العلم الحديث.. الطريق الى الله

بيان الجمعة: مما لاشك فيه أن السباحة في رحاب الكون الفسيح تدعونا الى معرفة الله حق المعرفة، وتنزيهه حق التنزيه، وعبادته حق العبادة.. فهي تثبت عظمة الخالق ممثلة في جمال مخلوقاته وبدائع صنعه.. من أصغر ذرة الى أعظم جرم.. ومن أدق زهرة الى أضخم شجرة.. ومن أضيق جدول رقراق الى المحيط الهادر!! إن وصول الانسان الى كل هذا العلم يجعله يدرك الحقيقة العظمى ألا وهي وجود الله سبحانه وتعالى.. وصدق الله العظيم الذي يقول في سورة فصلت:«سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق». حول هذا الموضوع الشيق يقدم لنا الدكتور منصور حسب النبي كتابه المهم:«العلم الحديث.. الطريق الى الله» الذي يحتوي على خمسة فصول ويقع في 172 صفحة. وسائل الراحة تحت عنوان «ظاهرة العناية الالهية» يؤكد المؤلف في الفصل الأول أن كل نعمة وراءها منعم.. فوصف دواء لمريض نعمة وراءها طبيب.. وتأمين طعام لجائع نعمة وراءها مطعم.. ورعاية الطفل حتى يكبر ويستغني نعمة وراءها أب وأم.. ووجود بيت فيه كل وسائل الراحة نعمة وراءها ناس عملوا وشيدوا وناس أنفقوا وخططوا.. وهكذا نجد أن المعطيات المصطنعة للانسان كلها وراءها مباشرة من أعطى وأعتنى. ويتساءل المؤلف: أترى هذه المعطيات الكثيرة في الكون والتي ليست من صنع الله للانسان.. أليس وراءها يد؟.. ويجيب المؤلف على تساؤله: بلى وإلا كان الكلام تعطيلا للعقل. هذا الانسان الصغير هو اكمل مخلوقات هذا الكون.. ودراسة كاملة لهذا الكون تدلنا على أنه: سماواته وأرضه وحيواناته ونباتاته كلها مسخرة للانسان لا يشذ عن هذا ذرة من ذراته. فالنباتات قديمها وحديثها يستفيد منها الانسان مباشرة أو بطريق غير مباشر.. ثمرها لغذائه.. وساقها لبناء مسكنه ولأثاث بيته.. وزهرها للنحل الذي يأكل منه الانسان العسل.. وقد تكون غذاء للشاه التي يأكل لحمها.. ويشرب لبنها.. ويستعمل صوفها لثيابه.. ويستخرج منها الدواء.. ويصنع منها الآلات.. ولا ننسى أن البترول منها.. كما قال الله تعالى في سورة يس:«الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون». وهذه الأحياء - ما علمنا منها وما لم نعلم - أليست كلها للإنسان يستفيد منها بطريق مباشر وغير مباشر: ركوبا وطعاما ومتعة نظر.. وقد نرى أصنافا من الأحياء لا نعرف الآن ماذا يستفيد منها الانسان وكيف يستفيد.. وقد يعرف في المستقبل. إلهام رباني وفي الفصل الثاني يتحدث المؤلف عن «ظاهرة الهداية الالهية» موضحا أننا عندما نتأمل الكون نجد فيه هداية الهية كاملة من الذرة الى المجرة.. ومن خلية الأميبا الى خلايا كل حيوان أو نبات أو إنسان.. ومن أبسط أشكال الكون الى أعقد مظاهره.. ومن أبسط عناصره الى أعقد مكوناته المادية.. ومن الطاقة ما ظهر منها وما بطن.. ومن النور المرئي وغير المرئي.. ولن نستطيع حصر مظاهر الهداية في كل شئ والتي أعطاها الله لمخلوقاته في قوله تعالى في سورة طه:«قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى» تلك كلمة القرآن وهي كذلك كلمة العقل وهي كذلك كلمة العلم. إن آيات الله الدالة عليه واضحة جدا في كل شئ.. ولكن الاهتداء الى هذا الالهام الرباني يحتاج الى أخلاق الانسان كما في قوله تعالى في سورة الأعراف:«سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنون بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين». وربما يجد الكافر في ظاهرة الهداية تلك عذرا لكفره ويقول من باب الجدل أنه لم يؤمن لأن الله لم يهده للايمان.. نقول: إن المرجع في كل شئ إرادة الله.. ولكن ليس في ذلك عذر المعتذر أو متعلل أو كافي أو متهرب من المسئولية بعد أن أعطاه الله حرية الاختيار كما في قوله تعالى في سورة التكوير واصفا القرآن:«إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين». بداهة الشعور وفي الفصل الثالث يناقش المؤلف ظاهرة الجمال والابداع مبينا أن التناسق الذي نراه في كل مخلوق.. انسجام الأعضاء بعضها مع بعض.. انسجام اللون مع الأعضاء.. جعل كل شئ في محله.. كل ذلك أبداع يشير الى مبدع.. يقول الله تعالى في سورة السجدة:«الذي أحسن كل شيء خلقه».. ويقول في سورة البقرة:«بديع السموات والأرض» ويقول في سور فاطر: «ذالكم الله ربكم له الملك». إن هذا الابداع من أجلنا جميعا.. يقول سبحانه في سورة لقمان «ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة».. ويقول تعالى أيضا في صورة ابراهيم «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها». إن هذا الابداع من أجلنا جميعا حتى نعرف ربنا بأسمائه كلها.. ونشكره جل جلاله.. ونعبده بحب وعشق.. ولذلك جعل فينا الاحساس بالابداع وحب الجمال.. فكان ذلك من أروع الابداع لو تدبر الانسان وتأمل في آيات الله في الكون وتعرف على الخالق بديع السموات والأرض. لقد أعطى الله الانسان قوة الفكر والتصور وبداهة الشعور.. فصار يتذوق الجمال ويسرح بخياله من البداية الى النهاية.. ويتذكر بسرعة البرق آلافا من لوحات الوجود.. ويخترق بخياله حجب السموات والأرض.. مع الادراك الذي يجعله يتفاعل مع كل شئ.. فيهوى ويمل ويبغض.. ويصمم تارة للبناء وتارة للهدم.. فيجعل الحياة فنا والمعنى جهازا؟.. إن في ذلك كله ابداعا سواء في ذلك باطن الانسان أو ظاهره.. أو ما يحيد به.. وقد يرسم الرسام صورة الجميل فيبدع.. وصورة القبيح فيبدع.. وفي كلتا الحالتين يبقى الابداع ابداعا وفي كلتيهما يكون محسنا.. وفي الكون جميل وأجمل وقبيح وأقبح.. ولكن في ذلك كله ابداع لتعدد الصور.. فلا يفوتنا جميعا أن نرى الابداع ولا نرى المبدع. صدفة عمياء وفي الفصل الرابع يتوقف المؤلف عند ظاهرة الارادة الالهية مؤكدا أن الكون كله وما فيه من أحكام قائم على العلم والارادة والقدرة الالهية.. فالصدفة العمياء أو الطبيعة العمياء لا تفسر وجود الكون.. بل إن العلم يعجز عن ادراك حقائق الأشياء.. فاعترف أخيرا بالغيبيات.. وبهذا فإن نشوة علماء الالحاد المادي لم تدم طويلا لأن القرن العشرين أقام جسرا بين العلم والدين رغم وجود الملحدين. وصدق الله تعالى في قوله في سورة عبس:«قتل الانسان ما أكفره» وفي قوله في سورة يس:«أولم ير الانسان إنا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيم مبين». لقد آن الأوان في عصر العلم أن يرفع الانسان رأسه عن بئر الصدفة أو الطبيعة وينظر الى صانع الكون الذي بنى هذا الصرح العظيم ووضع أمام أعيننا في كل ذرة منه قانون تشييده ودستور ايجاده. إن الطبيعة صنعة لا صانع.. ونقش لا ناقش.. وحكم لا حاكم.. ومخلوق لا خالق.. ومفعول لا فاعل.. وكل الظواهر التي نراها في هذه الطبيعة أو في هذا الكون تدل على أربع صفات وجودية للخالق وهي: العلم والارادة والقدرة والحياة. مستوى رفيع وفي الفصل الخامس يستعرض المؤلف ظاهرة الحكمة الالهية مشيرا الى أن الكون كلما تكشف أكثر دل على الله أكثر.. وظاهرة الحكمة خير شاهد على ذلك.. فالانسان العادي يرى أن في الكون حكمة فيتعرف بها على الله الحكيم.. وكلما ازداد علما ازدادت معرفته بهذه الحكمة.. فما رأينا العلم إلا كاشفا للحكمة.. ولهذا يأمرنا الله سبحانه وتعالى بالنظر في ملكوت السموات والأرض كما في قوله عز وجل في سورة يونس:«قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون».. وقوله سبحانه في سورة الأعراف:«أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون». وقوله عز وجل في سورة يوسف:«وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون». إن الله تعالى لا يقبل من المسلم إلا أن يرى في كل شئ آية تدل عليه سبحانه اعتقادا وتؤكد وجوده استشعارا.. وما لم يصل المسلم الى هذا المستوى الرفيع فإنه بحاجة الى يقظة أكثر.. فحكمة الله ظاهرة وليست خافية.. وإن قلبا لم ير آثار الله في كل شئ لقلب أعمى كما في قوله تعالى في سورة الحج: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات