السياحة البيئية.. فوائد وسلبيات

يُعرف العلماء مفهوم «السياحة البيئية» بأنه السفر الى المناطق الطبيعية التي لم تلوثها أيدي الانسان والحفاظ على طبيعة الحياة داخل هذه المناطق وعدم المساس بحرية وأسلوب حياة أهلها الأصليين. وقد اكتسب هذا النوع من السياحة اهتماماً متزايداً في السنوات الأخيرة ليس فقط بصفتها بديلاً آخر للأنواع الاخرى من السياحة مثل سياحة المغامرات والآثار والسفاري والبحار وغيرها، ولكن لكونها ايضاً وسيلة لدفع التنمية الاقتصادية والمحافظة على البيئة. وقد بدأ مفهوم «السياحة البيئية» في الظهور منذ عقد من الزمان، حيث كان الهدف منها هو دعم صناعة السياحة بشكل عام عن طريق تسويق الأماكن الطبيعية في العالم بين الحكومات وأهل هذه المناطق الأصليين وذلك عن طريق دعوة الزوار الأجانب الى هذه المناطق لتذوق جمالها والعمل على رفع مستوى سكانها المحليين ولكن بشروط تتضمن عدم المساس بالطبيعة الخاصة للعناية بهذه الأماكن. ولكن حدث أن شهد هذا النوع من السياحة نمواً فاق تصورات أكثر المتفائلين وأغلب المتخصصين حيث يشير فرانشيسكو فوانجياللي الأمين العام لمنظمة السياحة العالمية الى ان السياحة البيئية تنمو بمعدل «يزيد الضعف عن بقية أنواع صناعة السياحة قاطبة». وقد شهد شهر مايو الماضي مرحلة جديدة من الاهتمام العالمي بهذا النوع من السياحة عندما اجتمع 1100 مندوب من 130 دولة في العالم في مدينة كويبك في اطار يوم عالمي دعت اليه الأمم المتحدة للاحتفال بما تم وصفه بـ «العام الدولي للسياحة البيئية». وضم الاجتماع العديد من مندوبي منظمات ووكالات المساعدة في العالم الذين أسهبوا في شرح امكانيات النهوض بهذا النوع من السياحة والارتقاء بالاماكن الطبيعية البعيدة عن متناول الأنواع الاخرى من السياحة. ولكن على الرغم من كل ذلك هناك أطراف عديدة ترى ان السياحة البيئية ليست بالفكرة الجيدة للنهوض بالبيئة في العالم. فعلى الرغم من ان الاستثمارات في هذا المجال تعطي الحكومات حافزاً قوياً لحماية البيئة، فإن هناك عدداً كبيراً من السكان الأصليين لهذه المناطق التي يتم ترويج ونشر السياحة البيئية بها من البرازيل غرباً الى اندونيسيا شرقاً يشتكون من ان الوافدين الجدد لهذه المناطق يقومون باجبارهم على اخلاء هذه المناطق بحجة المحافظة عليها وتحويلها الى محميات. إن هناك عدداً كبيراً من السياح زاد اهتمامهم بهذا النوع من السياحة الى درجة انهم أصبحوا يضرون بالمناطق الطبيعية المتواجدين فيها، ففي مناطق كثيرة بنيبال قام متسلقو الجبال والسياح الذين يقدمون على اقامة المعسكرات في الخلاء بقطع عدد كبير من الاشجار مما أدى الى اندلاع الحرائق في عدد كبير من مناطق الهيمالايا، وبالتالي تجريد هذه المناطق من غطائها الأخضر. وقد وصل الأمر الى ان هناك الآن مجموعة من مناهضي العولمة والجماعات والمنظمات الأهلية قامت في الفترة الأخيرة برفع شعارات في اطار حملة تدعو الى تنظيم ما أسموه بـ «العام العالمي لوقف السياحة البيئية» مقابل «العام العالمي للسياحة البيئية» الذي نظمته الأمم المتحدة. تقول أنيتا بلومارون عضو فريق مراقبة السياحة في بانكوك ان السياحة البيئية أدت الى مزيد من التدمير البيئي والاضرار بالمجتمعات المحلية الموجودة في تلك الأماكن، ويتملكنا القلق بشدة من ان التوجه المحموم نحو تطوير هذه السياحة وتصديق الأمم المتحدة على العام العالمي للسياحة البيئية سوف يزيد من سوء الموقف في العالم الثالث. مناقشات عديدة وتحظى هذه القضية بالعديد من المناقشات الساخنة على مدار الفترة الأخيرة لاسيما في ضوء التوقعات التي تشير الى ان الرحلات السياحية من المتوقع ان ترتفع من 688 مليوناً في العام الماضي الى أكثر من 1.55 مليار في العام 2020، إذ يرى الكثيرون ان السياحة البيئية هي واحدة من أفضل السبل لتطوير وتنمية البلدان الفقيرة، والوسيلة الوحيدة للمحافظة على نمو السياحة على المدى الطويل، ولكن في حال استثمارها بالشكل الصحيح. أما إذا تم الشروع فيها بشكل خاطيء، فإنه لا داعي للبحث عن مثال آخر غير ما حدث في قمة ايفرست للتأكد من التأثير السيء لهذه السياحة، حيث تنتشر كميات واسعة من المهملات والمعدات الخربة أمام أعين المتسلقين الطموحين علاوة على العلامات الارشادية المحطمة على طول دروب القمة. يقول روجر هويلوك نائب الرئيس التنفيذي للجنة السياحة الكندية: «يتوجب علينا أن نجد اتجاهاً صحيحاً للسياحة البيئية قبل ان يحدث مزيد من الدمار. فهناك قدر كبير من عدم الفهم لماهية ومعنى هذه السياحة. هناك عدد كبير من المشروعات السياحية تمت اقامتها في مثل تلك المناطق من دون ان تكون هناك استعدادات في هذه المناطق لاستقبال هذه المشروعات.». لقد بدأت السياحة البيئية على يد فنان معماري مكسيكي يدعى هكيتور سيبالاوس الذي كان في احدى عطلات نهاية الأسبوع يراقب سلوك طيور الفلامنغو في احدى المناطق الطبيعية في المكسيك تعرف باسم يوكاتان، وبدأ يدور في خلده مفهوم أطلق عليه حينذاك «السياحة البيئية» عندما شاهد مجموعة من الأجانب يتدفقون الى المكان ذاته ويكشفون عن خطة لاستكشاف مناطق نمو ومعيشة الفلامنغو. يقول سيبالاوس: «لقد كان تفكيري يتمثل في أن يأتي السياح لهذه المناطق مما يؤدي الى مساعدة السكان المحليين، وقمت باقناع محافظ ولاية يوكاتان وتحولت الولاية الى محمية طبيعية ناجحة جداً في المكسيك. في بداية الأمر، كان الصيادون يشتكون، أما الآن فهم يحققون دخلاً من عملهم كمرشدين للسياح، مثل تلك القصة يمكن ان تتكرر في أماكن كثيرة من العالم». وقد حدث الأمر نفسه في جزر غالاباغوس حيث بدأ الوضع بتذمر الصيادين الذين ما لبثوا أن تحولوا الى مرشدين سياحيين ذوي دخل مرتفع بمرور الوقت ومع انتشار السياحة. الأمر نفسه تكرر في بحيرة بيريار جنوبي الهند. ومن وجهة نظر الكثيرين ان أمثلة النجاح في هذا النطاق كثيرة ولا تحصى وتدلل على ان الفوائد الجمة التي يمكن ان تتحقق من خلال هذه السياحة يجب ان تحتم العمل على تذليل المصاعب التي تقابلها، وهو الأمر الذي بدوره يدعو الى تنظيم منتديات وفتح قنوات للحوار بين جميع الأطراف لتحديد مفهوم هذا النوع من السياحة وتنظيم دورات لتدريب المرشدين على كيفية حث واقناع السياح بالمحافظة على المقدرات السياحية التي تنتشر بين هذه المناطق العذراء وعدم المساس بها. وفي الوقت نفسه تحمل الآثار الجانبية التي تقترن بهذا النوع من السياحة لأنها شأنها شأن أية صناعة أخرى، بالتأكيد لها بعض الآثار الجانبية التي لا يجب على ضوئها صرف النظر عن المفهوم برمته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات