منهج الإسلام في الدعوة إلى الله

بيان الجمعة:ان الأمر الإلهي الذي تلقاه أمير الدعاة وأمين المصلحين وخاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: «ياأيها المدثر قم فأنذر» مازال قائما وسيظل على مدى أنفاس هذه الدنيا وأطرافها حتى يرث الله الأرض ، ومن عليها ولقد نهض صلوات الله وسلامه عليه بهذا الأمر بكفاءة وأمانة وعزيمة واقتدار حتى أوفى على الغاية وبلغ الأمانة وعهد بالبلاغ الى أصحابه من بعده فتحملوها وتفانوا في سبيل تحقيقها في ظل قوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» آل عمران: 110. فكانت دعوته صلوات الله وسلامه عليه تقوم على الآية البينة والحجج المحكمة فقد اعتمد في تبليغها ونشرها على ما يتقبله العقل السليم ويألفه الذوق ويتسلمه الوجدان ولا تقف دونه البديهة ولا تنكره الحقيقة. ولقد سار على هذا النهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وان قيام جماعة من الأمة برعاية هذه الدعوة التي قام بها سلفنا الصالح ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي فهي ـ أي هذه الجماعة ـ هي الوسط الذي يتنامى فيه هذا المنهج ويتحقق حينما تتخذ هذه الجماعة ركيزة منهجها من الايمان بالله في اطار الاخوة الحانية والحب الرائق والود العذب والتكافل الشامل. إن الدعاة الى الله تعالى هم طلائع البعث الإلهي لطبقات البشرية وهم الذين اقتضت سابقة الفضل لهم وعوائد الاحسان اليهم ان يتصدروا الصفوف ويستقبلوا العواصف الهوج التي يثيرها أصحاب التقليد الذين يقفون في منحنى خطر أمام مسيرة الدعوة في احياء القديم البالي والتمسك بقولهم «إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون» الزخرف: 23. إن الدعاة إلى الله وهم ورثة الرسل وحملة المنهج الإلهي وخدام الفكر الراشد يمثلون حملة الاعلام في كل مجتمع وينهضون بمهمتهم في طبيعة خيرة ونفوس وادعة لينة وخلق رضي رحيب فالناس في حاجة الى كنف رحيم والى بشاشة سمحة والى ود يسعهم وحلم يظلهم وعقل سديد يتحمل عنهم عوائق الحياة وظلم المعترك الذي يتخطف الناس بعضهم من بعض انهم يضعون قول الله تبارك وتعالى لنبيه الهادي البشير صلوات الله وسلامه عليه «واخفض جناحك للمؤمنين» الحجر 88. موضع التطبيق فيخففون من حدة النفس بما يشيعونه في اتباعهم من رفق ورحمة وحنان كما يخفض الطير جناحه حين يهم بالهبوط ليحتضن صغاره باللطف والمرحمة والاشفاق وانهم ليتمثلونه صلى الله عليه وسلم في اطار هذا التوجيه الشامل له ولمن بعده «خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين» الاعراف 199. وكأن الله تبارك وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم هذا منهجك ومنهج الدعاة من بعدك وهو الاطار المحدد الذي يحقق لك النجاح في الدعوة والوصول الى غايتك مع ما في ذلك من المعاناة التي قد تضيق بها صدور الرجال وطاقات الابطال ولكن الا يكون هذا الثناء العطر الذي نسبه الله تبارك وتعالى الى هؤلاء الدعاة الذين قد يعترض دعوتهم نوازع النفس واطماع الهوى ألا يكون وصف طريقهم ومسيرتهم بالاحسن والافضل في قوله تعالى: «ومن احسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال انني من المسلمين» فصلت 33 من الجزاء المعجل لهم وما عند الله خير وابقى. ان الصبر والتسامح والاستعلاء على رغبة النفس في مقابلة الشر بالشر يرد النفوس الجامحة الى الهدوء والثقة فتنقلب من الخصومة الى الولاء ومن الجماح الى اللين ومن الجفوة الى الوصل ومن القطيعة الى المودة «ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» بما اودعه الله في النفوس الثائرة من حكمة مؤثرة ونبرة هادئة وبسمة حانية. وهكذا بالطبع اذا كان العدوان على الانسان كانسان اما اذا كان العدوان على العقيدة وتجاوز حدود ما شرع الله حينئذ فالجد والدفع والحزم والعزيمة التي تستمد طاقتها من عزة هذا الدين ومكانة شريعة الله بين الصالحين وما يلقى هذه الخلة المتوازنة مع استقامة المنهج الرباني «الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم» فصلت 35. ان هذا القرآن الكريم يرسم بذلك سنة الله في الدعوات ويضع هذه القاعدة الاصيلة في مسيرة الخير في هذا المجتمع البشري قاعدة الصبر والصبر الجميل «فاصبر صبرا جميلا» وهو الصبر المطمئن الذي لا يصاحبه سخط ولا قلق ولاشك في صدق وعد الله بالنصر صبر الواثق من العاقبة الراضي بقدر الله وارادته الموصول بحكمته وحسن تدبيره. إن الذين يتصدون للدعوة ويتحملون عناءها لن يتركهم الله وحدهم قط ولن ينسى جهادهم انه يمنحهم معيته ويفيض عليهم عونه ويرفع عن جزائهم ميزان التقدير «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» الزمر. إن الدعوة لله منهج وسبيل يتحملها الدعاة بكل طاقاتهم وعزيمتهم وليس عليهم أن يبلغوا ما يريدون إلا ما يشاؤه الله إنهم دعاة وما عليهم إلا البلاغ «فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب» الرعد: 4. إن الدعاة الى دين الله هم حماة العقيدة وحراس على ثغور هذا الدين وهم أعزة عند الله صنعهم الله على عينه ووالاهم بلطفه وعطفه واقامهم على مشارف الأمن في هذه الحياة فهم لا يخشون إلا الله ولا ينحازون إلا الى حزب الله فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. إن الدعاة لا يهونون من شأن الحياة ولا يبغضون الناس في العيش ولا يعادون دنياهم ولا يصرفون الناس عن الانتفاع بما أودع الله فيها من كنوز الخير وما أحله من طيبات الرزق «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق» الأعراف. إنهم يوجهون قلوبهم للآخرة مع ضمان عدم اهمالهم لحاجتهم الى العيش الطيب فصلاح الآخرة وحسن الجزاء فيها يقتضي صلاح هذه الدنيا والايمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الارض وحسن الخلافة في الارض يعني استعمارها والتمتع بطيباتها. انه لا تعطيل للحياة في الاسلام انتظارا للآخرة وان حسن الاستعداد للآخرة يفيض على المؤمنين في دنياهم بركة العيش ورغد الحياة وسكينة النفس «ولو ان أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض» الأعراف: 96. إن الداعية يضيء للناس بمنهج ربه طريق الامن والامان ويبصرهم بما يصلح دنياهم واخراهم من عمارة الدنيا بالامل وعمارة الآخرة بالتقوى وصالح العمل «اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه». أحمد عبدالتواب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات