يستهل يومه بمعانقة الشمس والألوان، شيانغ هانتونغ .. خيال تايوان يحلق بفرشاة تحركها البصيرة

الخميس 26 رجب 1423 هـ الموافق 3 أكتوبر 2002 مع تسلل أشعة الشمس الصباحية الى شقته الكائنة في مقاطعة بيتاو شمالي تايبيه، يستهل الفنان شيانغ هانتونغ البالغ من العمر ثلاثة وسبعين عاماً يومه برسم لوحات زاهية الألوان ومخططة بدقة. وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود، صارع شيانغ ضعف البصر لديه، والذي جاء نتيجة لاصابة عينه بالمياه الزرقاء مما ادخل اليأس في نفسه من امكانية الرسم مجدداً. وعملت آثار اصابته بسكتة دماغية في عام 1995 على ابطاء حركته في المشي الى درجة التثاقل. ولكن عقله ظل متوقدا ويداه ثابتتين. ويقول الرسام المصمم على البقاء في حالة ذهنية وجسدية تمكنه من مواصلة عمله الابداعي: «أحاول ان اعيش حياة هادئة ويسيرة. فأنا استطيع ان اتحرك بحرية وعقلي يعمل على أكمل وجه واستطيع ان أتذكر بوضوح ما جرى في طفولتي المبكرة». وفي الواقع ان تلك الذاكرة الحادة تعتبر ضرورية لرسام قضى على امتداد عقود معظم وقته في المنزل منهمكا في العمل والتأمل. يعتبر شيانغ أحد ابرز الرواد في ميدان الفن الحديث بتايوان. وينحدر شيانغ من مقاطعة فيوجيان بالصين، وقد فقد ابويه عندما كان صغيرا، فكفلته وربته جدته، التي شجعته عندما بدأ يظهر اهتماما بالرسم في المرحلة الابتدائية من دراسته. واثناء دراسته بالمرحلة الثانوية، تعرف للمرة الأولى على الافكار المتعلقة بالفن الحديث، وسمع لأول مرة جزيرة تايوان، التي كانت تقع عبر المضيق مقابل مقاطعته تماما وكانت تخضع في حينه للحكم الاستعماري الياباني. وبعد ان تخرج من المدرسة الثانوية بامتياز في الفنون الجميلة، اصبح استاذا بدعوة من مدير احدى المدارس الابتدائية ببلدته شانغتنغ. وقد واصل تعليمه في الجامعة التي عرف من خلالها ان تايوان مكان يستحق الزيارة. وبالفعل، قام شيانغ بزيارة تايوان في عام 1948، أي قبل عام واحد من تولي الشيوعيين السلطة في البر الرئيسي الصيني، وتحولت الزيارة الخاطفة الى اقامة دائمة. ولم يمض وقت طويل حتى كان شيانغ يعمل مدرساً في احدى المدارس الابتدائية، بعد ان اجتاز الامتحان المخصص لذلك. وخلال العام الثاني من اقامته، قام بالتعليم في مدرسة صغيرة ببلدة وانلي التابعة لمقاطعة تايبيه، ووفر ما يكفي من المال للتسجيل في قسم الفنون بكلية تايبيه النظامية. ويقول عن تلك التجربة: «للمرة الأولى في حياتي، كنت مرتبطا بمعهد لتعليم الفنون. ولكن الحقيقة هي انني لم اتعلم شيئا هناك سوى المواد المخصصة للمبتدئين». وبعد التخرج من الكلية في 1952، عمل شيانغ كمتدرب مع لي شونغ شان، وهو أحد ابرز الرسامين الطليعين ومنظري الفنون في تايوان. وهو ينظر الى تلك التجربة باعتبارها المصدر الحقيقي لتعليمه والهامه. وباتباعه لتعليمات مدربه، قام شيانغ بنبذ كل ما تعلمه في الكلية النظامية وبدأ يتعلم كل شيء من الصغر. وكان لي يعلم الرسم بصورة اساسية من خلال شرح المفاهيم الفنية والتأكيد على ضرورة الالتزام بالفن كنظام صارم. فهو لم يقم ابدا بعرض كيفية الرسم او بمراجعة اي من أعمال طلابه. ويقول شيانغ بحق معلمه: لقد كانت لديه براعة في حمل الطالب على فهم آلية الرسم ودوافعه وذلك من خلال كلامه فقط. ولم تكن هناك مرة خرجت فيها من الصف بدون ان اشعر بالرضا والتنور الفكري. وخلال سنوات ما بعد الحرب، هيمنت النزعة الانطباعية الغربية على عالم الفن في تايوان. وبحلول اواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، انجذب الفنانون الشباب للأساليب الغربية المعاصرة، وبخاصة الفن التجريدي، ولم يكن شيانغ استثناء من هذه القاعدة ثم ادرك المقاومة للنزعات التجديدية من قبل السلطات والعامة فاتجه الى الرسم التكعيبي. ويعود شيانغ بذاكرته الى تلك الفترة قائلا: «في ذلك الوقت، رفض معرض تايوان المرموق ان يقبل اعمالا للفنانين المحدثين. ولم تكن الافكار التقدمية التي تمثلت في اسلوب الرسامين التعبيريين، من امثال شاغال، قد حظيت بالتقدير او اخذت على محمل الجد من قبل الجمهور. لقد حظي شيانغ قبل ان تبرز مشكلته في النظر بتقدير هائل في الداخل والخارج، ففي عام 1959، تم اختيار اعماله للعرض في معرض ساو باولو للرسم الدولي في البرازيل، وفي السنوات التالية، جمعت اعماله من قبل عشاق الفن في اميركا واليابان. وفاز شيانغ بجوائز عديدة في الداخل والخارج، ويعرض جانب من اعماله في المتاحف الشهيرة في تايوان والعالم. يؤمن شيانغ بقوة الخيال التي يصفها بانها «أفضل القدرات البشرية» ويبلغ ايمانه بها الى درجة تدفعه الى تلخيص عمليته الابداعية بقوله انها «خيال يحفز الذاكرة». وبحسب معارفة والخبراء في مجال الرسم، فان النماذج الحقيقي بين الفن والحياة لدى شيانغ قد ضمن له مكانا راسخا في تاريخ الفن التايواني ولأعمال قيمة كبيرة في اوساط جامعي اللوحات الفنية. ضرار عمير

تعليقات

تعليقات