التنوير في الاسلام.. كيف ننظر له؟ د. التويجري: منهجنا يوازن بين الشرع ومتطلبات الحياة

القضية الاولى التي نطرحها اليوم هي قضية التنوير في الاسلام التي يدور حولها جدل كبير في اوساط المثقفين والمهتمين بها في العالم الاسلامي، وضيفنا هو الدكتور عبدالعزيز بن عثمان التويجري الامين العام للمنظمة الاسلامية للتربية والثقافة والعلوم «ايسيسكو»، ولانه عالم جليل وصاحب فكر مستنير أثرنا ان نستطلع رأيه في القضية ليقدم طرحه عبر الشرح والنقد والتحليل. ـ سألت الدكتور التويجرى : باعتبار منظمتكم لها اهتمامات ثقافية فهل يمكن إلقاء الضوء على ماينادي به البعض من التنوير في الثقافة الإسلامية ؟ ـ إن هذه قضية شائكة ولابد لها أن تأخذ الأولوية في النقاش حيث مصطلح التنوير بالتيارات الفكرية الكاسحة التي هبت على العالم العربي الإسلامي طوال العقد الأخير من القرن العشرين واختلفت الصيغة التي كانت تطرح تارة «بحرية الفكر» وتارة أخرى «بالفكر الحر» وفي أحايين أخرى «بالنهضة» وبصراحة تامة إبتداء أن التنوير كلمة حق يراد بها باطل لأن هذا تضليل الرأى العام والتشويش على الفكر المستقيم وإيجاد بلبلة فكرية وثقافية أدت وما زالت تؤدي إلى حالات من المواجهة الفكرية. ـ ماهو السياق التاريخي للتنوير؟ ـ نستطيع أن نقول إن التنوير قضية أوروبية، إنبثقت في المحيط الأوروبي . نتيجة ظروف كانت تسود المجتمعات الأوروبية، ولذلك فإن قيام مفهوم التنوير الأوروبي على إلغاء دور الدين في الحياة . مسألة طبيعية، إذا نظرنا إليها من زاوية ماكانت تمارسه الكنيسة الغربية من ضروب الاستبداد وألوان القهر وماكانت تشيعه من أباطيل وخرافات، وبحكم أن أوروبا كانت عندئذ تعيش العصور المظلمة، في حين كان العالم العربي الإسلامي يعيش إزدهارا حضاريا واسع الإشعاع . ولذلك فإنه ليس من الموضوعية والمنهجية العلمية في شيء فرض المفهوم الأوروبي للتنوير على المجتمعات العربية والإسلامية. إن التنوير في المفهوم الغربى، كان تنويرا للقرون الوسطى المظلمة التي عاشتها أوروبا، وهنا ينبغى أن ننبه إلى أن كلمة )القرون الوسطى المظلمة( لاتمثلنا، ولكنها تمثل أوروبا والغرب، حين سقطت روما في القرن الرابع . وعادت النهضة في القرن الرابع عشر . أما نحن المسلمين فقد قدمنا الضياء للإنسانية والعالم كله منذ بزوغ الإسلام في القرن السادس خلال ألف سنة كاملة . لقد قام المسلمون في القرون الوسطى المظلمة بإعادة نور الحضارة والمدنية الذي كان قد إنطفأ في جميع بلاد الغرب والشرق حتى القسطنطينية، لقد كانت حركة التنوير في أوروبا رد فعل طبيعي على الجبروت التي كانت السلطات الكنسية تمارسه ضد العقل والإرادة الإنسانية، وهو وضع لم تعرفه الحضارة الإسلامية، وحالة لم يعشها المسلمون قط . وعن التنوير في القرآن يقول ضيفنا د . عبد العزيز التويجرى: لم يرد لفظ )التنوير( في القرآن الكريم، وإنما ورد مصدر التنوير، وهو النور وتكرر ثلاثا وأربعين مرة يقول الله تعالى )الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات( . )ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه( . )قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين( . وبالتأمل في هذه الآيات القرآنية نجد أن المشيئة الإلهية هي التي تتولى إخراج الإنسان من الظلمات )وليست الظلمة الواحدة( إلى النور )وليست الأنوار( وتلك هي الهداية الربانية للإنسان . ونلاحظ في هذا السياق أيضا أن الخروج من الظلمات إلى النور، أى الهداية ، لايتم إلا بإذن الله، فالمشيئة والإذن الإلهيان وراء كل تنوير، لأن الإنسان الذي يخرجه الله سبحانه من ظلمات الجهل والشرك والخرافة، إلى نور الإيمان والعلم والمعرفة الحق، هو إنسان منور العقل والبصيرة والوجدان فالتنوير بهذا المفهوم، وهو هداية الخالق للإنسان، وبذلك يتلازم التنوير ويرتبط بإرادة الله عز وجل . وكما أن الله تعالى قد قرن القرآن الكريم بالنور )قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين(. فكذلك التوراة والإنجيل، قد جعلها الله هدى ونورا )وآتيناه إلا نجيل فيه هدى ونور( )إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور(. فالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل أنزلها الله تعالى على رسله ليخرجوا الناس من الظلمات الى النور . وبذلك جعل الله الهداية مرتبطة بالنور، فلا تكون هداية بلا نور من الله ، ولانور يضييء قلب الإنسان وينير حياته إلا بإذن من الله ، لأن )الله نور السماوات والأرض( أى هادي أهلها . وهنا نلاحظ أن النور يأتى في القرآن مفردا في كل الحالات، بينما تأتى الظلمات جمعا في كل الأحوال أيضا، وفي هذا منتهي الدقة في وصف هذه الأحوال . ـ وما المفهوم الإسلامي للتنوير ؟ ـ يقوم المفهوم الإسلامي للتنوير على قاعدة راسخة من الإيمان والعلم؛ فهو فهم مصطبغ بالصبغة القرآنية، منصرف إلى حقيقة التنوير وطبيعته الأصلية . التي تجمع بين )تنوير العقل( وبين )تنوير القلب(، بالإيمان بالله أولا وإبتداء وفي المقام الأول، وبالعلم الذي لاينفصل عن الإيمان، في تكامل وترابط وانسجام بين وظيفة كليهما. فليس المعول عليه في التنوير بالمفهوم الإسلامي، هو العقل المجرد غير المهتدي بنور الإيمان. وبالقدر نفسه لاينفع المرء إيمانه إن لم يستخدم ما وهبه الله من نعمة العقل، في التفكير والتدبر والتأمل وتصريف الأمور على الوجه الذي يحقق المصلحة العامة التي تنفع الناس وتمكث في الأرض . إن التنوير الإسلامي، هو تنوير للعقل والقلب. في توازن دقيق وتناغم متكامل . ـ وكيف تم نقل مفهوم التنوير الأوروبي للمجتمعات الإسلامية ؟ ـ كما نقلت قضية الصراع بين العلم والدين في أوروبا الى المجتمعات الإسلامية، نقلت قضية التنوير بالمفهوم الأوروبى الذي يلغي الدين إلغاء كاملا . ويستبدل به العقل والطبيعة لفهم أسرار الحياة ولتنظيم شئون المجتمع، ولإقامة العلاقات بين البشر، فلقد كان التنوير الغربى ينهج نهجا مناهضا للدين جملة وتفصيلا . ولايزال المفهوم الأوروبى للتنوير يسير في هذا الإتجاه، بينما التنوير الإسلامي يجمع بين الإيمان والعلم، وبين العقل والدين. إذ لاتنوير إلا بالاسلام ولاتقدم إلا بالإسلام، ولانهضة حقيقية إلا بالإسلام في إطار الفهم الرشيد لوظيفة الدين في الحياة، والموازنة الواعية بين مقتضيات الشرع وبين متطلبات الحياة دون إخلال بقاعدة من قواعد الدين الحنيف، أو تنازل عن ثابت واحد من ثوابته الراسخة. في الإسلام هناك ترابط بين العقل والدين، أو العقل والنقل، أو العقل والقلب، والعقل وحده لم يستطع أن يصل بالذين اعتمدوا عليه الى معرفة كل الحقيقة، بل أدى الى إنحرافهم وفساد رأيهم لأنه جزء من حقيقة كاملة لاتكتمل إلا بأمور أخرى، وكذلك أخطأ الذين نحوا العقل وتجاهلوه والتمسوا المعرفة الباطنية، عن طريق الإشراق، أو الحدس، أو الوجدان وحده، ومن هنا جاء إكتمال النظرية الإسلامية للمعرفة، جامعة بين العقل والقلب، وجامعة بين عالم الشهادة وعالم الغيب . وهكذا يتبين لنا أن الذين يدعون الى الأخذ بالتنوير الأوروبى بكل مفاهيمه المناهضة للدين، وسيلة ومنهجا للإصلاح في البلاد الإسلامية. إنما يمارسون ضروبا من التدليس والتزييف وقلب الحقائق والاحتيال على عقول الناس، لأن من يقول بالتنوير في مفهومه الغربى. إنما يقول بكل المبادئ التي قام عليها هذا المفهوم، وهي إسقاط الدين من الحساب وإلغاؤه بالكامل، إن التنوير الذي يدعو إليه هؤلاء القوم ليس من النور في شيء، ولا هو من العقل في شئ ولا من العلم في شيء أيضا لأنه يناهض المفهوم الإسلامي للتنوير مناهضة كاملة . ـ وكيف نوظف التنوير بمفهومه الإسلامي في مواجهة الواقع؟ ـ التنوير الإسلامي ليس نظرية، ولكنه حقيقة من حقائق الدين الحنيف، قائمة في حياة المسلمين، وإن تفاوتت درجات إشعاعها، إن الإسلام مصدر كل قوة للبناء الحضاري الشامل. ولذلك فإن التنوير الإسلامي هو حركة إحياء إسلامي في الإتجاه الذي يحقق المقاصد العليا للإسلام في حياة المسلمين والتنوير بهذا لمفهوم العميق والشامل والجامع هو تجديد لمفاهيم الدين، ولوظيفة الدين، للخروج من الجمود والقعود، إلى ساحات العمل الجدي الهادف النافع للأمة على هدى تعاليم الإسلام، وفي إطار الأخوة الإسلامية التي تجمع بين الأسرة الإسلامية الواحدة من منطلق التضامن الإسلامي . أن أحدا ممن وهبه الله فقها مستنيرا لواقع الأمة، لايمكن أن ينكر أن هناك حاجة شديدة الإلحاح إلى الإصلاح، وإلى التغيير الإيجابى وإلى إعادة بناء أسس الحياة في المجتمعات الإسلامية وليس من سبيل إلى ذلك إلا بالعمل الإسلامي الرشيد، في إطار ضوابط الشرع الحنيف ومن خلال فهم مستنير بصحيح الدين لمقتضيات الحركة في الإتجاه الصحيح ولمتطلبات البناء على القواعد الراسخة، وهذا هو المعنى العملى للتنوير الإسلامي . وقال إن التنوير الإسلامي في مواجهته للواقع في العالم الإسلامي، لابد وأن يتجه الوجهة السليمة حتى يؤدي الهدف منه فهو ليس عملا فكريا ونشاطا ثقافيا فحسب ولكنه إلى ذلك كله حركة وثابة على طريق تصحيح المفاهيم تصحيحا رشيدا عميقا شاملا . يرد الحق إلى نصابه. ويدرأ عن المعانى والدلالات ماشابها من تحريف وتزييف وتزوير ومن غلو وتشدد وتنطع، وعقد العزم على إشاعة قيم الخير والسماحة والمحبة والتعاون والتضامن في المجتمعات الإسلامية وإعلاء شأن العقل ورفع منزلته والحث على طلب العلم والعمل على اتخاذ مناهجه وأساليبه ووسائله سبيلا إلى النهضة الحقيقية . ـ ماهي الشروط اللازمة للدخول في التنوير؟ وهل تحفظنا على مبدأ التنوير لا يتعارض مع الدعوة الى التطوير والتحديث ؟ ـ قال الأمين العام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم إن العالم الإسلامي يقف على مفترق طرق وقد طالت هذه الوقفة. ولكنها وقفة ضرورية اقتضتها طبيعة مرحلة التحول التي دخلها العالم الإسلامي منذ عقود من السنين . وهي ليست وقفة استرخاء. وما ينبغى لها أن تكون ولكنها وقفة للتأمل وللتعبئة، ولجمع القوى ولتحديد الأهداف في انتظار الإقلاع الحضاري، لأن عقودا من السنين، ليست بالفترة الطويلة، حينما يتعلق الأمر بمصير أمة وبمستقبلها ولأن البناء على القواعد القوية الراسخة، لايتم إلا بالأناة وبالنفس الطويل وبالتخطيط المحكم وبالأداة المناسبة والوسيلة الملائمة، وتلك هي شروط الإستنارة الإسلامية على اعتبار أن مقتضيات التنوير الإسلامي البناء على الأساس الثابت، والعمل على تطوير المجتمع بمنهج رشيد وبعقل راجح في ظل الثوابت العقدية والضوابط الشرعية. وأشار إلى أن العوائق كثيرة والمثبطات عديدة والصعوبات شديدة، ولكن إرادة العاملين من أجل مستقبل أكثر إشراقا للعالم الإسلامي، المستنير بالمنهج الإسلامي في البناء الحضاري لن تنال منها هذه العوامل جميعا. ولابد من التأكيد هنا على وجوب تطوير أدوات العمل الإسلامي المشترك في قنواته الرسمية، سواء على صعيد منظمة المؤتمر الإسلامي أو على مستوى المنظمات والمؤسسات الإسلامية العاملة في إطارها، أو الهيئات والجمعيات الأهلية ذات النهج السليم، إضافة إلى جامعات العالم الإسلامي التي تقع على عاتقها مسئولية العمل على إشاعة التنوير الإسلامي في كل حقول النشاط الفكرى والثقافي والعلمي على جميع المستويات. وهناك مسألة على قدر كبير من الأهمية، تتعلق بمجال التنوير الإسلامي وحدوده ووسائله. إن التنوير الإسلامي أشمل وأعمق وأرحب من أن ينحصر داخل حدود العلوم الشرعية، أو العلوم الإنسانية بوجه عام. ولكن التنوير الإسلامي عملية شاملة تعنى بكل مجالات النشاط العقلى العلمي والثقافي في حياة المجتمعات الإسلامية. إن الإبداع في العلوم والتفوق في التكنولوجيا هما من صميم التنوير الإسلامي، لأن في ذلك إعمالا لملكة العقل ولنعمة التفكير اللتين وهبهما الخالق سبحانه للإنسان. ولابد أن يكون العقل المسلم متفوقا ومتألقا ومبدعا ومشاركا في تطوير المجتمع ومعالجة مشكلاته وفي العمل على توفير أسباب التقدم له وكل سعى يقوم به الإنسان في هذا الإتجاه وكل جهد يبذله في هذا لمجال، هو من صميم التنوير الإسلامي ولأنه سعي تنويرى إسلامي ولأنه جهد تنويرى إسلامي أيضا يهدف إلى تطوير المجتمع وتقدمه وإزدهار الحياة من الجوانب كافة .

طباعة Email