حقوق الإنسان .. ميثاق بيوم الحج الأكبر

بيان الجمعة : روى ابن القيم ان النبي صلى الله عليه وسلم في حجته الوحيدة، التي سميت حجة الوداع وحجة البلاغ، قد خطب ثلاث خطب، كلها بليغة جامعة، احداها يوم عرفة والثانية يوم النحر والثالثة أواسط أيام التشريق، كلها بينت للناس حقوقهم وواجباتهم أمام ربهم، وما سيسألون عنه من أمور وأمانات، كما علمهم مناسكهم وما يأخذون وما يتركون، وحذرهم الشرك وأسبابه ومداخله، والجاهلية ومشاربها، وكان مما قال في خطبته على منى: (وهل تدرون أي شهر هذا، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا هو الشهر الحرام، ثم قال: فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد هذا، ألا فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغت؟! الله فاشهد ...). هذا البيان المحمدي المنير الذي ألقي على مسامع الزمان منذ خمسة عشر قرنا، غرس بذورا ترعاها ضمائر المؤمنين وأفئدتهم، فتنبع من سويدائهم، لا خوفا من قانون بشري يحرسه الرجال والحكومات، وانما طاعة لله ورسوله وتقربا اليه. وحينما قامت الثورات الاوروبية والامريكية للمطالبة بحقوق الانسان وتحريره من عبوديته لسدنة الشر والاستبداد والطغيان، كانت مسبوقة في ذلك بما أرساه البيان المحمدي الرائع، الذي فاق كل ما قالوه وما زالوا يقولونه وما سوف يقال مستقبلا. وحينما وضع ما اصطلح على تسميته بميثاق حقوق الانسان، وزعمت الدول الكبرى انها ستقوم بحمايته ورعاية تطبيقه، أظهرت الأيام ان حقوق الانسان مهدرة ضائعة تحت سمعها وبصرها ووعيها وادراكها بل مهما رفعت من شعارات أو عقدت من مؤتمرات، فإنها كثيرا ما ترفع الشعارات ثم تكون أول من يدرس فوقها، وانما ترفعها فقط لتتخذها ذريعة للنيل من أعدائها، أو من تحسبهم أعدائها. بينما الاسلام حينما أعلن حقوق الانسان أعلنها فروضا تؤدى الى الله عز وجل كعبادات وعقائد، ليست أقوالا دعائية ومزاعم جوفاء، وانما فرائض واقعية، وضمائم تشكل كيان المسلم، وتفيض عن شخصيته. إن حقوق الانسان في الاسلام، واجبات حتمية محمية بالضمانات التشريعية والسلوكية في ذمة الجماعة كلها، وليس الانسان وحده. فالإسلام هو الذي وضع أساس استواء جميع أفراد الجنس البشري بلا تمييز، بسبب عرق أو نسب أو مال أو دين، حين قال رب العزة: «ياأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» فأصل الناس جميعا واحد، يشترك الكل في نسبتهم اليه، مع الأخذ في الاعتبار ان الجنس البشري قد كرمه ربه على جميع مخلوقات الأرض، إذ قال ربنا تبارك وتعالى: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا». حساب الإنسان ومن هذا التكريم ان الحق تبارك وتعالى لم يجعل حساب الانسان على عقائده أو عبادته بيد غيره، وانما جعل ذلك بيده وحده، ومن ثم فلا فخر لأحد على أحد، ولا استكبار لأحد على أحد، ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى». وإذا كانت بعض الحضارات أو الشعوب فاضلت وفرقت بين الذكر والانثى، فإن الاسلام أبطل هذه العادات الباطلة، يوم أعلن ان الناس جميعا جاءوا إلى هذه الحياة عن طريق الذكر والأنثى معا، وليس عن طريق الذكر وحده، ونعى على قوم كانوا يتطيرون من ميلاد الأنثى لارتباط ذلك بالنقص والعار والذلة في معتقداتهم، فقال عز وجل: «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب. ألا ساء ما يحكمون» وجعل ما يصدر عن الذكر والأنثى من عبادات بمنزلة واحدة على سواء أمام الله، وكذلك يقع الجزاء متماثلا بلا فرق: «من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون»، ومن هنا حق للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «النساء شقائق الرجال». واذا كان الاسلام فرض للأزواج الرجال حقوقا، فانه أوجب للنساء حقوقا مثل الذي عليهن بالفضل والمعروف والكرامة للطرفين، فقال تعالى: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف» أما ما زيد به الرجال من قوامة، فليست إلا أداء للأمانة في قيادة ناصية الأسرة بأمر الله ورسوله، فهي قوامة أعباء وتكاليف وبذل، ومن ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». ولقد جاء بخطبة النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة قوله: «أما بعد أيها الناس فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكن عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن، فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن استعصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن ان المسلم أخ للمسلم، وان المسلمين اخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم. الله هل بلغت»؟! أعراف وعادات ومن هنا فليس الاسلام مسئولا عما تبنته أو اكتسبته بعض المجتمعات المسلمة من أعراف وعادات تبخس النساء حقهن، أو تجعلهن في البيوت كما مهملا لا وزن له. وبسبيل الاسلام الى محاربة الانانية والاستعلاء دعا الى اقرار وحدة الجنس البشري دون تمييز، ومن ثم فقد أسبغ على الجميع تاج الحرية حين حارب نزعات الأنانية والاستعلاء، بتذكير البشرية بصحيح نسبتها جميعا الى التراب: «كلكم لآدم وآدم من تراب» ومن ثم فلا معنى لأن يكون بعض منهم أسيادا قاهرين، والآخرون منهم أذلاء عبيدا مقهورين.. ولذلك شرع الاسلام تحرير العبيد، وجعلها من القربات الى الله، وكفارات للذنوب والخطايا، وحينما ضرب ابن عمرو بن العاص والي مصر، أحد أبناء أقباط مصر، ووصلت الشكوى اليه رجاء عدله، فاستدعى عمرو بن العاص وابنه والقبطي وابنه، وأجرى القصاص من ابن والي مصر نفسه، قائلا: (اضرب ابن الأكرمين) وفي النهاية يتوجه الى عمرو بن العاص، بكلمته الآسرة الآخذة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟». وما أجمل أن تجد الاسلام يحفظ للمختلفين معه في عقائده حقوقهم وحرماتهم، بل ويدعو أهله الى البر بهم والاحسان اليهم، حيث قال الحق تبارك وتعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين»! وهذا يدلنا على حرص الاسلام على عدم التمييز بين الناس بسبب عقائدهم، وإلا ما كان معنى لقول الله تعالى: «لا اكراه في الدين» وقوله عزل وجل: «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»..! ولولا أن أمر العقائد لا يحاسب عليه الا الله، لما حفظ النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين ودائعهم واستخلف ابن عمه علي بن أبي طالب ليردها اليهم، وما رد مفتاح الكعبة الى أحد سادتها رغم انه كان مشركا، ولم يأمر امته بصلة رحم الآباء والأمهات والأهل رغم أنهم كانوا مشركين.. وثمة امر آخر يطنطن به الغربيون ويشغبون به على المسلمين فإن الاسلام اول دين دعا الى اعمال الفكر واستعمال العقل ورفع لواء العلم والعلماء، ففرض طلب العلم على كل مسلم فقال صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم، وإن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر» أي على كل من اسلم، ولقد اتخذ المسلمون ذلك ذريعة الى بلوغ اسمى درجات السبق العلمي على كافة المستويات وما فتيء الاغنياء يوقفون الأوقاف الخيرية على طلبة العلم ومعاهده طوال القرون الماضية، وكم ذم القرآن الممتنعين عن طلب العلم والرغبة فيه ورماهم بالجهل وعدم استخدام العقل، مما جعل المسلمين يقدسون العلم في وقت كان الجهل والخرافة والظلام مسيطرا على آفاق العالم.. وخلاصة القول ان الاسلام ضمن للانسان حقوقا ما زال حتى يومنا هذا محروما منها، ولا يستطيع قانون ان يوفرها له، مهما كان هذا القانون براقا لامعا يحظى بحماية التنظيمات الدولية، وهذه الحقوق بينتها آيات في سورة الحجرات في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب احدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم» فانظر كيف ان الاسلام رعى حرمة الانسان لدى غيره، حتى لا يخطر ببال احد غيره عنه ظنا سيئا، حينما حرم المسلم ان يظن بغيره ظنا سيئا، رغم ان الظن امر داخلي لا يطلع احد عليه الا الله، ومعنى ذلك ان لا رقيب على الانسان الا ايمانه بربه.. ولقد حافظ كذلك على حرمة البيوت والاسر، فحذر من دخولها بغير استئذان واستئناس وتسليم، فقال تعالى: «لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون. فإن لم تجدوا فيها احدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم». واكثر من ذلك أوجب الله للفرد الفقير او المريض حقوقا في اعناق الأمة جميعها، فقال تعالى: «والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم» وبما وضع من أنظمة الزكاة وأركانها والصدقة بأنواعها، حتى شمل التكافل المجتمع الاسلامي كله.. فأيها كان اشد رعاية وحماية لحقوق الانسان؟! أهم أصحاب الشعارات والتشدق بالكلمات الجوفاء، ام الاسلام الذي حفظ للانسان كرامته وحرمته وحريته؟! علي عيد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات