المقاهي.. نرجيلة وجلسات تهدد الحياة

يعد وقت الفراغ من الامور التي يحاول المرء جاهدا التغلب عليها، لذا فإننا لا نستغرب ان الكثيرين يتجولون بسياراتهم في الطرقات والشوارع سعيا لايجاد مكان مناسب يقضون فيه يومهم، وفي ذات الوقت نرى العديد من الاشخاص يفضلون الجلوس على المقاهي أو الشيشة التي يكاد لا يخلو منهما شارع مطلقا، وهذا ما حدا بالعديد من الاسئلة والاستفسارات ان تبرز على الساحة حول ماهية الدوافع الحقيقية التي تدفع بشبابنا الى ان يقضوا جل وقتهم فوق ذلك الكرسي في المقهى، بل والأدهى اننا بدأنا ومنذ فترة نلحظ توافد الفتيات على المقاهي وجلوسهن وقد عانقت أياديهن «الشيشة» بكل أنواعها والأرجيلة والمعسل، والسؤال البديهي الذي قد يعلق بالأذهان هو: ما السبب في وجود هذه الأعداد الكبيرة من المقاهي و«الشيش» بجميع مستوياتها وبمختلف الأمكنة؟ لذا توجهنا الى الجماهير نستوضح منهم الأمر ونستمع الى آرائهم المتعددة، وبذلك نكون قد نقلنا وجهات النظر الى الجهات المختصة في البلدية والدائرة الاقتصادية لنخرج اليكم بهذا التحقيق: بداية يقول وليد محمد عبدالله (موظف): نادرا ما أقضي وقتي في المقاهي لأنني أتوقع ان الأمر لا يتعدى كونه مضيعة للوقت، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك فإن أغلب الأشخاص ممن يلجأون للمقاهي ،أرى انهم بذلك يهربون من مشاكل شخصية أو أسرية، ولو كان الأمر مقتصرا على الشباب من جنس الرجال، فإن الأمر برمته يكون مقبولا نوعا ما، أما ما نشاهده من جلوس البنات والسيدات في المقاهي، فذلك هو الذي لا يصدق، وخاصة في تلك الظاهرة ملحوظة بشكل كبير في شهر رمضان الذي من المفروض انه شهر عبادة وطاعة، ولكن ـ وللأسف الشديد ـ فإن هذا الشهر تحوّل بفعل الكثيرين الى شهر الجلوس على المقاهي وأصبح رمضان مرادفا لـ «الشيشة» وهذا فيه خطورة كبيرة على عقيدتنا الاسلامية، وبعيدا عن شهر رمضان فإن المرأة على وجه الخصوص، لو أرادت قضاء بعض الوقت بمفردها أو بصحبة زوجها أو زميلاتها فإنه من الأجدر لها التوجه الى المطاعم الراقية، فهذا أفضل لها ولسمعتها ونظرة الناس اليها، وهكذا نرى ان كثرة انتشار المقاهي تسببت في خلق حالة من الادمان على بعض العادات السلبية التي لا تظهر سلبياتها على الفرد نفسه، بل تمتد الى الأسرة والمجتمع، كما ان هنالك نقطة مهمة جدا وهي «مقاهي البنايات» التي أرى ألا رقابة عليها أبدا، فالمفروض ان يكون هنالك وقت مناسب للجلوس على المقهى وألا يمتد الوقت الى ساعات متأخرة حرصا على السكان، وأخيرا أقول ان وجود عدد بسيط من المقاهي ضمن اطار مقنن أفضل بكثير من ان تكون العملية اعتباطية، كما اننا ننادي المسئولين بضرورة وضع رقابة صارمة ومستمرة على عمل المقاهي تلافيا للوقوع في المحظور. ومن جهته يقول المهندس ناصر احمد سعيد ان انتشار المقاهي بهذا الشكل الكبير يشكل خطرا كبيرا على المنظومة الاخلاقية، كما انه ينافي الشريعة الاسلامية وخاصة انه يشهد نوعا من الاختلاط غير المبرر، بالاضافة الى ان اضاعة الوقت شيء لا يعود بالنفع على الانسان، فمن الأولى بأولئك القابعين في المقاهي ان يفكروا فيما ينفعهم وان يقضوا وقتهم في أمور ايجابية، والحقيقة انني ضد فكرة الجلوس على المقاهي بتاتا، فمن الناحية الصحية ما أدرى المرء بطبيعة المواد التي توضع في «المعسّل» وغيره، وأين أولياء الأمور من ابنائهم المراهقين الذين اتخذوا من المقاهي أماكن للجلوس واللهو؟ بل أين أولياء الأمور من أنفسهم؟ وأين تغيب عقولهم حينما يجلس الواحد منهم في المقهى وهو غير مبال بما يدور في بيته من خفايا، أوليس من الأجدر به ان يقضي ذلك الوقت الضائع في احتواء زوجته وابنائه والاستماع اليهم ومحاولة التقرب اليهم؟ فلا يخفى على أحد الخطر الأخلاقي الكامن وراء غياب رب الأسرة، بل ومما يزيد من حرقة الفؤاد هو ارتياد النساء المقاهي وخاصة ان هذه الظاهرة تبرز بشكل كبير خلال شهر رمضان الكريم، بل انهن يجلسن في المقاعد الخارجية وكأن الأمر طبيعي، أو كأنها هي الحرية والمساواة التي تطالب بها المرأة، مع ان الحرية الحقيقية هي ان تحافظ المرأة على نفسها وعلى نظرة أفراد المجتمع اليها، وألا تنخدع بالدعوات الهدامة التي تطلقها بعض الجهات والتي تهدف الى انحطاط المرأة. سمعة تقاليدنا أما عبدالله سعيد مطر (موظف) فيقول: ان ظاهرة الجلوس على المقاهي، ظاهرة سلبية تشجع على البطالة واضاعة الوقت دون الاستفادة منه، فحسب رأيي ان كثرة انتشار مثل هذه الأماكن تشجع الفئات العمرية ما بين 15 الى 20 سنة على الجلوس هناك، بدلا من ارتياد الأندية الثقافية والترفيهية أو الاتجاه نحو أي تجمع ايجابي آخر، كما انها تساعد على انتشار عدد من العادات غير اللائقة بمجتمعنا المحافظ، فقد برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة ارتياد الفتيات للمقاهي دون خجل، وكأن الأمر عادي جدا دون ان يضعن في عين الاعتبار ان ذلك يعد من الأمور والتصرفات غير الحضارية التي لا يتقبلها ابن البلد، والحقيقة انني استغرب للسبب في هذا الانتشار غير المحسوب للمقاهي، فأعدادها في تزايد مستمر ولا تكاد تخلو منها منطقة سكنية، كما ان الزائر الى دولتنا حين يرى هذا الكم الهائل من المقاهي وجلوس هذه الأعداد من الشباب والشابات عليها سيتصور ان هذا يعد من الأمور العادية، كما انه سيأخذ انطباعا عن شبابنا بأنهم غير مسئولين لدرجة انهم يقضون الساعات الطوال أمام الشيشة ويتطرقون لأحاديث سطحية.. لذا فإن الرقابة على هذه الأماكن يجب ان تكون بشكل كبير وصارم. عادة وافدة ويشاطره الرأي محمود قاسم الحمود (موظف) والذي يرى ان هنالك العديد من الظواهر السلبية التي برأيي تفد الى مجتمعنا والتي تحث الشباب على التقاعس عن أداء الأعمال الهادفة، ومن أبرز هذه المظاهر التي أصبحت ملفتة للنظر الجلوس على المقاهي والتعوّد على الشيشة، والأمر لا يقتصر على الشباب فحسب، بل نرى سيدات وفتيات يتجمعن في مثل تلك الأماكن دون وجود رقيب أو حتى في ظل وجود رجل معهم، وهكذا نرى ان الاختلاط في تلك الأمكنة أصبح سمة. وهنالك نقطة مهمة يجب التطرق اليها وهي ان المقاهي قد تعد سببا لانتشار بعض الأمراض أو التعود على بعض الأنماط السلوكية غير الحميدة، أبسطها التدخين، فأغلب رواد المقاهي هم من المدخنين، وبالتالي فإنه حتى لو عُثِرَ على فرد لا يدخن فإنه لابد وان يستنشق الدخان الضار من غيره، وهذا ما يسمى بـ «التدخين السلبي» الذي تعد أضراره الصحية كبيرة جدا، أما عن جلوس النساء في المقاهي فيعد خطأ كبيرا وهو نتاج التأثر بالمجتمعات الغربية التي لا تهدف الا للرجوع بنا الى الوراء، لذا فإن من الضروري جدا التنبيه على هذه النقطة المهمة. آثار سلبية ومن جهتها تقول سمية الجريسي من الوحدة الشاملة لرعاية الأحداث التابعة لوزارة العمل والشئون الاجتماعية بالدولة: لاشك ان الطفرة الهائلة التي شهدتها البلاد في الحقبة الأخيرة نتيجة لاكتشاف النفط استحدثت نظما جديدة وجلب عمالة من مختلف الجنسيات والتي أدت الى ظهور وانتشار بعض العادات السلبية في المجتمع الاماراتي الذي كان في الماضي مجتمع البداوة الطبيعي الذي تحكمه عادات قبلية وتقاليد صارمة، ولقد اهتزت هذه المفاهيم من جذورها وأصبح المجتمع مستوردا لمعظم حاجاته نتيجة لوفرة المادة وسهولة الحصول عليها، واستغل بعض الوافدين، لاسيما الذين لا يجدون عملا منظما حكوميا فلجأوا الى عمل مقاه في الشوارع الرئيسية أسفل بعض البنايات، ومما يؤسف له ان انتشار هذه المقاهي لاقى اقبالا من قطاع الشباب وكبار السن الذين يقضون وقتا كبيرا داخل المقاهي بحجة قتل الوقت والاستمتاع ـ على حد تعبيرهم ـ بتدخين الشيشة وغيرها من المكيفات والمشروبات، وقد أدى انتشار المقاهي في بعض الامارات الى حدوث آثار سلبية من الناحية الاجتماعية والصحية والبيئية. وتضيف: فمن الناحية الاجتماعية توجد مشاكل أسرية نتيجة غياب الأب خارج المنزل وعدم متابعة الابناء وتأخر بعض الأبناء دراسيا لعدم انتظامهم في المدرسة وقضاء الوقت في المقاهي وانتشار بعض العادات السيئة نتيجة مخالطة رفاق السوء من مرتادي المقاهي. أما من الناحية الصحية، فلا تخفى علينا مضار التدخين والشيشة وتأثيرها السلبي على جميع أجهزة الجسم بدءا من الفم، حيث تنبعث منه رائحة غير مقبولة والتهاب اللثة وتغيّر لون الأسنان وجفاف الحلق والحنجرة والتهاب المعدة، واحيانا يؤدي الى الاصابة بقرحة في المعدة والاثنى عشر، وكذلك له تأثير سلبي على الجهاز التنفسي، حيث يؤدي الى الاصابة بالنزلات الشعبية الحادة والمزمنة واحيانا يؤدي الى الاصابة بسرطان الرئة وله تأثير على القلب والأوعية الدموية حيث ان نسبة من المدخنين قابلون للاصابة بأزمة قلبية مفاجئة دون مقدمات، أما فيما يتعلق بالآثار البيئية فإنها تنطلق من زيادة نسبة التلوث في الجو وانبعاث وانتشار روائح غير مقبولة في أماكن تواجدها مما يؤثر صحيا على الأفراد من غير مرتادي المقاهي. رقابة صارمة وعقب ذلك توجهنا الى المسئولين في الدائرة الاقتصادية بدبي، حيث يقول محمد هلال المروشدي مدير ادارة الرقابة التجارية: إن انتشار المقاهي يعتمد في الأساس على سياسة العرض والطلب، مع الأخذ بعين الاعتبار عدة أمور وضوابط، فحين تُمنح الرخصة التجارية نهتم بأن تتم مزاولة المهنة المطلوبة ولا نخالف قانون مزاولة النشاط بأي شكل من الأشكال. وحول طبيعة المخالفات يقول المروشدي: إنها تعتمد على عدم تقديم الشيشة لمن هم أقل من 18 سنة، أو تجاوز المساحة الخارجية المسموح لهم بها أو الازعاج، خاصة لو كان المقهى في منطقة سكنية، حيث ان من أولوياتنا عدم التسبب في ازعاج السكان بأية طريقة، ولتحقيق ذلك نأخذ شكاوى الجمهور بعين الاعتبار ونقوم بطلب صاحب المقهى لعرض الأمر عليه، حيث توقع عليه عقوبات عدة، واذا لم يلتزم بالتحذيرات، قد يتطور الأمر الى اغلاق المقهى في حال تكرار المخالفة وعدم الانصياع للدائرة، مضيفا وجود رقابة صارمة على المقاهي في كافة مناطق امارة دبي، حيث يوجد مراقبون يقتصر عملهم على المراقبة الليلية وتسجيل المخالفات، ومن هنا ننوه للجمهور بضرورة الابلاغ ضد أي مقهى يلاحظ مخالفته بأي شكل. وفي المقابل، يؤكد خالد شريف العوضي مدير ادارة رقابة الأغذية ببلدية دبي ان هناك شروطا وضوابط لعمل المقاهي، حيث يوجد عدد من الاشتراطات الصحية التي يجب الالتزام بها كأن يكون هناك فصل تام بين أماكن بيع وتحضير الوجبات ومكان غسل الشيشة، كما نشترط ان تكون الجمرة المستخدمة في الشيشة في مكان بعيد وآمن وتتوفر فيه اشتراطات السلامة، منوها الى ان الانتشار الكبير لمقاهي الشيشة تشكل ظاهرة سلبية، لذا فقد وضعت اشتراطات معينة تقنن آلية العمل بها وأماكن تواجدها. رابعة الزرعوني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات