الجغرافية الجديدة

بيان الكتب: جويل كوتكين مؤلف هذا الكتاب هو زميل في معهد الدراسات السياسية العامة التابع لجامعة بيبردين. كما يقوم بالتدريس في معهد «ميكلن» يساهم جويل كوتكين بكتابة عمود بشكل منتظم في صحيفة «النيويورك تايمز» وله مساهماته ايضا في صحيفة «لوس انجلوس تايم». المعروف عن مؤلف هذا الكتاب هو انه احد المنظرين المعروفين في ميدان الاقتصاد الجديد، اي الاقتصاد الليبرالي السائد في ظل العولمة واقتصاد السوق، وللمؤلف العديد من الاعمال منها «القبائل: دور العرق والدين والهوية في ولوج الاقتصاد العالمي الجديد» و«القرن الثالث: انبعاث امريكا في المنطقة الآسيوية» و«الوادي». «الجغرافيا الجديدة» هو في جوهره دراسة لما احدثه عالم التكنولوجيا الجديدة والاتصالات من تغييرات في طريقة تعامل البشر مع الوسط المادي ـ الفيزيائي ـ المحيط بهم. ان وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، وخاصة ثورة الديجيتال وما ترتب عليها من منجزات على صعيد الحياة اليومية للناس اعادت بصورة جذرية صياغة حياة الامريكيين ونمط عملهم. ان الهاتف النقال وسهولة الانتقال بين مختلف مناطق العالم، والكم الكبير من الخدمات الاخرى امور لابد وان تجعل الوسط الجغرافي الذي نعيش فيه اكثر يسراً في التواصل بين البشر، هذه هي على الاقل الفكرة الشائعة المقبولة بشكل عام، لكن مؤلف هذا الكتاب يفتح هنا قوسين ليؤكد بأن الجغرافيا لم تفقد اي شيء من اهميتها في عصر الديجيتال، بل انها على العكس تكتسي الآن اهمية لم تعرفها من قبل، ذلك ان المدن لن تعود مجرد مراكز صناعية وانما بالاحرى ستكون بمثابة «قطب جذب» للامكانيات والمواهب عبر سبل اخرى. وبمعنى ما يرى المؤلف بأن المدينة ما بعد الصناعية، التي كانت قد ازدهرت، عبر انتاج السلع والخدمات وعبر تشجيع بعض النشاطات الثقافية والفنية وايضا عبر جعل مبدأ الانتاج يقوم على اساس الاختصاص والمهن قد لا تشهد نفس الدرجة من الازدهار في الحقبة الجديدة، ان تعبير «ما بعد الصناعية» يشير الى مرحلة ما بعد الرأسمالية بالمعنى الاقتصادي للكلمة. ان المؤلف يركز دراسته على تأثير «الاقتصاد الجديد» اقتصاد العولمة، على المجتمع الامريكي حيث برز العديد من المراكز الجغرافية الكبرى في ظل خلق مئات الآلاف من الاعمال الجديدة المرتبطة بدورة الاقتصاد التي ترتبت على ثورة المعلوماتية التي لم تصبح جزءاً متكاملاً مع الحياة الامريكية وانما بدأت مسيرة تحولها الى ظاهرة شاملة كونية، هذا وتدل الاحصائيات المقدمة في هذا الكتاب الى انه يوجد الآن اكثر من 400 مليون شخص في العالم يتعاملون مع شبكة الانترنت وحيث ان الثلثين منهم عامة هم من الامريكيين واعتباراً من عام 2005 سوف يتضاعف هذا الرقم وسيكون ثلاثة ارباع المشتركين في شبكة الانترنت من قارات اخرى غير القارة الامريكية، ان عدد الانترنوت ـ اي مستخدمي الانترنت ـ في آسيا سوف يفوق عددهم في افق 2005 في الولايات المتحدة الامريكية كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب. وهذا يعني بأن جغرافية الاقتصاد الجديد لاتتضيق وتتضاءل وانما تتوسع وتتعاظم.. ان المؤلف يرى في هذا الواقع اول سمات القرن الحادي والعشرين.. ويقوم في هذا الاطار بمقارنة الفترة الراهنة بالفترة التي اعقبت الثورة الصناعية الاولى، اي تلك التي شهدت اختراع المحرك الانفجاري والآلة البخارية والكهرباء.. الخ، وما ترتب عليها من صناعة القطارات والسيارات والطائرات وغيرها من وسائل الاتصال الأخرى، واذا كانت التكنولوجيات السابقة قد انتشرت وعمت خارج حدود جغرافية المنطقة التي انتجتها فإن الامر سيكون مشابها بالنسبة للتكنولوجيات الجديدة لكن بالمقابل لابد لانتشار هذه التكنولوجيات من ان يؤدي الى زوال بعض الشركات القديمة لان الاقتصاد الجديد يفرض قواعد عمل غير تلك السائدة، ولعله يمكن اعتبار المصير الذي عرفته شركة انرون الامريكية احد المؤشرات على ذلك، كما يؤكد المؤلف في تحليلاته بأن من المتوقع ان تقلص عدة مؤسسات دولية كبرى من نشاطاتها ولو لفترة من الزمن كي تستطيع التأقلم: مع مستلزمات ثورة «الديجيتال» الجديدة وما يرافقها من اقتصاد المعلوماتية الذي يؤكد المؤلف بأن صعوده يستمر في اعادة تنظيم المشهد الجغرافي الامريكي، ذلك ان مفهوم علاقة العمل بالمعان قد تغير بشكل جذري في ظل شبكة الانترنت ففي الماضي كان من المطلوب حكماً التواجد في المكان عينه، بالنسبة للعاملين واماكن عملهم.. اما اليوم فإن الصورة قد اختلفت كثيراً بالنسبة لشرائح عديدة من العاملين مثل المهندسين والباحثين العلميين وغيرهم من« سادة الاقتصاد والجديد» و«عصر الانفورماتيك» واذا كان هناك في الماضي دلالات كبيرة من حيث العلاقة مع العمل للارياف والمدن الكبرى فإن التكنولوجيات الجديدة قد غيرت من معطيات هذه العلاقة، وضمن مثل هذا التحليل يرى المؤلف بأن مدنا امريكية سوف تحتفظ بدورها الكبير في ظل الاقتصاد الجديد ويقدم مثالا عليها سان فرنسيسكو بينما ان مدنا اخرى قد تفقد من اهميتها مثل دورثروا وبوفالو ثم ان بعض المدن الاخرى قد حققت درجة كبيرة من النجاح في التحول الى «التكنولوجيات الجديدة المتقدمة» مثل بوسطن هنا ايضا يقوم المؤلف بعملية مقارنة بين آليات ازدهار بعض المراكز في الفترة «ما بعد الصناعية» وبين الآليات التي ازدهرت بها بعض المراكز الصناعية «القديمة». وما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب هو التأكيد بأن عملية «توصيف عصر المعلوماتية» تتطلب بالضرورة اختراع قاموس جديد يتماشى مع التكنولوجيات المتقدمة السائدة هكذا يستخدم نفسه قاموسا جديداً لتوصيف تعريفاته المتعلقة بالجغرافية الجديدة مثل الحديث عن «المخزن ـ المدينة» هذا القاموس الجديد لابد وان يجد مكانه في افق المستقبل. ان التغييرات التي شهدها المجتمع الامريكي في عصر المعلوماتية لم تقتصر على المراكز المدينية فقط اذ ان الارياف قد عرفت هي الاخرى الكثير من التغير، ويؤكد المؤلف في هذا السياق بأن حركة «العودة» الى المراكز غير المدينية قد بدأت بشكل ملحوظ منذ مطلع عقد التسعينيات الماضي، وذلك مع قيام علاقة «جغرافية» جديدة مع مكان العمل، كما ان العديد من المدن الصغيرة والقرى ستجد لها وظائف لم تكن في برامجها خلال الحقبة السابقة، لاسيما وان المجموعات الريفية الامريكية، مثلها مثل المدن تتابع مسيرة تطورها وهي بصدد والبحث عن «تعبيرات جديدة».. هذا ما يفرضه بالضرورة عصر المعلوماتية ويؤكد المؤلف بأن مسيرة التطور الحالية ستطال مختلف الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية والجغرافية ايضا، وفي المحصلة لا بد ان ينتج عن عصر المعلوماتية سياسات ذات طابع شامل ـ عالمي ـ واقليمي في الوقت نفسه حسب تعبير المؤلف.. وما بين هذا البعد «العالمي» و«الاقليمي» يتحدث عما يسميه بـ «الجغرافية الجديدة» هذا مع التأكيد على ان الحقبة «ما بعد الصناعية» قد لا تؤدي الى ازدهار جميع المدن، لكن هذا لا يمثل مؤشراً سلبياً بحد ذاته، اذ انه من المفيد ثقافيا، بل ومن المطلوب ان تظل هناك نماذج عن «المدن القديمة» من الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. لكن المرحلة الحالية وكأية مرحلة انتقالية تشهد تنامي بعض الظواهر الناتجة بشكل رئيسي عن تجزئة، وتتمثل هذه الظواهر في المجتمع الامريكي بتنامي معدل الجرائم مع تضاؤل عدد المدارس في بعض الحالات، مثل حالة «سان فرناندو لافالية» في الوقت نفسه يبرز الآن تواجد بعض القرى الكبرى المستقلة التي تعاني من نسبة اقل بكثير من المشاكل التي يعاني منها قلب المدن الكبرى وهذه القرى بالتحديد تجذب اليها الشركات والعاملين في عالم «الثورة التكنولوجية» والامثلة البارزة على هذا تجدها في تكساس واوستن وكارولينا الشمالية. ان مؤلف هذا الكتاب يقدم في تحليلاته رؤية مستقبلية حول الآثار التي سيخلقها الاقتصاد الجديد على المحيط الذي نعيش فيه، ويرى بأن التكنولوجيا الجديدة ستشجع قيام نماذج جديدة من التجمعات البشرية اطلق عليها تسمية «زدستان» او «قرى كبرى» وهي تشكل نوعا من «علية المجتمع» بحيث انها تكون مستقلة وقائمة اساساً في الساحات القريبة عن المكاتب وتسكنها ايضا شرائح من التقنيين والريفيين الاغنياء والذين يعملون جميعا لحساب اصحاب المقاولات الكبرى في وادي السيليكون. الفكرة الاساسية التي تلفت الانتباه في هذا الكتاب قد تكون في الحاح مؤلف على القول بأن «ثورة الديجيتال» ستكون ذات آثار ممتازة بالنسبة للبعض ولكن ليس بالنسبة لجميع المدن ومن نقاط القوة ايضا في هذا الكتاب شرح مؤلفه للآليات التي خلقت فيها قوى اقتصادية هائلة نمطاً جديداً من التجمعات البشرية. وانطلاقاً من هذا يحاول رسم بعض ملامح المستقبل الذي سيشهده الامريكيون خلال العقود القليلة المقبلة. جغرافية جديدة: ومشهد جديد ينتظره الامريكيون.. والعالم في عصر الديجيتال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات