العبقري حسن فتحي ربط التراث الشعبي بالمعمار الهندسي العلمي

ظل حسن فتحي (1900 ـ 1990) المعماري العبقري الفذ مؤرقا طوال حياته بمعضلة أشبه بمعضلات القديسين والثوار العظماء وهي : توفير المسكن الصحي والرخيص والجميل لأفقر الفقراء من المصريين وربما لفقراء العالم أجمع. وقد أبدع حسن فتحي طريقة ومنهجا معماريا يمكن الفقراء من أن يكون لهم بيوت متينة وواسعة وجميلة وهذا باستخدام أبسط المواد المتاحة في البيئة المحلية وتبعا للتراث الشعبي المحلي للعمارة في هذه البيئة وقد توصل لذلك بالربط الخلاق المبدع بين تراث المعمار الشعبي والمعمار الهندسي العلمي وقد أثبت حسن فتحي صحة نظرياته وواقعيتها حينما بني الكثير من البيوت والقرى في مصر وغيرها من بلدان العالم التي بهرت كل من رآها بمتانتها وجمالها ومع هذه المهمة الجليلة التي كانت من المفترض أن يقوم بتشجيعها كل من يصادفها انقلبت الموازين وصار حسن فتحي ممن يعادون بضراوة تجارب الفقراء من المقاولين الإنتهازيين وسماسرة الأسمنت ومواد البناء بل وحتى من المعماريين الأكاديميين الذين تجاهلوا أفكاره ومنعوا تدريسها في أقسام العمارة بالجامعات المصرية. وهكذا مات حسن فتحي مكمودا مغموما دونما أن يحقق شيئا مما حلم به للإنسان المصري خصوصا الفقير. وفي أبريل من العام الماضي أعلنت الجامعة الأمريكية عن معرض تذكاري لمختارات خاصة من أرشيف حسن فتحي وبرغم التنسيق الذي كان عليه المعرض والأبهة التي أحاطت به والدقة والعناية الفائقة في عرض رسوم وكتب أرشيف حسن فتحي كان التساؤل الملح والبديهي لماذا ترك هذا الأرشيف الهائل الذي يحوي كل فكر حسن فتحي مترجما في محاضرات وأبحاث وكتب ورسوم ومخططات معمارية يذهب إلى الجامعة الأمريكية وهي هيئة غير مصرية وذات طبيعة نخبوية؟ وكيف ترك هذا الأرشيف الذي يعد تراثا قوميا يذهب لهيئة غير قومية ألم تكن هناك أي هيئة قومية سواء كانت تابعة لوزارة الثقافة أو لأحدى الجامعات المصرية أو جمعية المهندسين المصرية أو جمعية المعماريين المصريين لتحفظ هذا الأرشيف حتى يكون متاحا للدرس على المستوى القومي وللأجيال القادمة من المعماريين لتأمل هذه العمارة الفريدة والتتلمذ عليها للنهوض بها وتطبيقها في الواقع في يوم من الأيام. فيم كان التفريط من أسرة حسن فتحي أم في مؤسسات وهيئات الدولة؟ تقول سعاد حمدي ابنة أخت حسن فتحي والتي كانت تشرف على بعض أعمال خالها في نهاية حياته: الآن يتم السؤال والتساؤل عن حسن فتحي وأرشيف حسن فتحي، ولمن يعتقد أننا لم نتصل بوزارة الثقافة أو الجامعات المصرية لحفظ أرشيف حسن فتحي نقول لقد سعينا منذ أن مات في عام (90) بكل جهدنا لوزارة الثقافة حتى توافق أن تقيم متحفا لحسن فتحي في البيت الذي كان يسكنه في درب اللبانة بالقلعة. وليكون هذا المتحف حافظا لتراثه وأرشيفه ويتمكن جميع الدارسين والباحثين في العمارة من الإطلاع على هذا الأرشيف والاستفادة منه خاصة أنه أرشيف مهول يتجاوز ما فيه من أوراق ورسومات معمارية 40 ألف ورقة هذا بالإضافة إلى مكتبته الخاصة التي تحتوي على الكثير من مؤلفات حسن فتحي أو ما كتب عنه غير الكتب التي تتناول العمارة بشكل عام هذا بالإضافة إلى الصور الفوتوغرافية واللوحات الزيتية والشرائح المصورة. ولكننا لم نلق آذاناً صاغية. وتقول د. نوال حسن من أسرة حسن فتحي وكانت مديرة لأعماله لفترة طويلة كانت هناك عروض كثيرة لنقل الأرشيف خارج مصر كانت هناك عروض من معهد روما للعمارة بل اقترحوا اقامة مركز تعليمي لعمارة حسن فتحي ، وكانت لدينا عروض من مركز جورج بومبيد ولكن الاسرة أصرت أن يبقي أرشيف حسن فتحي في مصر لأن حسن فتحي لم يكن مجرد مهندس معماري بل كان مفكرا وفليسوفا إنسانيا وما تركه من أوراق فيه قيمة عالية جدا لأنها تحتوي على أفكاره التي دونها على شكل كتب ومحاضرات ومخططات ، ومذكرات وأعمال إبداعية مختلفة والجامعة الأمريكية حاليا تعد من هذه الأوراق عدة كتب لنشر أفكاره وفلسفته. ويقول فليب كروم مدير مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة التابعة للجامعة الأمريكية أن أرشيف حسن فتحي آل إلى المكتبة عن طريق تبرع الأسرة بحقوق حفظ الأرشيف للجامعة وقد بدأنا العمل الفعلي في الأرشيف من سنة 97 وبتمويل من شركة الجاتي جراند وهي شركة بترول عالمية وقد وصل التمويل الذي تبرعت به لصالح الأرشيف إلى 87 ألف دولار استنفدت جميعها في أعمال حفظ الأرشيف ، وأضيف إليها مبالغ أخرى وهناك هيئة عامة تشرف على تنسيق وحفظ الأرشيف تضم أعضاء من أسرة حسن فتحي ومهندسين معماريين مثل د. عبد الحليم إبراهيم م. سيد حامد. مشيرا الى انه مسموح لكل الهيئات والدارسين الإطلاع والنسخ من الأرشيف والاستفادة الكاملة منه متى أرادوا ذلك. ويقول المهندس أحمد وهبي أحد العاملين بوحدة أرشيف حسن فتحي بالمكتبة أننا نقوم بحفظ وتنسيق محتويات أرشيف حسن فتحي وفقا لأحدث تكنولوجيا لحفظ الأوراق والكتب في العالم أن كل ما يخص أدوات هذا الحفظ لابد من استيرادها من أمريكا نظرا لجودتها الفائقة وعدم وجود نظير لها بنفس الجودة في السوق المصرية، وعن محتويات الأرشيف يقول أنه تم تقسيم أرشيف حسن فتحي إلى أربع مجموعات رئيسية المجموعة الأولى تضم الأوراق والرسومات وهي التي تشمل 3600 لوحة رسم معماري والمجموعة الثانية وتشمل الدوريات المعمارية والمجموعة الثالثة وتشمل الكتب وعددها 1900 كتاب تتنوع بين العمارة والآداب والشعر والفلسفة والاجتماع والموسيقي والمجموعة الرابعة وهي تشمل اسطوانات الموسيقى وبعض اثاث وعاديات كان يحتفظ بها حسن فتحي. القاهرة ـ محمد عبدالحميد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات