في مواجهة التخاذل الأميركي، أوروبا تحاول إنقاذ محطة الفضاء الدولية

الجمعة 5 شعبان 1423 هـ الموافق 11 أكتوبر 2002 تتمثل المساهمة الأوروبية في محطة الفضاء الدولية في بناء مركبة النقل المؤتمتة التي ستكون في جوهرها عبارة عالية التقنية لنقل المؤن واللوازم الى الفضاء، جنباً الى جنب مع كبسولة بروغريس الروسية ومكوك الفضاء الأميركي وربما مركبة شحن يابانية أيضاً. وستنقل المركبة الأوروبية الأدوات والمؤن لرواد الفضاء العاملين في المحطة الدولية. وبفضل تصميمها متعدد الوظائف، فحالما يتم تفريغها من حمولتها سيتم استخدامها اولاً كحجرة اقامة اضافية في المحطة ثم كصندوق قمامة عملاق وأخيراً كمحرقة للقمامة والفضلات. وتم استنباط المشروع كطريقة لتمكين العلماء الأوروبيين من الوصول الى المختبرات المدارية. ولكي تنقل اوروبا ادواتها العلمية الى المحطة، يتعين عليها اما ان تدفع او ان تساهم بالتكلفة بتقديم خدمات معينة. وبدلاً من تقديم المال للأميركيين، وافقت وكالة الفضاء الأوروبية على بناء عدد يصل الى تسعة مركبات نقل مؤتمتة. يبلغ طول كل مركبة نقل مؤتمتة 8.5 أمتار ووزنها 20.5 طناً وسعتها الداخلية 45 متراً مكعباً. وفي الوقت الراهن تعمل 30 شركة في عشرة بلدان اوروبية على مشروع المركبات المؤتمتة. ولم تشارك بريطانيا في البرنامج لأنها تعتقد ان تكلفة الرحلات الفضائية المأهولة بالرواد باهظة جداً. ووحدة الشحن في المركبة المؤتمتة مبنية على اساس مركبة ايطالية موجودة من قبل تدعى المركبة اللوجستية متعددة الوظائف واستخدمت سابقاً في حجرة الشحن في المكوك الأميركي لنقل المؤن الى المحطة الدولية. وتبلغ سعتها ثلاثة اضعاف سعة مركبة بروجريس الروسية. كما ان المركبة المؤتمتة ستكون قادرة على رفع المحطة الى مدار أعلى للتعويض عن تأثير السحب الناجم عن الغلاف الجوي العلوي للأرض. ويتم حالياً بناء واختبار اول مركبة نقل أوروبية مؤتمتة ومن المقرر اطلاقها الى الفضاء في خريف عام 2004 في مجمع الاطلاق التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في غويانا الفرنسية، لتشكل بذلك لبنة جديدة في جسد المحطة الدولية التي يأمل الأوروبيون بإنقاذها بعد بوادر الاحباط المتوالية بسبب مشاكل التمويل والتقصير من جانب الاطراف المشاركة في المشروع العملاق. التصقت مسيرة محطة الفضاء الدولية في المشاكل منذ البداية، فبانهيار الاقتصاد الروسي وعدم رغبة روسيا بالتخلي عن محطة مير تسببا بتأخيرات باهظة التكلفة في المشروعين. لكن من وراء الكواليس، يبدو ايضاً ان وكالة الفضاء الأميركية ناسا واجهت صعوبات جمة في بناء مركباتها، رغم عدم اعترافها بذلك علنا. عجز ناسا وجاءت المفاجأة المحبطة في يونيو عام 2001 عندما اعترفت ناسا المحرجة بأنها تعاني من عجز بخمسة مليارات دولار في حصتها بالمحطة. وبذلك ارتفع التقدير الحالي للتكلفة الاجمالية لبناء وتشغيل المحطة الدولية الى مئة مليار دولار، وهي زيادة مخيفة في مشروع قدرت تكلفته لأول مرة في عام 1984 بثمانية مليارات دولار فقط. واستجابة لهذه المستجدات قامت لجنة الادارة والرقابة المالية المستقلة للمشروع بفتح تحقيق في الموضوع وخلصت الى اصدار توصيات لخفض تكلفة المحطة الدولية بالاختصار في البناء وتقليص عدد افراد الطاقم الدائم الى ثلاثة رواد فضاء بدلاً من ستة أو سبعة كما كان متوقعاً. وبتلفيق وتحايل واضحين على هذه التوصيات بدأ الأميركيون يتحدثون عن المحطة نصف المكتملة على انها مكتملة في جوهرها. ونظرياً كانت هذه طريقة بارعة لتوقف أميركا انفاقها على المشروع. لكن ناسا ليست الطرف الوحيد في محطة الفضاء الدولية، ويبدو ان الادارة المستقلة تغاضت عن هذه الحقيقة المهمة. فروسيا وكندا واليابان وعشرة بلدان أوروبية أخرى تمثلها وكالة الفضاء الأوروبية جميعها مشتركة في المشروع وأنفقت عليه الى الآن مليارات الدولارات. وإذا تم تنفيذ توصيات الادارة المستقلة ستضيع كل الأموال المستثمرة هباء. في بادئ الأمر كانت الصفقة تبدو حسنة للشركاء في المحطة الدولية. فالبلدان الأخرى غير الولايات المتحدة تقدم وحدات للمحطة وتسلم ملكيتها للأميركيين، لكنها تحتفظ بالمختبرات لاستخداماتها الخاصة مثل مختبر كولومبوس الأوروبي المداري ومختبر كيبو الياباني. وحالما تكتمل طواقم المحطة، يستطيع العلماء الزوار القيام بأبحاثهم في المختبرات. لكن بخفض عدد الطاقم الى ثلاثة افراد فقط، لن يكون هناك أي علماء زوار والتجارب التي يعتبرها الشركاء الدوليون الهدف الأساسي في المحطة لن تحدث أبداً. ومن الطبيعي ان الشركاء الدوليين غاضبون جدا من احتمال حدوث مثل هذا السيناريو. وقد عبر عن هذا الاستياء جورج فويستلبوشيل، مدير برنامج المحطة الدولية في وكالة الفضاء الاوروبية خلال اجتماع عقد في سبتمبر الماضي للبحث في توصيات الادارة المستقلة حيث اكد ان خيار خفض الطاقم الى اعطاء غير مقبول البتة ولا يرقى الى مستوى الالتزامات الاميركية، واشار انه لا ينبغي لأميركا بأن تحل مشاكلها على حساب شركائها الدوليين. وخلص الى ان وكالة الفضاء الاوروبية ستعتبر مثل هذه الخطوة اخلالا بالاتفاق. وتقول ناسا ان التركيز في مشروع المحطة الدولية هو اعلى اكتساب الخبرات في الاقامة طويلة الامد في الفضاء لتجهيز رواد فضائها، للقيام برحلات الى المريخ والعودة الى القمر، لكن هذه ليست رؤية بقية الشركاء في المشروع. حدث كبير لذلك ما لم يطرأ حدث كبير فان محطة الفضاء الدولية قد تصبح اكبر عبء مالي غير مجد في تاريخ غزو الفضاء وستشل برنامج رحلات الفضاء الأميركية المأهولة لسنوات طويلة اذا لم يكن لعقود. ويدرك مدير ناسا الجديد سين اوكيف هذا اكثر من اي شخص اخر وهو الآن يخوض مفاوضات مكثفة مع الشركاء الدوليين في المشروع، وقال فويستلبوشيل في حوار مع مجلة فوكس نشرته في عددها الاخير ان الاجتماعات الاخيرة بين الشركاء ولدت جوا من التفاؤل مجددا بفضل محاولة الجميع لتسوية المشاكل. ودحض التقارير التي تحدثت عن خطة اوروبية لانقاذ المحطة بمعزل عن الاميركيين، لكنه اشار الى انه لا يمكن القبول بحال من الاحوال بالرؤية الاميركية لمستقبل المشروع. وقال: «انا واثق تماما ان جميع الاطراف ستعمل سويا للوصول الى هدف مشترك، وقد اظهر مدير ناسا الجديد دعمه لهذا المنحى، ومع نهاية العام الجاري ستفتح لنا الافاق الممكنة لمستقبل محطة الفضاء الدولية. علي محمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات