائج المترتبة على هذا الرسوب يضاعف جهده من اجل التحصيل ليتأكد من النجاح وكذلك رجل الاعمال يتحسب كل الظروف المعاكسة لقلقه من الخسارة فيبذل مزيدا من الجهد للحفاظ على اعماله. والام تقلق بشأن صحة ابنتها وهكذا فالقلق يعتبر غير مرضي وموضوعي اذا عرف مصدره وعندما يصبح ملازما للفرد ومصدره غير معروف هنا يفقد القلق وظيفته المفيدة ويصبح عائقا امام أدائه السوي، فيصبح القلق مرضي ويطلق عليه علماء النفس القلق العصابي، أو القلق اللاشعوري عندئذ يحتاج الفرد الى المساعدة الطبية لدى طبيب متخصص بالامراض النفسية لتشخيص الحالة ووصف العلاج الدوائي الى جانب الارشاد النفسي. ومن القلق واضطرابات الشخصية تقول صباح هلسة اخصائية علم النفس بدائرة الصحة بدبي: ينشأ القلق نتيجة للتنشئة الاجتماعية والتربية الخاطئة منذ الصغر، تزرع بذور القلق الأولى لدى الفرد. فالطفل الذي يتوقع من والدته ان تلبي احتياجاته الجسمية والنفسية ولسبب من الاسباب قد تحجم الأم أو تتأخر في تلبية هذه الاحتياجات يتولد لدى الطفل الشعور بعدم الاطمئنان وتوقع الاحباط والحرمان في كل لحظة مما يجعله خائفا وقلقا من فقدان شيء ما حتى عندما يكبر. والطفل الذي ينشأ في كنف أسرة تتسم بها شخصية الام بالقلق الزائد والخوف من حدوث اي مكروه فنراها تحيط الطفل بالحماية الزائدة التي تعيقه عن تعلم الاستقلالية والاعتماد على النفس. وكذلك عندما ينمو هذا الطفل ويصبح يميز ويدرك كل ما يجري حوله يكتسب من والديه ردود الافعال تجاه مواقف معينة اي ان هذا الشاب الذي يمر في خبرة أو موقف ما دون شعور منه وتلقائيا يعالج هذا الموقف كما كان والداه يعالجان هذا الموقف أو موقف شبيه به. وتعرّض الفرد لمخاوف شديدة في طفولته المبكرة ـ كإصابته بمرض شديد، الحرمان، القسوة، التمييز بالمعاملة بينه وبين اخوته وعامل التهديد كأن يعيش في اسرة غير مستقرة تتردد على مسامعه كلمة الطلاق أو تهديد الام بالخروج من البيت أثناء ثورة غضبها. وتفسير آخر للقلق بأنه نتج عن صراع داخلي بين مكونات شخصية الانسان والتناقض بين الاتجاهات المثالية والاتجاهات الواقعية اي صعوبة التوافق بين المثل العليا والحدود القصوى التي يطمح الفرد لتحقيقها والواقع الفعلي الذي يعيش به. كذلك عندما تكون طموحات الانسان فوق قدراته وطاقاته تؤدي لظهور الصراعات الداخلية والقلق الذي هو سمة متلازمة مع الصراع فحيثما كان صراع لدى الفرد وجد ايضا القلق الذي لا يزول الا بزوال الصراع. كذلك يقع ضمن هذا التفسير اصحاب الشخصية الوسواسية والتي من ابرز معالمها القلق المبالغ به الذي يتطور فيما بعد الى قلق مرضى ان وجدت الظروف المهيأة لذلك. الخوف من المجهول بعض الاشخاص دائما يخافون من المجهول فهم على حد قولهم اختبروا الماضي والحاضر ولكن المستقبل غامض ولذلك هم يعيشون في هذه الحياة متوقعين المرض أو الفشل والعجز والشيخوخة وهم في حالة قلق دائم مما يعطّل تقدمهم ويعيقهم باتخاذ القرارات المناسبة في امورهم الحياتية. الشعور بالذنب ضعف الثوابت الدينية وحالة الضياع والانغماس في ملذات الحياة مما يزعزع ايمان الفرد ويضعف علاقته مع ربه لذلك نرى أن هؤلاء الافراد غير محصنين بتعاليم عقيدتهم الدينية ويغلب عليهم احساس الشعور بالذنب فهم عرضة للقلق الدائم الذي يتطور فيما بعد الى قلق عصابي مرضي. فمن المؤكد ان التنشئة الاجتماعية غير السوية تتضافر مع وجود الاستعداد لدى الفرد للوقوع فريسة لاضطراب ما بأحد الجوانب بالشخصية، فالانسان الذي تجابهه مشكلة ما وينهار نسيجه النفسي وتكون ردود افعاله غير مناسبة مع حجم المشكلة، نرى أن وجود الاستعداد الكامن لديه للتعرض للاضطراب النفسي يطفو على السطح فالتنشئة الاجتماعية غير السوية تعزّز وتساعد على ظهور هذا الاضطراب. أعراض القلق الانسان القلق تظهر عليه بوضوح مظاهر القلق، على صورة اعراض جسمية ونفسية تكون واضحة للآخرين. الأعراض النفسية الخوف بدون سبب ظاهر والشعور بالاختناق والضيق، انشغال الفكر والتوتر الذهني بالاضافة الى عدم القدرة على تركيز الانتباه في عمل معين مدة طويلة، سرعة النسيان والسرحان، شدة الحساسية كعدم احتمال سماع صوت جرس التليفون أو الباب أو أي ضوضاء، عدم الصبر يثور لأتفه سبب، الخوف الشديد وتوقع المصائب فمثلا اذا سافر بالطائرة فيتوقع ان هذه الطائرة ستسقط وتحترق أو اذا شعر بوعكة صحية فهذه بداية نهايته، الاحساس الدائم بتوقع الهزيمة والعجز. عدم الثقة والطمأنينة والرغبة في كثرة التبول، قد يعاني ايضا اضطراباً بوظائف الغدد وفي بعض الحالات يصاب الفرد بالعجز الجنسي. تعلب التنشئة الاجتماعية السليمة منذ الصغر دوراً اساسياً في بناء الشخصية الناضجة التي تستطيع مجابهة الاحباطات والصراعات بالطرق السوية السليمة وهي كفيلة بتحقيق التوازن النفسي للفرد. وهذا يتطلب تكثيف برامج التوعية النفسية لجميع افراد المجتمع للآباء والامهات خاصة في مجال اسلوب التربية السليمة للنشيء، وتوعية المراهقين والمراهقات في كيفية مواجهة مشكلاتهم واختيار الطرق والحلول السليمة بالتخلص من التوتر والاحباط. وايجاد برامج التوعية للمقبلين على الزواج لمساعداتهم في تأسيس الاسرة السليمة التي تنعم بمقومات السعادة. ومعالجة أي مرض عضوي أو اضطراب بوظائف الجسم، كذلك من الضروري ايجاد حل فوري لأي مشكلة يصادفها الفرد في حياته أو يحاول ايجاد حلول بديلة وقد يحتاج الأمر ان يقدّم بعض التنازلات ازاء طموحاته، وطلب المشورة من الأهل أو المقربين بايجاد الحلول المناسبة يبعد الفرد على توجيه اللوم الى نفسه وكذلك يختصر مدة معاناته من المشكلة. العلاج ان استشارة الطبيب النفسي لوصف العلاج الدوائي المناسب يساعد على التخلص من الاعراض النفسية والبدنية. فمن الضروري عدم التكاسل والتأخر في مراجعة الطبيب المختص لئلا تزيد حدة الحالة وان يبتعد الفرد عن الاجتهاد في تجريب الطرق المختلفة للتخلص من معاناته، قد تنفع احدى الطرق لفترة معينة ولكن لا تلبث ان تعود الاعراض ثانية وبشدة اكثر من السابق. ودور الطبيب هنا بالغ الاهمية في تبسيط وتوضيح عمل الدواء على أجهزة الجسم لكي يزيل من المريض الاعتقاد الخاطيء بأن الادوية النفسية هي مواد مخدّرة وكذلك يقوم بتفسير أهمية المداومة على العلاج. ومن ثم يمكن البدء بالعلاج النفسي المساند التشجيعي، ضمن جلسات العلاج النفسي الداعم والتي يحدد عددها المعالج النفسي حسب تقييمه الشامل والمستمر للوضعية، حيث يهدف الى استبصار المريض بحالته ومواجهته للحقائق بموضوعية. وهذا يحتاج الى وجود الاخصائي المتمرّس الذي يساعد على التئام الشروخ التي حدثت في النسيج النفسي وذلك بإعادة التعليم والتدريب وبيان مصادر القلق وأوجه الصراع وتدريبه على مواجهتها فعليا، ففي هذا السياق المعالج النفسي يعيد تشكيل وترتيب البناء النفسي لتحرير المريض من الصراعات الداخلية ومساعدته على الاختيارات الممكنة ومن ثم اتخاذ القرار الفردي الصحيح النابع من المريض نفسه للوصول به الى بر الامان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات