«زقاق المدق» أول طريق لمحفوظ نحو العالمية

ت + ت - الحجم الطبيعي

بيان الكتب: ولد نجيب محفوظ في حي قديم من أحياء القاهرة سنة 1911، وبدأ رحلته مع الكتابة وعمره 17 سنة. نشر أولى رواياته سنة 1939، وخلال رحلته الطويلة مع الكتابة نشر أكثر من 30 رواية وأكثر من 100 قصة قصيرة في 13 مجموعة قصصية، فضلا عن حوالي 200 مقالة. كل هذا جعل من نتاجه الأدبي مادة غنية للبحوث والدراسات المتنوعة صدرت على شكل كتب وأعداد متزايدة من دراسات الدكتوراه وعدد وافر من المقالات في المجلات الأدبية والاكاديمية وبعدة لغات. ومعظم روايات محفوظ أعيدت طباعتها عدة مرات، وأغلبها تحول إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية وأعمال مسرحية، فمن منا لم يشاهد خان الخليلي أو الحرافيش أو اللص والكلاب أو ثرثرة فوق النيل أو الثلاثية أو السراب أو السمان والخريف أو ميرامار وغيرها من سلسلة الروايات التي تحولت إلى أعمال فنية. حتى أصبح أي أصدار جديد لمحفوظ حدثا ثقافيا كبيرا. ويقسّم الدارسون المراحل التي تطور خلالها أدب محفوظ إلى أربع مراحل، المرحلة الأولى تبدا سنة 1939 وتنتهي 1944 وتضم 3 روايات عن تاريخ مصر القديمة، وهي عبث الأقدار، وكفاح طيبة، ورادوبيس. والمرحلة الثانية تبدأ سنة 1945 وتضم 6 عناوين نصفها ترجم إلى اللغة الانجليزية والأعمال المترجمة هي بداية ونهاية، بين القصرين «احد أجزاء الثلاثية»، وزقاق المدق. وتوقف محفوظ عن الكتابة عدة سنوات بعد ثورة 1952، وفي هذه الفترة اعيدت طباعة إحدى رواياته سنة 1953. وأصدرمحفوظ ثلاثيته الشهيرة (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) سنة 1957 والتي منحته شهرة عربية واسعة وكانت بداية للمرحلة الثالثة. ولا تزال شخصية سي السيد في الثلاثية مضرب الأمثال للشخصية الشرقية القوية التي تحكم الأسرة وتأسر القلوب وآخر من مثلها وجسدها بجدارة الممثل الكبير محمود مرسي. ويرى الدارسون أن القراء يجدون أنفسهم في شخصيات روايات محفوظ لأنها مأخوذة بعمق من الواقع المحلي المعاش، وعالميا فإن هذه الشخصيات نفسها تحمل كثيرا من الصفات المشتركة في الطبيعة الانسانية، ومن هنا فإنها اعتبرت مشتركة مع الثقافات الأخرى. سلط محفوظ الأضواء على كثير من الأمراض السياسية والاجتماعية في المجتمع من خلال أعماله الأدبية بقوة التحليل الدقيق وأعطته أفضل تقنية في الواقعية الملموسة. وفي مراحله الأخيرة ركزّ محفوظ على مراجعة أعماله السابقة بعد أن احتاج إلى وقت للنظر والانطلاق بطراز جديد من الرواية وهي المرحلة الرابعة والأخيرة والتي اهتم فيها بالنواحي النفسية لابطال رواياته.. ويبقى محفوظ ظاهرة جديرة بالدراسة المستمرة واكتشاف المزيد من خلال أعماله الأدبية. وفي هذه المرحلة أصدر رواية اللص والكلاب سنة 1961، السمان والخريف 1962، ثرثرة فوق النيل 1966، ميرامار 1967. وهي مرحلة امتازت بالرمزية المليئة بالمحاكمات السياسية. قضى محفوظ شطرا كبيرا من حياته موظفا يتنقل من وظيفة إلى أخرى كان آخرها مستشارا للشئون الثقافية، وحاز محفوظ على جائزة الدولة التقديرية، كما حاز على جائزة نوبل في الآداب سنة 1988، وهو أول عربي يحوز على هذه الجائزة في هذا الحقل. نشر محفوظ رواية زقاق المدق سنة 1947، وهي أول رواية تترجم إلى اللغة الأنجليزية. وكانت سببا في شهرته العالمية. وفيها أكد محفوظ أنه مصور بارع للحياة المدنية التقليدية. يبدأ محفوظ روايته متحدثا عن الزقاق قائلا: «تنطلق شواهد كثيرة بأن زقاق المدق كان من تحف العهود الغابرة، وأنه تألق يوما في تاريخ القاهرة المعزية كالكوكب الدري. أي قاهرة أعني ؟.. الفاطمية ؟.. المماليك ؟ السلاطين ؟.. علم ذلك عند الله وعند علماء الآثار». وزقاق المدق يحمل بين جوانبه نكهة الأحياء القديمة بما فيها من أرابيسك، وبما فيها من حياة اجتماعية مغرقة بالبساطة. لينتهي سريعا كما انتهى مجده ببيتين متلاصقين عند باب يوصله بحي الصنادقية. ومن جانب آخر ينتهي الزقاق ليتصل بالحوذية ثم إلى الحلمية. ولا تستغرب إذا انتهى إلى سمعك صوت عال مثل: اصح يا عم كامل واغلق الدكان، غير يا سنقر ماء الجوز، اطفيء الفرن يا جعدة، الفص كبس على قلبي.. ثم لتتعرف على سكان الزقاق واحدا واحدا وبتأنٍ وكأن محفوظ ينحت شخصياته نحتا. فعم كامل بائع البسبوسة يقتعد كرسيا على عتبة دكانه ويغط في نومه «والمذبة» في حجره، لا يصحو إلا إذا ناداه زبون أو داعبه عباس الحلو. وعم كامل كتلة بشرية جسيمة ينحسر جلبابه عن ساقين كقربتين، وتتدلى خلفه عجيزة كالقبة، مركزها على الكرسي ومحيطها في الهواء، ذو بطن كالبرميل وصدر يكاد يتكور ثدياه، لا ترى له رقبة فبين الكتفين وجه مستدير منتفخ محتقن بالدم.. أما عباس الحلو الحلاق صاحب دكان الحلاقة الصغير ذي المرآة والمقعد فهو شاب متوسط القامة، ميال للبدانة، بيضاوي الوجه، بارز العينين، ذو شعر مرجل ضارب للصفرة على سمرة بشرته، يرتدي بذلة ولا يفوته لبس المريلة اقتداء بكبار الاسطوات. أما المعلم كرشة الطويل والنحيل صاحب القهوة المربعة الشكل المزدانة بالارابيسك والمسماة باسمه فهو رجل شاذ، وإذا حدثوه في ذلك قال: لكم دينكم ولي دين. وهذا الكلام لا يعجب أم حسين زوجة المعلم كرشة ولما أعيتها الحيلة إلى إعادته لرشده هددته قائلة: اليوم تسمعني أربعة جدران، وغدا تسمعني الحارة كلها! وحسين كرشة ابن المعلم كرشة الذي كان في مثل لون أبيه الضارب إلى السواد ابن العشرين عاما المتطوع في الجيش البريطاني والمتاجر بمواده المسروقة، هجر أباه وتزوج سرا، ثم استغنوا عنه فعاد إلى بيت أبيه منكسرا يجر وراءه زوجه وشقيقها.. وهكذا تتنامى شخصيات محفوظ لتبرز مع كل فصل شخصيات أخرى فنتعرف على رضوان الحسيني الرجل المبروك صاحب الطلعة البهية والذي يفزع له سكان زقاق المدق كلما ألمت بواحد منهم نائبة، الشيخ درويش المدرس السابق للغة الانجليزية في احدى مدارس الاوقاف والذي يقول عنه العامة بأن الوحي ينزل عليه باللغتين العربية والانجليزية. والهلالي الشاعر الغنائي الذي قضى 20 عاما يصدح بصوته في قهوة القلعة وقهوة كرشة حتى جاء الراديو منافسا له فاهمل فنه وطرد من مواقع رزقه بمهانة. المعلمة حسنية الفرانة التي تعاقب زوجها جعدة بالضرب بالشبشب في النهار وتخضع له في الليل. سنية عفيفي الأرملة التي باتت تبحث عن زوج شاب. أم حميدة الخاطبة التي استنجدت بها سنية عفيفي في بحثها عن زوج مناسب، وأبنتها حميدة أخت حسين كرشة بالرضاعة الطامحة دوما إلى رغد العيش ولو بعيدا عن زقاق المدق حتى أغواها واستدرجها أحد القوادين لتقضي بقية حياتها عاهرة، بعد أن تحول عزاؤها في حب ذلك القواد إلى سراب. أما القواد الذي أغوى حميدة فكان يقول عن حميدة: هيهات أن يكذبني ظني، فهي موهوبة بالفطرة.. هي عاهرة بالسليقة.. أما المعلم زيطة فهو شخصية تحتاج إلى وقفة لأنها شخصية غريبة، فهو رجل نحيل حاقد على المجتمع، لا يكاد يمس الماء جسده أو وجهه، آثر وحشة العزلة على الاستحمام حتى أصبح سوادا فوقه سواد، بادل الناس مقتا بمقت عن طيب خاطر، يرقص طربا اذا قرع مسمعيه صوات على ميت! ويخاطب الميت: جاء دورك لتذوق التراب الذي يؤذيك لونه ورائحته على جسدي. أما أحب البشر إليه فهم الشحاذون، وتمنى لو كان الشحاذون أكثرية أهل الأرض ومنبع ذلك يرجع إلى أنه يقوم باجراء عمليات تشويه للشحاذين يصبحون بعدها معاقين بعد سلامة، استدرارا لعطف الناس عليهم، وأجره على ذلك مليمان من محصول الشحاذين مضافا إليها أجرة العملية التي تجري ليلا. ولولا الدكتور بوشي الذي يحضر له بعض الزبائن بين الحين والآخر لما سبقه أحد إلى لقب الدكتور. أما سليم علوان صاحب الوكالة التاجر ابن التاجر والمستفيد من ظروف الحرب الاولى ثم الثانية وهو أب لثلاثة اولاد فضلوا التعليم على التجارة فكان منهم المحامي والقاضي والطبيب، وأب لأربع بنات تزوجن جميعهن، وامرأة لا ينكر منها شيئا سوى انها استوفت شبابها وحيويتها. حتى خاطب نفسه: مالي أحرم على نفسي ما أحل الله لها فقرر خطبة حميدة وهو يتذكر كيف أنه رأى ثدييها وهما نبقتان ثم وهما دومتان حتى استوتا رمانتين، ولكنه ما إن خطبها حتى داهمه المرض الشديد الذي اضطره إلى الإعراض. في هذه البيئة المكانية، زقاق المدق، وهي شبيهة بالبيئة المكانية لرواية خان الخليلي، وفي زمن موازٍ لها وهو زمن الحرب العالمية الثانية تدور أحداث الرواية التي ينقسم فيها سكان الزقاق رجالا ونساء إلى قسمين، قسم ساخط وقسم ساعٍ للحياة المادية المرفهة بعيدا عن الزقاق وهي حياة مرتبطة بالحرب وإفرازاتها. توحدت حركة الأحداث وطبيعة الشخصيات وتجسدت علاقة جديدة بين المكان والزمان، غير أن زقاق المدق شبه المحاصر يشهد نهاية مأساوية لكثير من سكانه. فالمعلم زيطة ينتهي به المطاف هو والدكتور بوشي إلى السجن بعدما ألقي عليهما القبض وهما يحاولان سرقة طقم أسنان ذهبي لأحد الموتى. حسين كرشة المسرف يسّرح من الجيش فيعود ذليلا مفلسا باحثا عن ملاذ له ولزوجه في الحي الذي تمرد على الحياة فيه. عباس الحلو الذي أحب حميدة وخطبها يتفاجأ إلى ما آلت إليه محبوبته بعد عودته بإجازة من الجيش الذي تطوع فيه مؤخرا سعيا لتوفير المال لعش الزوجية فيحاول الانتقام من القواد الذي أغواها فيدفع حياته ثمنا لذلك..

طباعة Email