تركمانستان دولة الرجل الواحد.. فقيرة رغم غناها

بيان الجمعة: كانت تركمانستان من بين أهم دول اسيا الوسطى السبع، التي نالت استقلالها مع انهيار الاتحاد السوفييتي السابق قبل حوالي عشر سنوات. لكن وعلى الرغم من الامكانات الهائلة التي تتمتع بها وتشمل احتياطيات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي، فقد اخفق هذا البلد الصغير في الافلات من المستنقع الاقتصادي المتردي والسيطرة القاسية التي لاتزال تحمل الطابع السوفييتي. وكان الرئيس سبرمورات نيازوف يتولى رئاسة الحزب التركماني الشيوعي قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، والذي اصبح الان يحمل اسم الحزب الديمقراطي. وهو الحزب الوحيد المسموح به في تركمانستان اليوم. وتم احباط الخصوم السياسيين بالاعتقالات والمضايقات. والصحافة هناك تخضع لرقابة صارمة وشركة «تليكوم» المملوكة للدولة هي المزود الوحيد لخدمات الانترنت في البلاد، مما يسمح للحكومة بمراقبة البريد الالكتروني. ولم يواجه نيازوف أي معارضة في وصوله الى سدّة الرئاسة عام 1992 في الانتخابات الاولى التي أعقبت الاستقلال. وبعد ذلك اصدر برلمانه الشكلي مرسوماً يقضي بأن بإمكانه الاحتفاظ بمنصبه لفترة غير محدودة. ولا تبدو نزعة تبجيل الحاكم المطلق في أي من بلدان اسيا الوسطى المستقلة عن الاتحاد السوفييتي اكثر وضوحاً وافراطاً مما هي عليه في تركمانستان فالرئيس، الذي يحبذ ان يدعى تركمنباشي ـ اي زعيم التركمان ـ مع وضع صوره على كل شيء، ابتداء من العملة الورقية والمعدنية الى الفودكا المحلية. والمطار الرئيسي يحمل اسمه وكذلك احدى المدن المطلة على بحر قزوين. وفي العاصمة التركمانية، أشخباد، يدور تمثاله المطلي بالذهب على قمّة برج منجزاً دورة واحدة كل 24 ساعة. فمع بزوغ خيوط الفجر الاولى تكون ذراعاه الممدودتان متجهتين الى الجنوب الشرقي نحو افغانستان، وعند الظهيرة يكون وجهه شاخصاً باتجاه ايران، وفي الليل ترنو عيناه الى كازاخستان واوزبكستان. اتخذت تركمانستان مسلكاً حيادياً خلال فترة التوتر التي مرّت بها المنطقة، ولم يسمع بأن مقاتلين من طالبان او حلفائهم دخلوا اليها. وتسعى تركمانستان لمصادقة جاراتها، أملاً في تسويق مخزونها الكبير من الغاز الطبيعي، الذي ربما يكون خامس اكبر احتياطي في العالم، ومن البترول. وتتلقى ايران الغاز التركماني منذ عام 1992، يذهب معظمه الى اوكرانيا وبلدان اخرى مستقلة عن الاتحاد السوفييتي عبر انابيب روسية. لكن روسيا رفضت نقل الغاز التركماني الى بلدان العملة الصعبة، محتكرة السوق الاوروبية لنفسها. وكان هناك خطط لمد خط انابيب يعبر افغانستان الى باكستان، وينطوي على منافع محتملة عظيمة لتركمانستان وبلدان آسيا الوسطى الاخرى، لكن الخطة انهارت بعد الاحداث الأخيرة في افغانستان، وثمة حلم آخر بمد خط انابيب تحت بحر قزوين الى تركيا. وتجلب صادرات الطاقة في مجملها الى البلاد حوالي 600 مليون دولار سنوياً، وهو رقم لا يرتقي الى توقعات الرئيس عندما وعد بأن يجعل تركمانستان «كويت اسيا الوسطى»، وعندها ستحصل كل عائلة على سيارة مرسيدس فضلاً عن الخبز المجاني. عجز الموارد لكن العجز في الموارد المالية لم يمنع «تركمنباشي» من القيام بعملية تجميل جذرية لوجه العاصمة اشخباد، حيث ازال عشرات البيوت من وسط المدينة ليحصل على موقع رحب لبناء قصره الرخامي الضخم الجديد. وعلى أطراف المدينة، قام ببناء 30 فندقاً لا تكاد تحظى بزبون واحد، وبسبب هذا التفاخر والتبذير، راكمت الحكومة ديوناً خارجية وصلت 233 مليار دولار. في حين ان متوسط الدخل الشهري للمواطن العادي لا يتجاوز 30 دولاراً. والرجال المحظوظون الذين يملكون سيارات «فولجا» روسية قديمة وليس مرسيدس ـ يعملون كسائقي أجرة بعد انتهاء دوامهم النهاري لكي يكسبوا دخلاً اضافياً يعينهم على سد رمقهم. تتحدر اصول التركمان البدو التقليديين من قبائل تتحدث اللغة «التركية» هاجرت من منغوليا وسيبيريا في القرن الثامن. وخلال الحقبة السوفييتية، أصدرت موسكو مرسوماً يقضي بأن التركمان، مثل جيرانهم الاوزبك والطاجيك، يجب ان يستقروا في مزارع يعتنوا بزراعة القطن من اجل المصانع الروسية. وتم شق اقنية لجرّ مياه نهر امو داريا وانهار اخرى اصغر في الجمهورية التركمانية الى رقع كبيرة من صحراء قراقوم. وكانت العواقب وخيمة، ذلك ان اساليب الري غير الفعالة، لاسيما التسرب الحاصل من الاقنية، اوجدت مليوني فدان من المستنقعات الملحية عديمة النفع. ومع ذلك، فان قرابة نصف القوة العاملة في هذا البلد الذي يمتلك ثروات كامنة عظيمة لايزالون يسعون للحصول على خبز الكفاف من الزراعة وجمع القطن يدوياً، من دون ان يحققوا اية منافع تذكر من حكم الرجل الواحد، نيازوف الذي اختير ليكون رئيساً مدى الحياة وقيّماً على مقدرات شعب يبلغ تعداده 46 ملايين نسمة حلموا ذات يوم بأن الاستقلال سيحسن ظروف معيشتهم، ثم حلموا بعد ذلك بخبز مجاني وسيارة مرسيدس. علي محمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات