بانوراما عالمية ـ «بديملر»... شباب متحمس نذر نفسه لانقاذ الفقمات

صورة

ضباب الصباح الباكر يعانق الشاطيء الرملي وفي البعيد تلمع مياه البحر الزرقاء الهادئة. وفي الشواطيء الضحلة ـ تقف ـ ثلاثة قوارب منفوخة، صلبة، برتقالية اللون، طبعت على جوانبها بأحرف بارزة عبارة «الغواصون البريطانيون لانقاذ الحية البحرية» وفي قلب الضباب ينبثق رجال يكتسون ببزات غوص، ويحملون تجهيزاتهم الى القوارب المتراقصة على ايقاع الموج الخفيف. فيبدو المشهد كأنه لقطة من أحد افلام هوليوود. لكنه مشهد من صميم الواقع. وهؤلاء الرجال هم أعضاء فريق مؤلف من 18 متطوعاً من مجموعة تطلق على نفسها اسم «الغواصون البريطانيون لانقاذ الحياة البحرية» وتعرف اختصاراً باسم «بديملر» على شاطيء بقرب بلدة هونستانتون بمقاطعة نورفولك الانجليزية. ومن بعيد يظهر ستة غواصين من هؤلاء يعبرون الرمال، ويخوضون في المياه الضحلة، حتى يصلوا الى قواربهم. وهم يحملون ثلاث نقالات تنبعث منها صيحات احتجاج مكبوتة. فالمرضى الذين يستلقون على هذه النقالات ليسوا إلا فقمات رمادية في عامها الثاني. وكل من هذه الفقمات زاد وزنها 40 كيلوجراماً منذ ان عثر عليها قبل ثلاثة أشهر حيث كانت في حال يرثى لها من الجوع والمرض والهزال. وهي الان بصدد ان تعاد الى مستعمراتها الاصلية في خليج واش في بحر الشمال بين نورفولك ولنكولن، بعد ان اخضعت لبرنامج اعادة تأهيل في مركز هونستانتون لايواء الحياة البحرية. ولدت فكرة تشكيل هذه المجموعة التطوعية في عام 1988 خلال تفشي فيروس اعتلال الفقمة «بي دي في» فتك بثلث اعداد فقمة الموانيء في بريطانيا في ثمانية شهور. ويتذكر مارك ستيفينر، وهو أستاذ مدرسي الذي اصبح فيما بعد من المدراء القائمين على مجموعة «بديملر» نطاق البلاء الذي عم على الحياة البحرية حينها قائلاً: «كانت كارثة حلت بالحياة البحرية كالكابوس فقد تحول لون الأمواج المرتطمة بالشاطيء الى الأحمر واصبحت رائحة اللحم النتن تفوح في كل مكان. وترامت جثث الفقمات النافقة على مرمى البصر». غواصون متطوعون وفي ذلك الوقت دأب نفر من الغواصين المتطوعين المتحمسين، من أمثال الان نايت على العمل ساعات طويلة في ايام العطلات الاسبوعية جنباً الى جنب مع الكهربائيين والمهندسين والحدادين وغيرهم من الناس العاديين الذين جمعتهم شفقتهم وقلقهم على الحيوانات البحرية. كانت فرق الانقاذ تلك تعاني من عجز كبير في التجهيزات وتفتقر للتدريب والخبرة، لذلك اصيبت بالارباك في باديء الامر. وبعد خمسة أشهر عقد الان ومعه غواصان اخران العزم على تشكيلة مجموعة «بديملر» «الغواصون البريطانيون لانقاذ الحياة البرية». وشرعوا في جمع علب الطعام القصديرية من امام البقالات ودأبوا على جمع التبرعات لاطلاق اول خدمة طواريء بريطانية لانقاذ الحياة البحرية. ويقول الان: «نحن كغواصين شعرنا ان البحر منحنا سنوات من المغامرة والمتعة. والآن حان الوقت لنمنحه شيئاً في المقابل». ربما يكون هناك اكثر من 50 ألف فقمة رمادية على طول السواحل الشمالية لاسكتلندا وجزر اوركني. وخلافاً للحيوانات التي تعيش في المناخات الجنوبية الاكثر اعتدالاً، تضع جراءها في وقت متأخر في السنة والجراء الصغيرة لا تتعلم السباحة حتى تنقطع عن الرضاعة عادة بعد 16 الى 21 يوماً من ولادتها. ويمكن للعواصف العنيفة والرياح الغربية ان توقع الفوضى في مواطن حضانة الجراء الصغيرة حديثة الولادة مما يتسبب احياناً في فصلها عن امهاتها. وهكذا تنجرف مئات الفقمات الصغيرة التي لا تقوى على السباحة المتقنة الى خلجان ناشية لتلقى حتفها هناك من الجوع اذا لم تجد من يساعدها. وهنا يأتي دور الخدمات النبيلة التي يقدمها الفريق الاسكتلندي من مجموعة «بديملر» من أجل انقاذ الحياة البحرية من الظروف الحرجة التي تواجهها. ينقل الغواصون المتطوعون الفقمات المريضة الى مستشفى متواضع لتطبيب الفقمات في قرية سكارفسكري على بعد مئات الامتار فقط من مصب نهر تتلاند وبعد بضعة ايام تنقل الجراء براً او بحراً الى مركز اوركيني لرعاية الفقمات في جزيرة ساوث رونالد ساي حيث يتم اعادة تأهيلها في برنامج خاص مكثف قبل اطلاقها مرة اخرى الى مواطنها الطبيعية الاصلية. وعلى الرغم من كونها منظمة صغيرة نسبياً، إلا ان «بديملر» بتوسعها المتواصل ونشاطها المتزايد تحتاج الى تمويل كبير يقدر بحوالي 35 الف جنيه استرليني سنوياً، اذ ان عملية انقاذ واحدة تستهلك احياناً وقود للقوارب بقيمة 400 جنيه، ناهيك عن التكاليف الاخرى، وارتفعت انفاقات المجموعة بشكل مثير بعد تشكيل الفريق الاسكتلندي وتوسيع مهام فرق الانقاذ التي اصبحت تتلقى مكالمات نجدة لانقاذ الحيتان ايضاً. فرق الانقاذ وعندما يكون الموسم سيئاً يزداد نطاق العبء الواقع على عاتق فرق الانقاذ الى درجة يصعب تصورها. فخلال شهرين فقط من شتاء 1997 استدعي اليستير جاك، منسق خدمات الانقاذ في اسكتلندا وزملاؤه في مجموعة «بديملر» لانقاذ اكثر من 150 فقمة رمادية يافعة. وفي ضوء هذا الانشغال المتزايد لا يجد الغواصون الوقت الكافي حتى للنوم، ويضطرون للانسلاخ تماماً عن حياتهم الاجتماعية في سبيل انقاذ الفقمات العليلة الضعيفة من براثن الموت. والآن تخطط المجموعة التي تعمل بالتعاون مع الجمعية الدولية لانقاذ الحيوانات لبناء مركز لانقاذ الثدييات البحرية بتكلفة مليوني جنيه استرليني بأقصى الشمال الاسكتلندي على قطعة أرض بمساحة ثلاثة فدادين مؤسسة «تراث بريطانيا» والمركز مصمم لايواء 80 فقمة في آن معاً، وسيضم بركة من مياه البحر الطبيعية لمساعدة الحيوانات في التكيف من جديد في الحياة البرية قبل اطلاقها واعادتها الى مواطنها الاصلية. وهو أمر يبشر بأن العين الساهرة على سلامة الحياة البحرية ستتسع لتشمل اكبر عدد ممكن من الثدييات البحرية التي تترك احياناً لتموت جوعاً ومرضاً وسط عناصر الطبيعة الغاضبة. علي محمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات