كتاب دروب المنفى، الحلقة الخامسة عشرة، كتلة الأسد تدفع الدبابات للشوارع وتزج بالقيادة المدنية في السجون

ت + ت - الحجم الطبيعي

يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. يقولون إن المقهور ينام نوماً عميقاً ويطول نومه. وقد امتد نومي في تلك الليلة حتى الصباح، إلى أن أيقظني هاتف من عبد الله. لم يتطرق عبد الله إلى ذكر الحدث، لكن عمق صوته وهدوءه الزائد عن المألوف أظهرا أن أساه لم ينقص. أراد الذي بهظه أساه أن أنوب عنه في تصفية شئون صوت فلسطين صوت اللجنة المركزية لحركة المقاومة. ثم اتصل عطية الجودة، ولعلك تتذكر أنه هو من كان المدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون السورية وهو صديقي، وطلب أن أجيء بسرعة لنتفاهم على التعليق السياسي الذي ينبغي أن أكتبه أنا في المناسبة الجليلة. ولم يأذن عطية لي بالتفلت من أداء المهمة : «من غيرك، إن لم يكن أنت !». هيأت نفسي دون عناية، وشربت فنجان القهوة. ودفنت سيجارة يومي الأولى واشعلت ثانية منها. وخرجت إلى الشارع الذي ينتظرني فيه أبو رشاد وسيارته. كان الحزن هو ما ميّز شارع نوري باشا في ذلك الضحى، مقر الشبيبة القائم إزاء منزلي كان هادئاً، والفرن، والدكاكين، والمدرسة. وكان الهدوء حزناً. وأبو رشاد خالف عادته، فلم يكن منصرفاً إلى تلميع سيارته كما هو شأنه وهو ينتظرني، ولم يهذر، بل جلس صامتاً وساكناً داخل السيارة ومضى بي وهو محتفظ بالصمت، ولم يحدثني عن همومه العائلية كما ألف أن يفعل أو عن حكايات الذين ينقلهم بسيارته وغرائبها. وعندما سألت الصامت وراء المقود عما يبقيه صامتاً، بقي نظره ممتداً أمامه ورد : «ألا تعرف !؟». لحظتها، أشرفنا على مشهد ستظل ذاكرتي تختزن تفاصيله إلى الأبد. انفتح الشارع على الساحة التي ينتهي عندها شارع أبو رمانة ويتصدرها مبنى السفارة المصرية، وأبطأ أبو رشاد حركة السيارة، وقال : «إن كنت لا تعرف فانظر أمامك !». ثم أوقف السيارة وحطّ رأسه على المقود واستسلم للبكاء. كان على مواجهتنا في شرفة المبنى العريضة صف من السيدات وهنّ يلبسن الملابس السوداء ويلوحن بمناديل سوداء هي الأخرى ويندبن ويبكين. وفي مشهد سيدات السفارة وحدادهن البليغ تمثلت لي مصر وفلسطين، ودنيا العرب، والعالم الثالث، عالم عبد الناصر كله المفجوع برحيله. وانفجر مخزون أساي وفاضت الدموع التي احتبستها فاجعة 1948 طيلة عقود. قبل عبد الناصر مبادرة روجرز، فكأنه ألقى قنبلة فجّرت سخط الشارع العربي على السياسة الأميركية. شاء المثقل بالأعباء أن يظفر بهدنة حتى يتمكن من تقوية دفاعات مصر ضد أسلحة إسرائيل المتفوقة، وتصور أن الآخرين يدركون دوافعه، إلا أنه جوبه بحملة ساخطة وشنيعة، ولم يظفر إلا بتأييد محدود، متحفظ أو حيي، فأثقل عليه الأمر وأضاف إلى أعبائه عبئاً بغيضاً. وقبل أيام من اشتعال القتال في عمان، توجه الرجل إلى إحدى الاستراحات، ولعله أراد أن يخلو بنفسه ويعيد فحص موقفه. وكان الرجل قد قضى منذ حرب يونيو 1967 أربعين شهراً متصلة مثقلاً بالمشاغل المضنية دون أن يحظى بيوم راحة واحد. وفي هذه المدة، تعرض قلب عبد الناصر لهجمتين. وعندما اشتعل القتال في عمان والرجل في استراحته، آثر معاونوه أن ينقلوا إليه أنباء مهوّنة. لكن اتضح أن الأمر أخطر من أن يطول إخفاؤه عن القائد المسئول. وهكذا، داهمت أنباء المأساة عبد الناصر مداهمة، فرجع إلى مكتبه، وانهمك في العمل المجهد. نحى عبد الناصر حنقه على الذين أساءوا إليه من الفلسطينيين، وواصل العمل ليل نهار لمساعدة المقاومة وكفّ الأذى عنها،. وبذل من الجهد بما لا يقدر عليه حتى أعتى الأصحاء، وأفلح في عقد القمة العربية وإدارتها إلى أن تم إبرام الاتفاق. وفي السياق ذاته، أوجب معطوب القلب على نفسه أن يستوفي اللياقات اللازمة لاستقبال ملوك الدول العربية ورؤسائها الكثيرين وتوديعهم. وفي اللحظة التي أتم فيها آخر اللياقات، وكان ذلك حين ودع آخر المغادرين، داهمت قلب الرجل الهجمة القاضية.في هذا الوقت، فيما كنّا مجتمعين مع عرفات في الإذاعة، كانت قيادة حزب البعث مجتمعة لتقييم نتائج القمة، وكان بين أعضائها ساخطون على عبد الناصر. وقد اتهم هؤلاء عبد الناصر بأنه رضخ للضغوط الأميركية وخذل عزائم العازمين على إسقاط النظام الأردني. وكان د. إبراهيم ماخوس عضو قيادة الحزب نائب رئيس الحكومة وزير الخارجية في مقدمة الساخطين على مسلك الرئيس المصري. ومع أن د. ماخوس كان يجلّ عبد الناصر حين يتحدى هذا المتآمرين، فقد كان موقف ماخوس ينقلب إلى النقيض إذا رأى من عبد الناصر تهاوناً ويتّقد سخطه عليه. وهذا هو ما حصل في اجتماع القيادة. ولأن حافظ الأسد قاطع الاجتماع وبقي في مقره في وزارة الدفاع فقد كان هو أول من تلقى نبأ رحيل عبد الناصر الذي أبلغ إلى سوريا على أجهزة الاتصال العسكرية قبل أن يبلغ إلى الجمهرر بساعتين. وقد أرسل الأسد النبأ إلى اجتماع القيادة فبلغها فيما د. ماخوس ممعن في هجومه على عبد الناصر حائر بين احتسابه في عداد العملاء أو في عداد المتخاذلين. لكن ما أن داهم النبأ حتى انقلبت مشاعر ماخوس رأساً على عقب. وقال د. نور الدين الأتاسي الذي يرأس الاجتماع: «هذه كارثة تكمل الكوارث المتعاقبة». وعقّب صلاح جديد: «انهدّت الخيمة التي تظللنا»، وتكلم ماخوس من جديد، ليشيد هذه المرة بمآثر الزعيم الراحل ويعدد مزاياه ويحذّر من المخاطر التي تنجم من رحيله ويندب الحظوظ. بعد مأساة أيلول/ سبتمبر المزدوجة هذه، تعاقبت على الساحة السورية التطورات الدراماتيكية التي لم يتمكن أحد من وقف تواترها المتسارع. هذه التطورات جرت وتزامنت مع محاولات تطبيق الاتفاق الفلسطيني الأردني فأثرت فيها. فسرعان ما رجعت القوات السورية التي اقتحمت حدود الأردن تحت راية جيش التحرير الفلسطيني إلى مواقعها مخلية المجال لجيش الأردن كي يحكم سيطرته من جديد على شمال بلده. وسرعان ما انسحب المسلحون الفلسطينيون من العاصمة الأردنية، فتوجهت غالبيتهم إلى سوريا وتوزعت البقية على مواقع معزولة في أحراش جرش. ومع كل خطوة، نجمت عشرات المشاكل وتوجب أن تنشغل اللجان العربية التي أوكلت القمة إليها مهمة تنفيذ الاتفاق بحل هذه المشاكل. وفي غضون ذلك، احتدمت الخلافات بين كتلتي البعث وانتهت إلى القطيعة بينهما وراحت كل كتلة، تستنفر قواها للمجابهة الحاسمة، وغابت فرصة تسوية الخلافات بالحسنى. وجد حافظ الأسد في التطورات الجارية ما عزز وجهة نظره هو الذي لم يتحمس لإقحام الجيش السوري في قتال الإخوة. وصار بإمكان الأسد أن يواجه خصومه بالقول إنه لو قبل الفلسطينيون قبل القتال ما اضطروا إليه بعده لما احتاج الأمر إلى أي قتال أو أي تدخل من الجيش السوري. والواقع أن زعيم الكتلة التي زادت قوتها نجح في تحريض غالبية العسكريين والكثيرين من المدنيين البعثيين ضد كتلة القيادة ووضع هذه الكتلة في موقع الدفاع عن النفس واستلّ قدرتها على المبادأة بالهجوم. وفي محاولتها لجم اندفاعة الأسد إلى حسم ازدواجية السلطة في الدولة لصالحه، التجأت القيادة إلى الشرعية الحزبية. ولأن أنصار القيادة كانوا هم الأغلبية في مؤتمر الحزب القومي فقد شاءت القيادة أن تحتكم إليه. إلا أن الكتلة الأخرى احتجت بأن أعضاء المؤتمر انتخبوا قبل التطورات الجديدة فهم يمثلون، إذن، واقعاً تبدل ولا يعتدّ بشرعيتهم. وما أن وجهت القيادة الدعوة إلى عقد المؤتمر حتى أعلن الأسد أنه سيقاطعه ولن يلتزم قراراته. وفي الأيام التي تلت توجيه الدعوة، عاشت سوريا وقتاً عصيباً على حافة انفجار يعرف الجميع أنه واقع لا محالة. أما أعضاء حزب البعث، وهم المعنيون أكثر من غيرهم بما يجري، فقد اضطربت مواقفهم اضطراباً شديداً. كان أقل هؤلاء قد اصطف سلفاً مع واحدة من الكتلتين، منهم من فعل هذا لسبب مبدئي ومنهم من اجتذبته مصلحته الشخصية. وبقي معظم البعثيين حائراً. فكتلة القيادة توفر ضمانة لاستمرار نفوذ الحزب ودوره والفرص المتيسرة لأعضائه في تولي شئون الدولة ومؤسساتها. ولكن مسلك زعماء هذه الكتلة اتسم بالتزمت السياسي والتشدد التنظيمي والتقنين الشديد في إباحة الامتيازات والكتلة الأخرى إن أثار احتمال انتصارها القلق على دور الحزب ودور مدنيّيه فهي على أي حال قوية ومن المتعذر تصفيتها. ثم إن بعض دعوات هذه الكتلة متميز، خصوصاً دعوتها إلى فك عزلة سوريا عن محيطها العربي وتغليب السمات القومية على السمة الطبقية. لقد ركز معظم البعثيين أمله في أن يستمر حكم الحزب وراقب صراع الكتلتين في هدي تشبثه بهذا الأمل، ومال إلى هذه الناحية أو تلك بمقدار ما لاحت فرصة تحققه.. ومع احتدام الصراع في أيامه الأخيرة، برزت ظاهرتان متوازيتان: تمايز سافر؛ واختلاط في المواقع. ولإن تمايز خلصاء كل كتلة بعضهم عن بعض حدّ التنابذ، فما أكثر الذين وضعوا رجلاً هنا وأخرى هناك وتحفزوا لتحديد خيارهم النهائي حين تنجلي نتيجة الصراع ! ولم يتسن إجراء حساب دقيق، فترجرج المواقف لا يأذن بإجراء أي حساب. وفي الظاهر، كما صرت تعرف، كانت غالبية العسكر مع الأسد وغالبية المدنيين مع القيادة. أما في العمق فإن تعزيز الأسد لقوته خطوة خطوة على حساب قوة القيادة ضمن له أن تلحق غالبية المدنيين به حين تدرك أن السلطة آلت اليه. وعلى هامش هذا ومن داخله، وجد من حاولوا رأب الصدع، بعثيون تصوروا أن وحدة الحزب هي ضمانة استمرار نظامه الحاكم، آخرون خشوا أن يقيم الأسد نظام حكم عسكري صرفاً، وما إلى هؤلاء من المسكونين بالهواجس والموصوفين عادة بذوي النوايا الطيبة. وفي هذا الجو، تميز موقف الشيوعيين فظهروا في مقدمة الداعين إلى وحدة حزب البعث. وقد بذل الشيوعيون جهداً اتصل ليل نهار وهم يحاولون إطفاء نيران منازعات لا تنطفئ. ولأن تشابك الوضع أتعبني حتى كدت أعجز عن قراءته، فقد قصدت خالد بكداش متبعاً عادتي كلما تهت أو أوشكت على التوهان. وكان الأمين العام للحزب الشيوعي السوري إزاء منازعات البعثيين بعضهم مع بعض في حال لا يحسد عليه. فكتلة القيادة صاحبة الدعوات اليسارية كان فيها الناس الذين عملوا على شق الحزب الشيوعي وحرّضوا أعضاءه ضد زعامة بكداش المقتدرة. وكانت هذه حكاية يراقبها بكداش بحذر ويتجنب نشرها حرصاً منه على التحالف القابل للعطب مع البعثيين، مع أن الحكاية كانت تخصّه وتؤشر إلى شيء زائف في يسارية هؤلاء اليساريين. ولك أن تعرف أن صلاح جديد والعديد من أنصاره الذين حرضوا شيوعيين ضد بكداش منّوا هؤلاء بالتوحد معهم إن سيطروا على الحزب الشيوعي وأقصوا بكداش عنه. وكان في بال صلاح جديد وفريقه على ما يبدو صورة ما حصل في كوبا: كاسترو الذي اجتذب الشيوعيين إليه، وإن تكن شائهة. أما العسكر ، هؤلاء المتوهمون بأنهم على يمين قيادة حزبهم، فكانوا يمنّون الحزب الشيوعي بتوسيع التعاون معه والسير على طريق التضامن العربي الذي يدعو إليه الشيوعيون لمواجهة إسرائيل والاحتفاظ بأطيب العلاقات مع الاتحاد السوفييتي. وفي لقاءاتي مع بكداش بحثاً عن إيضاحات افتقرتُ إليها، أدركت أن الحزب الشيوعي متمسك بدعوته إلى وحدة حزب البعث، فإذا حسم الصراع لصالح الأسد فإن الحزب لن يعارض مسبقاً بل سيقرر موقفه في ضوء السياسة التي ستتبع. وقد قال بكداش، وهو المعروف عنه أنه ينتقي كلماته انتقاءً دقيقاً حتى حين يتحدث في منزله إلى أخلص خلصائه: «نتعاون مع البعثيين، أي بعثيين، ما داموا ماضين في سياستين: مجابهة العدوان الإسرائيلي؛ والاحتفاظ بعلاقة طيبة مع الاتحاد السوفييتي، ولا نلغي التحالف بسبب أي سياسات أخرى مهما اعترضنا عليها». موقف الفصائل الفلسطينية كان أشدّ تعقيداً، فهي لم تنس أن القيادة المهددة بالتنحية هي التي وفرت أعظم الدعم للفلسطينيين وجازفت حتى بوجودها حين احتاجوا إلى مجازفتها. إلا أن هذه كانت هي القيادة ذاتها التي ضاقت فصائل عدة ببعض أوجه سلوكها. أليست هي القيادة التي حاولت الهيمنة على«فتح» ذات مرة وأدى بها الأمر إلى حبس ياسر عرفات وخليل الوزير وإخوان لهما بتهمة القتل، أليست هي التي حبست د. جورج حبش وعملت على شق جبهته. ثم كيف تستطيع الفصائل أن تجهر بالتأكيد لقيادة تشير المؤشرات كلها إلى أنها مولّية، وهل تستطيع أن تستغني عن سوريا حين يحكم حكام جدد، خصوصاً أن لمعظم الفصائل علاقات بهؤلاء القادمين لا تقل عن علاقاتها بالآخرين، ولم يكن من شأن قيادة «فتح» بالذات أن تنسى أن حافظ الأسد هو الذي استخدم نفوذه من أجل تبرئة عرفات والوزير من تهمة قتل الضابط يوسف عرابي ويسر خروجهما من السجن. أضف إلى هذا أن معظم ناس الفصائل كان يرتاح إلى التعامل مع العسكر، في سوريا أو غيرها، أكثر من ارتياحه إلى المدنيين، فمع العسكر، الأمر أبيض أو أسود، يصير أو لا يصير، فهو أريح. وقتها، لم أكن، كما تعلم، عضواً في حزب البعث كما كنت قبل سنتين. إلا أني لم أصر قليل الاهتمام بما يجري ولا قليل الاتصالات بالبعثيين. وبالنسبة لناس الكتلة الأخرى، بقيت معدوداً من ناس كتلة القيادة حتى بعد طردي من الحزب. ألم أكن رئيس تحرير «الطلائع» وكاتب التعليقات السياسية اليسارية والداعية المثابر إلى مقاومة هيمنة العسكر أياً ما كانت عليه الكتلة التي تضمهم. ولقد وجدتني منهمكاً في الصراع محسوباً على القيادة حتى وأنا لا أكفّ عن انتقاد سياستها المتشددة ونهجها المغامر ولم ينفعني إصراري على القول إني محايد. والواقع أني لم أمحص تأييدي إلى جهة بالمطلق، ولم أعاد أي جهة بالمطلق، بل ألفت أن أحدد مواقفي في ضوء ما أقبل أو أرفض من سياسات. ولإن أيّدت بعض سياسات كتلة القيادة، فقد جهرت بتأييدي للدعوة إلى التضامن العربي وتغليب متطلباته على متطلبات الخصومة مع الأنظمة العربية المحافظة. وكانت هذه بالذات دعوة ناقضتها سياسة كتلة القيادة فيما جعلتها الكتلة الأخرى محوراً رئيسياً من محاور سياستها. وأنا أزعم أني كنت سأسعد لو عوملت من الطرفين بوصفي محايداً. لكنه كان وقت الاصطفاف، فلم تلغني كتلة القيادة من حسابها لمناصريها ولم يكفّ ناس الكتلة الأخرى عن احتسابي في خصومهم. وقد أدركت ما أدرك غيري في ذلك الوقت، وهو أن انعقاد المؤتمر القومي للحزب سيستتبع تحرك الأسد وكتلته فوراً،. فإن أتمّ الأسد التحرك فإن ازدواجية السلطة ستحسم لصالحه. ووجدتني أصل الليل بالنهار داعياً إلى تأجيل انعقاد المؤتمر حاثاً على التعقل. وفي مساء سبق يوم افتتاح المؤتمر، سعيت إلى مقابلة أصحاب القرار في كتلة القيادة، وقادني سعيي إلي مقر قيادة الصاعقة حيث وقعت على صلاح جديد ويوسف زعيّن مخليين فيها. وما أن أحيط المشغولان بالهم الثقيل علماً بوجودي حتى أذنا لي بقطع خلوتهما، فكان في هذا ما شجعني على مزيد من الصراحة في حديثي إليهما. وقلت لزعيمي الكتلة المهددة بفقدان سلطتها ما أردت قوله كله. تكلمت قرابة ساعة وختمت كلامي برجاء أن يعملا على التأجيل فربما أمكن العثور على حل ما غير الصدام الذي نعرف نتيجته. بالطبع، لم أكن الوحيد الذي نصح بالتأجيل ولا الوحيد الذي رُفضت نصيحته. وقد أفاض صلاح جديد في الرد عليّ وتبسط في شرح حججه. وكانت الحجة الأولى وحدها حاسمة الدلالة: سيتحرك الطرف الآخر إن انعقد المؤتمر وإن لم ينعقد، ولانعقاد المؤتمر دور مهم، فهو يفقد الآخرين الشرعية الحزبية ويدفع تحركهم بأنه تمرد عليها. ولم يخف أبو أسامة قناعته بأن حافظ الأسد سيسقط القيادة ويظفر بالسلطة. وكان الرجل معنياً في حديثه إليّ بتثبيت أمر واحد: أن يعرف الجميع أن القيادة سقطت ضحية دفاعها المستميت عن المبادئ. وما تزال ترن في أذني الكلمات التي ختم صلاح جديد بها كلامه: «ما دام لا بد من أن نسقط فليعرف الجميع أننا سقطنا شهداء ونحن ندافع عن الشرعية الحزبية وعروبة فلسطين». في ظرف غير هذا الظرف، كنت سأحسب ما قاله صلاح جديد مجرد كلام شعاري وسأواجهه بأنه تحرك هو نفسه قبل أربع سنوات وأسقط قيادة الحزب السابقة بقوة السلاح ولم يأبه للشرعية وأن ما يقوله عن فلسطين لا يميزه شيء عما قاله الذين أسقطهم هو. أما في الظرف الذي كنت فيه، حين قال هذا الكلام رجل يعرف أن نجم سلطته آفل، فلم أملك إلا أن أصمت. وعندما رويت هذه الواقعة لخالد بكداش، وكان صلاح جديد قد غدا حبيس سجن المزة العسكري، عقب القائد الشيوعي الكبير بأسلوبه الوجيز: «هكذا هم رفاقنا البعثيون اليساريون، تأسرهم الشعارات الكبيرة، ولا يهتمون بمتطلبات الواقع العياني». في مساء اليوم التالي، انعقد المؤتمر وسال كلام كبير كثير وشعارات كبيرة كثيرة. وتبارى المتكلمون في توجيه الاتهامات الى العسكر: افتراس الحزب، وحرمان الأمة العربية من طليعتها البعثية، وبيع فلسطين، وما إلى ذلك. وحذر المتكلمون من أن العسكر سوف يغتالون الحريات. نسي هؤلاء أنهم حكموا البلد أو شاركوا في حكمه منذ سبع سنوات دون أن يقنعوا الأمة العربية بأنهم طليعتها ودون أن يبقوا من الحريات إلا أقلها، كما نسوا أنهم اعتمدوا هم أنفسهم على العسكر. تفنّن هؤلاء في التخويف من ديكتاتورية قادمة ونسوا أنهم لم يقدموا نموذجاً للديمقراطية حتى يدافع الجمهور عنهم. وفي الصباح، صباح السادس عشر من أكتوبر 1970، جرى ما كان متوقعاً: اقتيد معظم أعضاء القيادة وأنصارها العسكريين والمدنيين الكبار إلى السجن، وسيطرت وحدات عسكرية تأتمر بأمر وزير الدفاع على المناطق الحساسة في البلد، ونقلت الإذاعة إلى الجمهور البيان الأولي للذين حسموا الصراع لصالحهم. حركة كلاسيكية مألوفة، تمت بغير متاعب تذكر، ودون إراقة دماء. خصوم الحركة البعثيون سموها انقلاباً عسكرياً وتمرداً على الشرعية. أما أصحابها فسموها الحركة التصحيحية. ولما كنت كغيري من الناس أتوقع ما وقع، فقد بكرت في إدارة مفتاح المذياع: تلاوة من آي الذكر الحكيم، هذه التي لا بد منها في أي ظرف، ثم موسيقى وأغانٍ حماسية، ثم البيان، وما يذاع بين أغنية وأخرى من برقيات التأييد، مما هو كلّه مألوف. وقد لفت نظري أن بيان الحركة التصحيحية لم يشتط في الهجوم على القيادة المنحّاة، بل تركز على عرض أهداف الحركة الجديدة بأكثر مما تركز على الأخطاء السابقة. وكان لهذا عندي مغزى سافر الدلالة:حقق ناس الحركة نصرهم في الصراع على السلطة وهم يتطلعون إلى اجتذاب مؤيدي القيادة المنحاة إلى تأييدهم هم، أما السياسة فقد يتبدل بعض بنودها إلا أن جوهرها سيظل على حاله. وأنا أتذكر كيف كرر البيان التأكيد على أن ما سقط هو عقلية التسلط والمناورة. وقد أطلق هذا التعبير لساني بتشنيعة فورية ما أسرع مما شاعت على الألسنة في دمشق: «خسارة، فقدنا المناورة !». مساء اليوم ذاته، سهرت في منزل د. نبيه ارشيدات، وجاء إلى هذا المنزل عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري دانيال نعمة. وكان هذا رجلاً يبدو على الدوام متحمساً لشيء ما. وهو يتحمس خصوصاً لأي عمل ينهمك فيه، ويفرط بلزوم وبغير لزوم في عرض الحجج التي تسوغ حماسه حتى لو عرف أنك مؤيد له. وأبلغ المتحمس حتى تلك اللحظة للقيادة المنحاة إلى نبيه الذي تتناوبه الهواجس أن الحزب كلّفه، هو دانيال، الالتقاء مع الذين سماهم جماعة صلاح جديد. وقال دانيال إنه اتفق مع الجماعة على القيام بمظاهرة ضد ما سماه حكم العسكر. وقضت الخطة التي اتفق عليها بأن يتجمع المتظاهرون غداً، في ساحة السبع بحرات، أمام مقر قيادة حزب البعث في العاصمة، لتكون نقطة الانطلاق. ولما كان نبيه مثلي غير واثق من توفر العدد اللازم لمظاهرة ذات وزن، فقد عبر عن خوفه من الفشل. كان نبيه، مثلي أيضاً، واثقاً من أن الجمهور غير معني بالدفاع عن القيادة المنحاة وغير مشغول البال بمسألة الحفاظ على الشرعية في حزب البعث واستقامة الالتزام بنظامه الداخلي. ومثلي أيضاً، قدر نبيه أن معارضي الحركة الجديدة قد يكونون كثيرين، من أعضاء الحزب ومن غيرهم، إلا أن معظمهم لن يجازف بالاشتراك في مظاهرة يعرف أن السلطة الجديدة ستواجهها بشدّة. لكن دانيال بقي على حماسه ورأى رأياً مغايراً: «تعهدت جماعة صلاح جديد أن تحشد ما بين مئة ومئة وخمسين ألفاً، فإذا جاريناك وحذفنا المبالغة فلنا أن نتوقع خمسين ألفاً على الأقل، أضف إلهيم الآلاف التي يمكن أن يحشدها حزبنا !». وتصور دانيال أنه قد بهر نبيه، وهتف : «ألا يكفي هذا للتعبير عن موقف الجماهير واستعدادها للدفاع عن مكتسباتها التقدمية ! ؟». في الصباح التالي، راقبت الساحة من مقر «الطلائع» القريب منها. توافد الذين لبوا الدعوة واحداً واحداً؛ يصل الواحد منهم في هيئة عابر طريق، ويتشاغل بأي شيء يسوغ وقوفه في المكان، ويتجاهل الذين سبقوه، تماماً كما كنا نفعل أيام انهماكنا في العمل السرّي. وقد سهُل على خبير مثلي أن يميز نوعين من الوافدين: العازمين حقاً على الاحتجاج ورجال الأمن المرسلين لمراقبتهم. وقد ينبغي أن أقرّ دون أن أتعمد التطرف بأن عدد المتجمعين فاق المئات الخمس التي توقعتها فبلغ ما يقرب السبع، غير أن عدد رجال الأمن من هؤلاء لم يقلّ عن مائتين. وحين لمحت عبد الله الأحمد عضو القيادة المنحّاة قادماً، أدركت أن لحظة الانطلاق أزفت. كنت أعرف هذا الرجل معرفة تامة وأعلم أنه من الموالين لصلاح جديد. وما أن بلغ الرجال النقطة التي سيقود منها المظاهرة حتى تجمع الآخرون حوله ورفعوه على أكتافهم. وقد هتف هو بشيء ردده المحيطون به، فبلغني صخب الهتاف. ولحظتها بالذات، قبل أن يتردد هتاف آخر، بدأت المعمعة، وليس المظاهرة. نشب العراك بين رجال الأمن الذين أظهروا ما خبأوه من هراوات ومسدسات وبين المتظاهرين. ولم يحتج الأمر لأكثر من دقائق قليلة حتى خلت الساحة من المحتجين، بعضهم اعتقله رجال الأمن وبعضهم أفلح في الفرار. وكان عبد الله الأحمد بين المعتقلين، وقد رأيت معتقليه وهم يحملونه إلى سيارتهم ويحشرونه فيها حشراً. أسيت إزاء هذا المشهد، هزالة الاحتجاج وضخامة سطوة الأمن والفوج الجديد الذي اقتيد إلى السجن. ووجدتني أغادر مكتبي وأتبع طرقاً جانبية تجنبني عبور الساحة والعيون التي تراقب أي حركة حولها. وفيما أنا مستغرق في الهموم، نبتت أمامي قامة دانيال نعمة فجأة. ولكم استقبحت هذه المصادفة ! لم أكن في وارد الخوض في جدل أو الاستماع إلى إيضاحات، فحييت القائد الشيوعي دون أن أتوقف. غير أن الرجل لم يبح لي المضيّ قدماً، ولم يكن حماسه قد انطفأ أو نقص: «هل كنت في الساحة ؟» قذفني بالسؤال صوت مجلجل، فأجبت باقتضاب متعمد: «لا»، ثم أضفت قبل أن يفيض هو : «ولماذا أكون فيها ؟» وشئت أن أفلت من آسري، غير أنه لم يرحمني: «خسارة ! أحببت لو أنك شفت الجماهير وهي تستبسل في الدفاع عن مكتسباتها». بعد يومين، عيّن ناس الحركة قيادة لتسيير شئون الحزب تحلّ محل القيادة المنحاة وتحضر لعقد مؤتمر جديد ينتخب القيادة الدائمة. ولدهشتي ظهر اسم عبد الله الأحمد قائد الاحتجاج على الحركة في قائمة أعضاء القيادة المعيّنة. ولم يكن الأحمد هذا هو وحده الذي بدّل ولاءه، فقد تبدلت ولاءات الغالبية؛ بعضهم بدل ولاءه على عجل، وآخرون تأنوا. وفي المحصلة، التحق معظم أعضاء الحزب بالقافلة وسار وراء حاديها الجديد. قائد بعثي آخر أعلى مرتبة من عبد الله الأحمد عاينت تحوّل ولاءه، إنه الأردني عضو القيادة القومية محمود المعايطة «أبو ساهر». ففي زمن الازدواجية، اصطف أبو ساهر مع أغلبية القيادة وأظهر الولاء لكتلتها وحضر المؤتمر القومي الحاسم وشارك في الصخب، وكان من المفروض أن يحلّ به ما حل بغيره: أن ينتهي إلى السجن أو يتوارى عن الأنظار.وفي لقائه مع الأسد، استخلص أبو ساهر أن راية الحزب باقية : «بكى رفيقنا حافظ الأسد على حال الحزب وأبكاني معه». وفي خليط المشاعر والألوان، تميز شيء حاسم. فقبل الحركة، احتفظت بصلتي بالبعثيين ، بالرغم من طردي من حزبهم، وبقي انشغالي بالهم السوري الداخلي موازياً لانشغالي بالهمّ الفلسطيني. أما بعد الحركة فلم يعد يصلني بالهم السوري إلا ما يصل أو ينبغي أن يصل الفلسطيني به، غاب إحساسي بأن الحزب هو حزبي والبلد هو بلدي، وحل محلهما الحزب الشقيق والبلد الشقيق. وصار علي أن أعيد ترتيب أموري. وكان أعجل ما واجهت هي مشكلة وجودي رئيساً لتحرير «الطلائع». فقد أبقى العهد الجديد على منظمة الصاعقة بعد أن قلّص حجمها وأبقى منه ما هو لازم للشأن البعثي الفلسطيني وحده. وهكذا قررت أن أستقيل. ولكني حرصت أن لا تعد استقالتي تحدياً لأيما أحد. وقد نجم حرصي هذا من دوافع عدّة بإمكانك أن تدرج بينها خشيتي من أن أدفع ثمن التحدي دون لزوم. وعبد الله هو الذي تدبر الأمر مع مسئول الإعلام في الصاعقة فجعل لاستقالتي وقبولها تاريخين. يبدو معهما أن الأمر بتّ قبل وقوع الحركة التصحيحية، تجنباً لأي تفسير للاستقالة قد يتسبب لي بأذى لا لزوم له. والمفاجأة الوحيدة في الترتيبات التي تمت بهدوء وتكتم أن عبد الله حل محلّي في رئاسة تحرير «الطلائع». ويبدو أن صديقي وقريبي هذا هجس بشيء، ولذا فإنه هو الذي بادر إلى تقديم الإيضاح: ستجري في حزب البعث دورة انتخابات جديدة، وقد اعتزم هو أن يدخل المنافسة، ومن شأن وجوده في رئاسة تحرير الطلائع أن يعزز فرصته في الفوز. وقد دخل عبد الله المنافسة فعلاً، وتصدر تكتلاً في التنظيم الفلسطيني منافساً للتكتل الذي تصدره زهير محسن، وفاز في المنافسة في مراحل الانتخابات كلها إلى ما قبل النهائية. وفي المؤتمر الذي أفرزته الانتخابات، تساوى عددا ممثلي الكتلتين. فاحتدمت المنافسة،. ثم تمكن زهير وأنصاره المؤيدون من قبل العهد الجديد من اجتذاب مندوب واحد من أنصار عبد الله أغروه بوظيفة كبيرة فظفر زهير وكتلته في السباق بأغلبية صوت واحد وتلقى عبد الله صدمة أسلمته من جديد إلى اليأس وانتهى أمره إلى الاستقلال عن تنظيم حزب البعث كلّه.

طباعة Email