عمالقة العلوم التطبيقية

بيان الكتب: في الوقت الذي يشن في الاعلام الغربي حربا شرسة وغير مبدئية ضد الحضارة العربية الاسلامية لتشويه وطمس دورها التاريخي في تطور واثراء الحضارة الإنسانية، وبينما يصر هذا الغرب على وصم العرب والمسلمين بالتخلف والارهاب، أصدر الكاتب والروائي سليمان فياض هذا الكتاب الهام الذي يكشف النقاب عن الوجه العلمي للحضارة العربية الاسلامية من خلال رصد مسيرة 86 عالما عربيا تخصصوا في العلوم التطبيقية وقدموا انجازات علمية عظيمة كانت الأساس المتين الذي أقام عليه عصر التنوير الأوروبي نظرياته واكتشافاته ومناهجه وانجازاته العلمية. والعلماء العرب الذين اختار سليمان فياض ان يترجم لسيرتهم، ليسوا سوى عينة من 2500 عالم تخصصوا في العلوم التطبيقية وحققوا فتوحات باهرة على مدار 9 قرون كاملة في تاريخنا العربي الاسلامي بداية من العقد الأول للقرن الثاني الهجري حتى القرن العاشر الهجري. ومنذ البداية يشير المؤلف الى أن الوجه العلمي للحضارة الاسلامية - موضوع كتابه - هو وجه العلوم التطبيقية مثل علوم: الحساب، والجبر، والهندسة، والفلك، والطبيعة، والصيدلة، والكيمياء، والنبات والحيوان والجغرافيا والموسيقى، ومايتفرع منها من علوم صنعت وتصنع الحضارات المدنيات والثقافات العلمية في كل الأمم. أما قصة هذه المسيرة العلمية العربية التي بزغت في أوائل القرن الثاني الهجري، فقد بدأت ـ كما يرويها سليمان فياض ـ بالترجمة منذ عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، لحصاد علوم الاقدمين في العلوم التطبيقية التي لا عهد للمسلمين العرب الفاتحين بها، والتي شيدت بها حضارات ومدنيات العالم القديم، فقد سعى الفاتحون ليحصلوا على عون ابناء الحضارتين المنهارتين: الفارسية والرومانية، ممن أسلموا، وممن لم يسلموا، ممن يعرفون لغة او أكثر وممن اتقنوا لغة العرب قراءة وكتابة، وجلبوا كتب العلوم التطبيقية خاصة من المراكز الثقافية الموجودة قبل الاسلام ونقلوها الى بغداد التي اصبحت عاصمة الحضارة العلمية الجديدة ودعوا العلماء عامة، والمترجمين خاصة اليها، وكان من بين المترجمين أجيال من أسر آل بختيشوع، ويوحنا البطريق، وقسطا بن لوقا، وآل حنين بن اسحق وسواهم من أفراد المترجمين في القرون الأولى للحضارة العربية الاسلامية. وقد وضع هؤلاء المترجمون حجر الاساس للحضارة الاسلامية في علومها التطبيقية وتمثل الدارسون النصوص المترجمة، وشرحوها ونقلوها، وعلقوا عليها، وعارضوها، ثم اضافوا اليها الجديد من الانجازات في هذه العلوم باعادة التجارب والاختبارات والبرهنة، وذلك منذ عصر الخليفة هارون الرشيد وانشاء بيت الحكمة. ولحسن الحظ ـ كما يرى سليمان فياض ان هذه المسيرة العلمية العربية ظلت مستمرة على مدار 9 قرون، لم تعطلها الصراعات القومية ولا الحروب الداخلية، ولا الدول المنقسمة في الاطراف طوال عهود الخلافة العباسية والفاطمية، بل ايضا طوال حكم المماليك وحكم الدول والامارات المغربية والاندلسية. واذا كانت المسيرة العلمية العربية تبدأ بجابر بن حيان أبي علم الكيمياء وتنتهي بعالم اللوغارتيمات ابن حمزة المغربي فإن مؤلف الكتاب يبرر اختياره لـ 86 عالما من 2500 شكلوا هذه المسيرة، بأن هؤلاء هم اصحاب الانجازات الكبرى، الذين استفادت منهم العلوم التطبيقية في أوروبا بعد ذلك، فهؤلاء العلماء العباقرة قرأوا وعرفوا ونسخوا الكتب وترجموها وعلقوا عليها ونقدوها واختبروا صدق معارفها مرة اثر مرة، وعالما اثر عالم متبعين منهج الشك حتى يكون هناك يقين، ومنهج البحث العلمي حتى يكون هناك نظرية أو قانون أو ابتكار لطريقة جديدة، أو اختراع بالاعتماد على الملاحظة والمشاهدة والتجارب والاستقراء والتدليل والبرهان. ويرتب الكتاب العلماء العرب وفقا للقرن الذي ظهروا فيه، ويبدأ بالقرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي ويسمى هذه المرحلة التاريخية عصر جابر بن حيان وجابر ولد بمدينة طوس وعاش في الفترة من 119 ـ 198هـ وكان عالما موسوعيا بالطبيعة والفلك والفلسفة والأدب، وعلى وجه الخصوص كان عالما في الكيمياء، وكانت له في هذا العلم انجازات عديدة، منها انه أول من وضع الاساس لهذا العلم واستخدم في أبحاثه منهج التجربة والملاحظة والاستنتاج، وأول من استخدم الميزان في مختبره الكيميائي قبل ان تستخدمه أوروبا بـ 600 سنة، وانه أول من ابتدع طرائق لعمليات مثل التقطير والتبخير، والتصعيد، والترشيح والتكثيف، والاذابة والبلورة، والترسيب وغيرها. وهو أول من استحضر حامض الكبريتيك، وحامض النتريك، وكشف عن الصودا الكاوية، وكربونات البوتاسيوم وكربونات الصوديوم واستخدام ثاني أكسيد المنجنيز في صناعة الزجاج واستحضر مركبات الزئبق، ووضع طريقا لفصل الذهب عن الفضة وحضر الكحول وحامض الخليك والماء الملكي وغيرها. وله عشرات المؤلفات في علم الكيمياء منها مقالات الكتب السبعين والبحر الزاخر والتبيان والزئبق والتدابير الكيمائية وغيرها. أما القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي والذي يسميه المؤلف عصر الخوارزمي فقد برز يه علماء عظام مثل النظام والماهاني وابن ماسويه وابن ربن الطبري وسند بن علي والجاحظ وأحمد بن شاكر، والكندي وحنين بن اسحق، والمروزي، وابن فرناس وثابت بن قرة والدينوري®. ويعتبر سليمان فياض أن ابراهيم بن سيار النظام 160 -231 ه) هو رائد منهج الشك الحقيقي قبل ديكارت بمئات السنين وكان يقول لم يكن يقين قط، حتى صار فيه شك) وتركزت بحوثه في علم الحيوان أما محمد بن موسى الخوارزمي 184 ـ 232هـ والذي ولد بقرية قرب بغداد فهو أبوعلم الجبر والمقابلة ولشهرته سمى الغربيون عصره في الرياضيات بعصر الخوارزمي، فهو الذي استخدم الجبر لأول مرة في حل المسائل الحسابية والهندسية فنقل علم الرياضيات نقلة نوعية جديدة، حيث كان اول من ادرك امكانية حل نظرية هندسية بطريقة تحليلية، أي بحل جبري. والخوارزمي أول من قسم الاعداد في الجبر، وأطلق عليها اسماءها: الجذور والمال والعدد المفرد، وأول من استخدم كلمة أصم للعدد الذي لا جذر له. أما ابن ماسويه 160 - 243 هـ الذي عاش عمره كله في بغداد، فهو رائد طب العيون، ومن مؤلفاته كتاب معرفة محنة الكحالين الذي يضم كل أمراض العيون وفي عصره، وله كتاب دغل العين) وهو أقدم كتاب تعليمي في طب العيون عرفه العالم) ويعد ابن ربن الطبري 193- 247 هـ أول من بحث في الطب النفسي والأمراض النفسية، قبل سواه من العرب والغربيين وأول من وضع كتابا شاملا للموضوعات الطبية أما الجاحظ 159- 255 هـ الذي ولد بالبصرة فهو رائد علم الحيوان، وهو تلميذ النظام، وله أبحاث عديدة في الانتاج الحيواني المبكر، وابحاث في غرائز الحيوانات والطيور، وهجرة الطيور في مواسم معينة سبق بها العالم الفرنسي لامارك بـ 700 سنة. ومن كتبه العلمية كتاب الحيوان ، والمختار من كتاب الحيوان والبغال والابل ووصف الكلاب وطبائع الحيوان وغيرها. ويعد الكندي 180 -260 هـ الرائد الحقيقي لنظرية التطور. فهو عالم موسوعي بالطب والرياضيات والفلك والكيمياء والفلسفة والمنطق والموسيقى والجغرافية، وهو اول من ابدع في العالم نظرية عن كيفية نشوء الحياة وظهورها على الكرة الارضية، وأول من ابدع تعليلا علميا لزرقة السماء وأول من وضع سلما موسيقيا للموسيقى العربية. أما عباس بن فرناس المتوفي عام 274 هـ فهو رائد علم التكنولوجيا وأول من قام بمحاولة للطيران وكان قد قام بأبحاث، واجرى تجارب في ثقل الاجسام ومقاومة الهواء لها، وهو اول من اخترع قلم حبر كان عبارة عن أسطوانة من الحديد تملأ بحبر سائل يستخدم للكتابة وأول من ابتكر صناعة الزجاج من الرمال، وأول من اخترع آلة لقياس الوقت سماها الميقاتة. ويرجع الفضل لثابت بن قرة في انه كان من أوائل علماء الرياضيات في الحضارة الاسلامية الذين مهدوا لابداع علم التفاضل والتكامل، ولثابت 222- 281 هـ كتب علمية عديدة منها مختصر في علم الهندسة ورسائل في الأصول الهندسية وكتاب المثلث القائم الزاوية وغيرها. أما رائد علم النبات فهو أحمد بن داود الدينوري الذي توفى عام 282هـ فهو أول عالم نبات في العالم رسم نحوا من مئتي نبتة ووضع لها وصفا وتعريفا علميا دقيقا. وينتقل سليمان فياض الى القرن الرابع الهجري ـ العاشر الميلادي فيصفه بأنه عصر الرازي نسبة الى محمد بن زكريا أبوبكر الرازي، أحد أبرز علماء ذلك العصر، فقد كان عالما موسوعيا برز في علوم الطب والكيمياء والصيدلة والنبات والطبيعة والرياضيات والفلسفة، ويعتبره مؤرخ العلوم جورج سارتون أبا للطب في الحضارة الاسلامية، وقد كان الرازي يبدأ علاج مرضاه بالتشخيص والاستماع جيدا لالام المريض ويدون ملاحظاته، وهو أول من استخدم القردة لتشريحها، ومعرفة تركيب جسم كائن هو أقرب المخلوقات تشريحيا الى الإنسان، وكان على رأس العلماء الذين اهتموا بالعدوى الوراثية، والامراض التناسلية وبأمراض النساء والاطفال وبأمراض الاسنان والأنف والأذن والحنجرة، وله مؤلفات عديدة منها كتاب الموسوعي الحاوي في الطب و الجامع الكبير وهو موسوعة طبية أخرى المرشد في الطب و اثبات الطب و تقاسيم العلل وبرء ساعة وغيرها. وفي عصر الرازي برز علماء كثيرون منهم البتاني رائد المعادلات المثلثية، وأول من عمل الجداول الرياضية لنظير المماس، ومنهم سنان الحراني عالم الرياضيات ومؤلف كتاب الجمع والتفريق الذي شرح فيه اجراء علميات الضرب والقسمة بواسطة عمليتي الجمع والطرح فقط، ومنهم الهمذاني اليمني 280- 334 هـ أول من تناول الجاذبية الأرضية وسبق اسحق نيوتن بمئات السنين وأول من توصل الى أن الهواء اذا انقطع عن مكان تنعدم فيه الحياة وقد تحدث عن هذه الظاهرة في كتابه الاكيل وهو كتاب يقع في عشرة أجزاء. ومن علماء عصر الرازي: ابراهيم بن سنان 296 -335 هـ رائد علم الضوء الذي بحث في ظاهرة انعطاف الضوء في الأجسام المشفة المانعة والجامدة وانكساره اذا اصطدم بسطح غير مشف. والفارابي 260 - 339 ه رائد علم الموسيقى الذي بحث في الطب والكيمياء والضوء والفلك والرياضيات ولقب بالمعلم الثاني بعد ارسطو، وهو أو من وضع نواة لدائرة معارف سجل فيها معارف الانسانية في عصره في كتاب احصاء العلوم وأول من ابتكر آلة القانون الموسيقية وطرح رأيا في الجاذبية الأرضية يشبه الى حد بعيد رأي العالم اينشتاين فيها. أما ابن الجزار المتوفي عام 350هـ فهو من اوائل الباحثين من الاطباء المسلمين في علم الاجنة والعناية بالجنين قبل الولادة وبعدها. ويعد الهواري الذي توفى في نفس عام وفاة الجزار رائد علم العقاقير والادوية، التي توصل الى تحضيرها بواسطة التقطير والتصعيد، وله كتاب هام في الأدوية هو الابنية في حقائق الأدوية وينتسب الى هذه الفترة البوزجاني رائد علم الهندسة التحليلية، والكومي رائد علم الروافع والاثقال، والقمري أبوالمعاجم الطبية وابن يونس الصدفي الذي اخترع بندول الساعة قبل جاليليو بـ 500 عام. وينتقل سليمان فياض مؤلف كتاب عمالقة العلوم التطبيقية الى القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي، وهو عصر ابن سينا 360- 428 هـ شيخ الأطباء الملقب بالشيخ الرئيس، وهو عالم موسوعي في الطب والرياضيات والطبيعيات وغيرها، وابن سينا هو أول من قال بالعدوى وانتقال الامراض المعدية، وأول من وصف الجمرة الخبيثة وسماها النار المقدسة، وأول من وصف الالتهابات والاضطرابات الجلدية بشكل دقيق في كتابه الطبي الضخم القانون) الذي يقع في خمسة أبواب هي كليات الطب، والأدوية المفردة، والأمراض الجزئية الظاهرة والباطنة في اعضاء الانسان وغيرها وله المجموع في الطب والمختصر في الطب والدستور الطبي وارجوزة الطب والعديد من الكتب الطبية الموسوعية. وفي عصر ابن سينا يبرز الزهراوي 325 -404 هـ أول من أسس علم الجراحة العامة في العالم. وماسويه المارديني صاحب أهم المراجع في علم الأدوية، والسجزي عالم الرياضيات الذي برع في الهندسة، واخترع آلة الاسطرلاب ومحمد بن الحسن بن الهيثم 354 ـ 430هـ رائد علم البصريات ومحمد بن أحمد البيروني 362 ـ 440هـ الذي نجح في اثبات أن الأرض تدور حول محورها، وابن الافلح رائد علم المثلثات الكرية، وعمار الموصلي رائد علاج الكتاركتا والحول من العيون الذي اخترع كجراح المقدح الاجوف وهو عبارة عن ابرة مجوفة لشفط الساد الطري من قدح العين. أما القرن السادس الهجري فهو عصر الخازن نسبة الى عبدالرحمن الخازن أبوعلم الطبيعة المتوفي عام 550هـ ومن ابداعاته ابتكار جهاز لمعرفة الثقل النوعي لبعض المعادن ووضع به نسبا لها، كذلك ابدع الخازن ميزانا لوزن الاجسام في الماء والهواء وله خمس كفات سبق به العالم الرياضي باسكال والعالم الفيزيائي توريشيللي ويعد الخازن من العلماء الاوائل الذين مهدوا لاختراع البارومتر. وفي عصر الخازن يبرز الطبيب العبقري ابن زهر 464 ـ 556 رائد علم الأورام والذي توصل الى دراسات وتشخيصات سريرية لأول مرة لمرضى السرطان والأورام الخبيثة، ويبرز أحمد الغافقي الذي وضع أول موسوعة صيدلية في الأدوية النباتية، والسموآل المغربي رائد علم المياه وابن رستم الساعاتي رائد الساعات الميكانيكية الذي ابدع ساعة ميكانيكية كانت موضوعة خارج باب المسجد الاموي. وابن العوام عالم الري وأول من ابتكر طريقة الري بالتنقيط وابن رشد الفيلسوف والطبيب الشهير، وغيرهم. وفي القرن السابع الهجري يبرز علماء عظام على رأسهم ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية وابن الرزاز الجزري صاحب الابتكارات الهندسية العديدة مثل الساعات المختلفة والنوافير، والطبيب عبداللطيف البغدادي مكتشف مرض السكر وعلاجه ورشيد الدين الصوري رائد النباتات بالألوان، وابن البيطار عالم النباتات والصيدلة الذي وصف أكثر من 300 دواء نباتي وحيواني ومعدني من اكتشافه، والتيفاس أول من تحدث عن الخواص الطبية للاحجار الكريمة، وعلي المراكشي عالم الفلك والرياضيات والجغرافيا الذي صحح بعض أفكار بطليموس في الجغرافيا وغيرهم من العلماء. ويأتي أخيرا القرن الثامن والتاسع للهجرة ونلتقي فيه بأخر روائد المسيرة العلمية العربية والاسلامية ومنهم قطب الدين الشيرازي رائد علم الظواهر الجوية وكمال الدين الفارسي صاحب نظرية الضوء الموجية والكاشي أبوالكسور العشرية والقلصادي الذي يعد من أوائل من استخدموا الاشارات والرموز الجبرية. فتحي عامر

تعليقات

تعليقات