وداعاً روزالي

بيان الكتب: دون تمهيد وبعيدا عن الخرافات وانشائية الوصف، يضعنا حسونة المصباحي في داخل اللعبة الروائية منذ الجملة الاولى في كتابه «وداعا روزالي» الصادر حديثا عن دار الجمل. «عندما كنت اقطع الجسر تحت وابل من المطر تذكرتها، وقلت لابد ان افر اليها ثانية..» وهذه الجملة تقود الى تداعيات غير مخطط لها تكشف عن قصدية الكاتب في تناول اليومي والمباشر من الحياة العامة التي يعيشها المغتربون في المهاجر، انهم صورة عن حالته المتهدمة المنهارة وهو يفتح صفحات الذكريات: «هم انفسهم المقصيون المبعدون المنفيون كرها او طواعية، هم امثالي، كعاداتهم صامتون كئيبون يتفحصون بعضهم بعضا بشيء من الارتياب». رواد المقهى هؤلاء سيكونون المفتاح للدخول الى عالم الرواية وحياتهم بغرائبيتها الاليفة ستصبح جسرا الى سلسلة التداعيات المؤسسة لحياة الراوي، بدءا من ولادته في مدينة «ق» ومعاشه فيها، وهجرته عن وطنه غير آسف بحثا عن الحرية «وطن لو كان بوسع حاكمه ان يحرم الناس من الهواء لفعل ذلك بأقصى سرعة لأن امنيته الوحيدة هي ان يحكم بلدا خاليا الا منه ومن مقابر ضحاياه». يبني حسونة المصباحي احداثه على وقائع التداعي غير المبرمج، فيطلق العنان لخياله ليحرث في الذكريات بحثا عن حدث يحمل المتن الحكائي ويغوص في الاحلام هربا من واقع معاش، او حماية للنفس الانسانية المرهفة خوفا عليها من التصدع، انه يستغرب وهو يرى امرأة تبتسم له، لأنه اعتاد المرارة والخيبة وانكسار الروح. «ولكن لم تبتسم لي، انا الغريب المثقل بالاحزان المكسور الجناحين الذليل الروح المنسي وسط الثلوج؟» وعندما يفشل في الحديث معها يعود الى الذكريات التي يجد فيها ملجأ امينا يتوكأ عليه ويستمد منه القوة ليواجه الضعف البشري المنخور بفعل الغربة والشتات، وستكون القرية التي عاش فيها الرحم الامومي الاول الذي يحضنه ويدرأ عنه الاذى النفسي والجسدي، لا بل انه يلتذ ويستمتع وهو يتحدث عن فشله مع صفية زوجة صاحب المقهى في القرية، بينما يتألم وتنكسر روحه وهو يحكي قصة فشله مع الهولندية «التي نظرت اليه باسمة ثم غابت في البياض». وإذ ذاك لا ينسى المصباحي ان يرضي عين الاستشراق فيقص حكايات غرائبية عن الشرق، كالجد الفارس المغوار المزواج الذي تزوج في السبعين من امرأة سادسة وأنجب منها، وحديثه عن نفسه الراوي وولادته تحت خيمة وسفره على ظهور الابل عبر الصحراء وذبح صفية، وانتحار اخرى لأن والدها منعها من اتمام تعليمها.. الخ. بعد فشل متناوب ومتصل، يستقر الراوي في المدينة البيضاء، مدينة روزالي القابعة على المتوسط، وروزالي هذه تمتلك بنسيونا يقع في شارع قرطبة، ينزل الراوي في احدى غرفه، ومن النافذة يستطيع رؤية البحر والبواخر الرائحة الى الاندلس او العائدة منها. وعندما يرى روزالي يتذكر اميرات قصور غرناطة وهن يسبحن في حمامات من العطور او يغنين في الجنان وأرجلهن الصغيرة العارية في مياه السواقي الباردة. ... في الطريق الى مدينة روزالي يمر الكاتب، عبر تيار التداعي، على تقاليد الشرق وعاداته فيمتزج بالاسطورة والخرافة، بالتعاويذ والرقى، ويتداخل التاريخ بالواقع والوهم والخيال، تتلاشى الصور وتنزاح عن اماكنها لتظهر الصورة الحقيقية لما هو كامن ومستور، وخلال ذلك تقدم الينا حيوات الآخرين منظورة بعيون المراهق الذي يكون نفسه وثقافته في المدينة التي عاش فيها يفاعته. وفي الطريق الى المدينة سنتعرف على المهاجرين الذين يعيشون في بلدان غربتهم وهم مستعدون لتحمل كل شيء، البرد، العتمة الدائمة، السكن في احياء القصدير وفي الاقبية المظلمة وغرف الاسطحة الضيقة، العمل في اقسى الظروف والاهانات اليومية... وبالرغم من ان الشرق طردهم شر طردة فإنهم يزدادون يوما بعد آخر انشدادا اليه وتعلقا به وبتقاليده ونمط حياته البائسة، كما يصورها الكاتب، وفي بلدان غربتهم يبذلون كل ما في وسعهم لكي يكون حاضراً في حياتهم بألوانه وأزيائه وروائحه ومأكولاته وغباره وكسله وفوضاه ورتابته وثقافته وتزمته وشعوذاته وخرافاته وتخلفه، وفي الليالي الشمالية الباردة ترتفع الأصوات حزينة لتردد أغاني الحنين إلى الوطن وسط الدموع والآهات. أثناء عملية البحث عن روزالي يأخذ الراوي مكان شهرزاد فيمتعنا برواية القصص والحكايات وينتقل بنا عبر المدن والعواصم، في الشرق والغرب، ويعرفنا على بشر وطباع وطبائع يمر على التاريخ فيمتح من صفحاته ما يخدم موضوعه، وينتشل من الذكريات ما يشوّق للوصول إلى هدفه لكنه يظل كائناً لا شرقياً ولا غربياً، فررت من الشرق فرفضني الغرب فمكثت في الفراغ أنتظر ساعة الخلاص التي تأبى ان تأتي أو بالأحرى أنا الشرقي أردت ان أتملص من الشرق لأتطبع بطبائع الغرب فخسرت الاثنين معاً، ولم يبق له وهو يطل على هاوية الخمسين، أي رصيد سوى خيباته وانكساراته وفشله، بعد ان كان يعتقد ان حياته ستأخذ منعرجاً جديداً لها في الغرب وبأنه سيحقق كل طموحاته. عندما يصل إلى البنسيون الذي كانت تملكه روزالي يجد مكانه عمارة ضخمة مرتفعة مشوهة، ولدى السؤال عن روزالي، لن يتعرف عليها أحد، فلم تكن إلا وهماً صنعه خيال مريض، لكنه لا يقتنع بذلك ويظل يؤكد على وجودها ويعتقد ان مؤامرة تحاك ضده وتظل روزالي امرأة محاطة بالأسرار والغموض، ويكتشف القارئ بأنها لم تكن غير جسر تعبر عليه تجربة الراوي ومغامراته وتنقلاته ما بين الشرق والغرب، يؤيده في ذلك ثقافة واسعة ومعرفة وخبرة ودراية بفن القص والرواية، وما بين ذلك وذاك تتبدى علاقات الشرق التي تقوم على الكذب والنفاق والرياء السياسي والعنف والقسوة والبطش، فلا شيء يبشر بالخير فيه، كما يقول الراوي، وربما لم يبغ الكاتب من كتابته للرواية إلا تثبيت هذه الأفكار. تدور أحداث الرواية «وداعاً يا روزالي» في ثلاث مدن: مدينة «قاف» التي قد تكون مدينة القيروان ومدينة الغربة، التي قد تكون مدينة ميونيخ، ومدينة روزالي التي قد تكون مدينة طنجة، وفيها سيرة شخص اختار الحياة في المنفى بهدف تحقيق ذاته، لكن الفشل صار رفيق دربه، فتحوّلت حياته إلى كابوس مرعب، فإذا به معلق بين الشرق الذي طرده والغرب الذي رفضه، وهو يحلم بلقاء امرأة، كان قد تعرّف عليها قبل سنوات خمس، معتقداً، بأنها الوحيدة القادرة على ان تعيد إليه توازنه.. لكن هذا الحلم يظل بعيداً كالسراب. فيصل خرتش

طباعة Email
تعليقات

تعليقات