النساء الفلسطينيات

بيان الكتب: أقامت سيسيل اوريجاك لفترة طويلة في منطقة الشرق الاوسط وخاصة في قطاع غزة حيث عايشت الواقع عن قرب، وبتحديد اكثر عاشت في المخيمات الفلسطينية، انها طالبة وهي تقدم في هذا العمل، كتابها الاول، وعلى طريقتها شهادتها عن الواقع الذي شهدته وعايشته، وقد جاءت شهادة «علمية» و«انسانية» في الوقت نفسه. جعلت سيسيل اوريجاك من موضوع المرأة ونضالاتها مكمن اهتمامها الحقيقي، وبعد «النساء الفلسطينيات» هي اليوم بصدد اعداد كتاب عن «النساء المقاومات في امريكا الجنوبية». ان مؤلفة هذا الكتاب تقدم في الواقع صورة لفلسطين من خلال «المرأة الفلسطينية» وهي تبحث الموقع الاجتماعي للمرأة الفلسطينية من خلال منظورين الاول هو علاقتها مع المحيط «الذكوري» السائد والثاني واقع المقاومة الذي تعيشه، وهذا ما يبدو من خلال توزيع الأقسام الثلاثة التي يتألف منها هذا الكتاب والتي تبحث في «النساء في فلسطين» و«النساء في النضال» ثم «اليوم ... وغدا؟». لقد عاشت مؤلفة هذا الكتاب شهورا طويلة في منزل بجانب أحد مخيمات اللاجئين في غزة. ومن هنا استطاعت أن تتعرف عن قرب بعدد كبير من النساء الفلسطينيات، بل وتقيم مع بعضهن أحيانا علاقات صداقة وثيقة تسمح بالحديث عن أمور الحياة كلها. وما ترتب على هذا الواقع تعبر عنه المؤلفة بالجملة التالية: «لقد فهمت كم نحن نجهل الواقع الفلسطيني». واذا كان قد قيل الكثير عن جرعة الموضوعية التي يمكن اكتسابها عبر البعد عن موضوع الاهتمام، إلا ان هذا البعد يكون في أحيان كثيرة سببا في سوء الفهم لا سيما اذا كان هناك دور تلعبه وسائل الاعلام في اتجاه اخفاء الواقع الموضوعي. تقول المؤلفة بهذا الصدد: «ان اقامتي في فلسطين سمحت لي، على الأقل، بالتشكيك بالطريقة الموجهة لسرد الأحداث، وهي طريقة ذات صبغة ثقافية معينة وبالتالي قد تكون أحيانا خاطئة». وتبدو الاهمية الكبيرة في هذا الكتاب لما يتعلق بـ «المواجهة» بين الصورة التي كونتها الثقافة الغربية عن فلسطين والواقع الفلسطيني ذاته. ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في التأكيد بأن الشرق الذي عرفته هو «مختلف عن الرؤية الكاريكاتورية الى حد ما الذي يمتلكها الغرب عنه». واذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تؤكد على أهمية الوثائق التاريخية، إلا انها ترى بأن موضوع فلسطين اليوم يتسم بحالة عالية من «التوتر» مما يجعل من الصعب «الحيادية». ثم، وكما تؤكد المؤلفة نفسها «تبقى قراءة الوثيقة التاريخية خاضعة للفهم الانساني الخاص للأحداث التاريخية. وليس هناك أية صفحة من صفحات التاريخ نهائية وأبدية، اذ هناك دائما صفحات أخرى تضاف لها لتغني الذاكرة» إن مثل هذا الرأي يتماشى مع الأطروحة القائلة بأن «التاريخ علم متحرك». المرأة في فلسطين هي الغائبة الكبرى ... لكنها في الوقت نفسه «حاضرة» في كل «النكبات» ... وربما كان من الأدق الحديث عن «التجاهل» وليس «الغياب». ولعل الشعب الفلسطيني ذاته قد عانى لفترة طويلة من «التجاهل». وهذا ما تشير له المؤلفة كي تؤكد مباشرة بأنه تجاهل «متعمد». إن الحديث عن المرأة الفلسطينية يستدعي بالضرورة الحديث عن المجتمع الفلسطيني وحيث ان مواصفات أي شخص ودوره، امرأة كان أم رجلا، إنما هي مسائل تخضع الى حد كبير لطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه. إن مؤلفة هذا الكتاب تولي في الواقع اهتمامها الخاص في هذا المجال لدراسة المجتمع الفلسطيني منذ فجر القرن العشرين ... وهي تصفه بأنه كان آنذاك «مجتمعا تقليديا جدا وأبويا ـ ذكوريا ـ وزراعيا». في مثل هذا الواقع الاجتماعي لابد للمرأة إلا وأن تبقى «في الظل». وهذه ليست خصوصية فلسطينية وإنما حالة معممة الى هذه الدرجة، أو تلك في المجتمعات العربية ـ الاسلامية آنذاك. لكن اذا ما أخذنا بالاعتبار واقع «اللامبالاة» الذي يحيط بفلسطين، فإن وضع المرأة الفلسطينية يكتسي بعض الخصوصية والاستثناء اذ «انها منسية بشكل مضاعف» أي كـ «فلسطينية وكامرأة». وحيال مثل هذه المشاهدة تخرج مؤلفة هذا الكتاب بـ «نتيجة» تناقشها على صفحات كثيرة منه. إذ تقول بأنه «اذا كانت المعركة التي خاضها ويخوضها الفلسطينيون قد وضعت حدا لمصدر النسيان الاول فانها قد ساهمت ايضا بعدم الانتباه للمصدر الثاني».. هذا ويتم التمييز في هذا الاطار بين النساء في الأرياف والنساء في المدن من حيث المساهمة في الدورة الانتاجية، التي توفر بعض «الحرية النسبية في العمل والحركة بسبب طبيعة علاقات المجتمع الزراعي». مثل هذا الهامش كان مفقودا الى حد كبير بالنسبة للنساء في المدن. إن مؤلفة هذا الكتاب تؤكد على تعددية مكونات المجتمع الفلسطيني، وهذا ما يدل عليه بوضوح عنوان كتابها عندما ذكرت «النساء الفلسطينيات» بصيغة الجمع. لكنه في الوقت نفسه كان على وحدة مصيره. تقول: «ان الفلسطيني، تدل في غزة أو الضفة أو مخيمات اللاجئين أو في اسرائيل، يعيش حالة من الاستبعاد في بلاده لانه لا يسيطر على مصيرها». ان مثل هذا التضامن وتوحيد المصير ضمن اطار «الاستبعاد» إنما يدفع نحو نسيان الاختلافات في المعتقد الديني والثروة والموقع الاجتماعي مع «نكبة» عام 1948، ونزوح أعداد كبيرة من الفلسطينيين للعيش في مخيمات اللاجئين، بدأت مرحلة جديدة من حياتهم لا سيما وان الكثيرين منهم، أغلبيتهم، كانوا قد خسروا كل شيء. وفي الوقت نفسه تنامى الشعور الوطني والانتماء الى فلسطين لدى سكان هذه المخيمات وبالتوازي مع هذا اكتسبت المرأة بعدا جديدا في المجتمع الفلسطيني اذ اصبحت «النخاع الشوكي للحياة في مخيمات اللاجئين» هذا بينما توزع الرجال بين الانخراط في صفوف المقاومة الفعالة للاحتلال او البحث عن عمل لتأمين الاحتياجات الاساسية للعيش. وترى المؤلفة بأن مقاومة الاحتلال ساهمت كثيرا في «اخفاء قدر اكبر من التجانس على واقع النساء الفلسطينيات». وتبحث المؤلفة في هذا السياق بمساهمة «نوعية» للمرأة في مقاومة الاحتلال وذلك عبر «زيادة الانجاب» تقول المؤلفة: بعد اجل، سوف يفوق الفلسطينيون في عددهم الاسرائيليين، الامر الذي سيؤدي الى انقلاب الاوضاع بمعنى آخر اصبحت النساء الفلسطينيات يقمن بتكوين «جيش» على طريقتهن.. هكذا اصبحت نسبة الولادات اولوية فلسطينية مبكرا. وتدل الاحصائيات المتوقعة مؤخرا الى ان نسبة 52% الى 56% من سكان مجموع فلسطين سيكونون من الفلسطينيين في افق عام 2007 كما تدل الاحصائيات المثبتة على ان نسبة الولادات الفلسطينية هي احد الاكثر ارتفاعا في العالم. وهناك 50% من السكان تقل اعمارهم عن 14 سنة. تقول المؤلفة: «ان الاطفال الفلسطينيين، هذه الجموع من الاطفال، هم افضل برهان على التزام الفلسطينيات بالاحداث الوطنية وبما يتجاوز مجرد الخضوع لعادات الاجداد». اذا كان التزام النساء الفلسطينيات قد جاء متأخرا في الواقع المادي قياسا بالرجال فإنهن قد دفعن فيما بعد من دمهن في المعركة. لكن هذا لا يمنع واقع ان الجمعيات النسائية الفلسطينية قد رأت النور عام 1903 وانحصرت مهماتها في الاعمال ذات الطابع الاجتماعي والخيري ثم شهدت القدس عام 1929 المؤتمر النسائي الفلسطيني الاول وتأسست في السنة نفسها «لجنة النساء العربيات» وكان للنساء حضور كبير خلال سنوات «ثورة 1936 ـ 1939» وخاصة عبر مشاركة الطالبات بالمظاهرات: «لكن الكوارث التي تتالت بعد عام 1948 هزت الصرح الفلسطيني الجميل كله وكان لها اثرها على الحياة اليومية للفلسطينيات بحيث ان اللجوء الى المقاومة الحية اصبح مفروضا على الجميع» تقول المؤلفة ضمن هذا السياق ظهرت بوادر «الاستيقاظ السياسي» لدى المرأة الفلسطينية وحل «عصر المناضلات» على صعيد الجمعيات المرئية كما على صعيد المشاركة الفعلية بالمقاومة ثم كانت «الانتفاضة» التي شهدت مساهمة نسائية كبيرة «بشكل عفوي» تقول المؤلفة: «ان الانتفاضة تحرك شعبي لكنها ايضا انتفاضة نسائية وقد ساهمت النساء الفلسطينيات فيها بقوة بدافع واقع اضطهادهن على ثلاثة مستويات وطني واجتماعي وعائلي» وبعد المعركة جاء دور اللجان الشعبية وادارة الاقتصاد المنزلي. وماذا عن المستقبل؟ ان المرأة الفلسطينية تساهم اليوم بفعالية في بناء الدولة الفلسطينية والأولوية اليوم هي للمعركة السياسية على قاعدة الشعور الوطني.. اما المعارك الاخرى المتعلقة بالموقع الاجتماعي للمرأة ومشاركتها في الحياة العامة فهي كلها «مؤجلة» هذه هي الخلاصة التي تصل المؤلفة لها في تحليلاتها. كتاب يطرح الكثير من الاسئلة.. وبعض الاجابات في تاريخ النساء الفلسطينيات لا يزال ينتظر من يكتبه تقول المؤلفة في خاتمة مقدمتها

طباعة Email
تعليقات

تعليقات