بيان (2) ـ عطور عُمان والعالمية

عرفت العطور العمانية منذ حوالى خمسة عشر عاما, عندما أهدانى صديقى الحميم المثقف العمانى أحمد الفلاحى الذى وهب عمره لجمع الكتب و قراءة الكثير منها وكتابة أقل القليل رغم غزارة علمه وعمق ثقافته, إلا أنه أوتى تواضعا جما, ولى حديث آخر عن شخصه وصفاته, إلا أن ما يعنينى من أمره هنا, أنه فتح لى باب التعرف على عطور عمان, عندما أهدانى فى تلك السنوات النائية قارورة صغيرة جدا تحتوى على عطر بالغ التركيز اسمه (الماس), ما ان تنسمت رائحته حتى تعلقت به وصرت أتعامل معه كأنى حصلت على حجر الفلاسفة أو الدر الثمين الذى أخشى فقده إذا نفد. صلتى بالعطور جزء من شخصيتي, وتكوينى, وعنصر فاعل فى ذاكرتي, إذ أننى أتذكر الأماكن واللحظات والأشخاص بما ينبعث منهم من شذا وروائح, وبالتأكيد فإننى أدين الى القاهرة القديمة بتربية حاسة شمى تلك, فالروائح المنبعثة منها محددة, واضحة, قوية, يمكن أن تعد علامات على فترات أو أمكان. ما من مسجد قديم إلا وتنعكس من داخله روائح البخور والشموع المعطرة, والمسك والعنبر, وما زال السقاؤون فى مسجد مولانا وسيدنا الحسين يمرون على المصلين يحملون قرب الماء القديمة المصنوعة من الجلد العتيق, يمدون الطاسات المسطحة, فى الماضى كانت مصنوعة من النحاس, والآن من الالمونيوم, أجمل ما فى هذا الماء, رائحة الورد, فنطقه باللهجة القاهرية (الماورد) أى (ماء الورد) أو (ماء الزهر) نقطة واحدة منه تكسب الماء أبعادا شتى, وتبعث على راحة لا يمكن تحديد معالمها, أو أبعادها, يتفرع من شارع المعز لدين الله, الشارع الرئيسى فى القاهرة القديمة, شارع الحمزاوي, ويكاد يكون متخصصا فى العطور والشموع, أتردد عليه منذ طفولتى المبكرة, عم محمد النوبي, و هو أمهر من عرفتهم فى تحضير العطور وفك أسرارها, أتزود منه بما أفضله ويختصنى بتركيبات فريدة تحير أصدقائي من الأجانب, وأصفها مازحا بالغيطانى (بارفيوم). ترتبط العطور بالمساجد, والكنائس, ودور العبادة كافة, والى بلاد بونت رحلت القوافل البحرية المصرية القديمة بحثا عن اللبان الذى كان يستخدم فى الشعائر الدينية بالمعابد, وقد أخبرنى صديق عزيز متخصص فى الآثار المصرية القديمة أن ثمة شواهد عديدة تدل على أن بلاد بونت ـ المختلف فى موقعها حتى الآن ـ هى اقليم ظفار فى سلطنة عمان حاليا. لقد دونت الملكة حتشبسوت أخبار بعثتها على جدران معبد الدير البحرى الذى وصل الينا فى حالة سليمة, جيدة, ورسمت على تلك الجدران أخبارها , وتوجد لوحة بها شجرة لبان كما تنمو فى أرضها الأصيلة, وهذه الشجرة من نفس النوع الذى ينبت فى اقليم ظفار حتى الآن. زرت عمان مرتين, وفى كلتيهما رأيت هذه المساحات الشاسعة من الورود التى تنمو فى الريف والجبل الأخضر, ومن هذه الزهور, خاصة الورد, نستقطر العطور العمانية الشهيرة والتى ترجع الى أزمنة بعيدة جدا, وأنواعها متعددة وغزيرة أحار أمامها فلابد من دليل, لذلك أكتفى بالتعامل مع الذى أعرفه جيدا, الورد, العود, العنبر, وفى سوق مطرح بمدينة مسقط متاجر عطور جميلة تبدو مليئة بالأسرار, فكل قارورة تحوى سرا, وتنبئ بسر, فإلى من ستمضي, ومن سيتنسم عبقها؟ فى عمان تتركز أسرار وصناعة العطور الشرقية وليس العربية فقط, ربما يرجع هذا الى موقع البلد, فهى على صلة وثيقة بالهند وآسيا, حيث العطور شديدة الخصوصية ذات القداسة, وأفريقيا على الشاطئ الآخر, وكان لسلطنة عمان جزيرة زنجبار, كانت سلطنة عمان منطلقا وهدفا, فهى منطلق لأنها تطل على المحيط الهندى وبحر العرب, ومن موانئها أبحرت الأساطيل, وهى هدف لأنها مدخل الى شبه جزيرة العرب, ومكان كهذا تتفاعل فيه الثقافات والأجناس والموجودات ومنها العطور. الكحل, الحناء, ماء الورد الصافي, العطور بأنواعها, البخور المستخلص من اللبان, والخلطة الذكية التى تتكون من مجموعة المواد المعطرة, وبخور عود الصندل الغالى الثمن. من المواد اللازمة للزينة والضيافة التى تهتم بها سائر الأسر العمانية أيا كان مستواها الاجتماعي. لا يخلو منها منزل فى ريف أو حضر, الكحل عادة عربية, يحرص عليها القوم, خاصة العرب, وبالأخص النساء, والكحل ليس للزينة فقط, إنما يحمى العين أيضا من الأمراض, ويقى شعر الجفون ويزيده رونقا وجمالا. الحناء تصنع من شجر الحناء المنتشرة فى عمان, ويجرى تجهيزها بمهارة للزينة لتجميل لون الشعر, والنقش على الأيدي, أما ماء الورد فيجرى تقطيره فى عمان من الأزمنة القديمة, وينبت الورد بكثافة فى الجبل الأخضر, وعندما زرته عام اثنين وتسعين فى القرن الماضى بصحبة أحمد الفلاحى وصديقى الشاعر سيف الرحبى رأيت أوراق الورد المتساقطة تغطى مساحات واسعة من الأرض, وسكان المنطقة متخصصون فى تقطير ماء الورد, يستخدم من خلال مرشات فضية لتعطير الأيدي, أو لإضفاء مذاق جميل على الحلوى, وتركيزه لاستخدامه كعطر جميل, الى جانب العطر المستخدم من الورد, تستخلص عطور أخرى من العود والصندل والعنبر والياسمين واللبان, ولا يخلو بيت عمانى منها, تتعطر به النساء, والرجال, ومفارش البيوت, أشهر عطر للرجال هو دهن العود, ومنه أنواع, بعضها غالى الثمن, والغريب أن دهن العود يستخرج من شجرة مريضة, والحديث عن الدهن يطول. ويضعه الرجال على كفى أيديهم, وخلف آذانهم, وعلى كشكوشة الدشداشة العمانية التى يلبسونها لتبقى الرائحة العطرة التى تفوح منها لمدة طويلة قريبا من شم أنوفهم فى حالة العمل وأثناء المناسبات العامة التى يشاركون فى حضورها وتنتشر بكثرة الى جانب ذلك كله أنواع شتى من العطور التى أقف أمامها حائرا كما ذكرت, وكثيرا ما كنت أقول أن العطور العمانية لو أتيح لها قدر من الشهرة سوف تتجاوز العطور الفرنسية الشهيرة التى تلعب الدعاية دورا كبيرا فى ترويجها وارتباطها بماركات شهيرة أصبحت مستقرة لكثرة تردد أسمائها عبر أجهزة الاعلام الغربية المؤثرة وأخيرا أتيح لى أن أقف على البداية. منذ عام تعرفت على عطر عربى عمانى جميل وفريد, اسمه (أمواج), رأيته فى السوق الحرة بمطار روما, زجاجة من الكريستال الرائع على هيئة قبة صغيرة تحوى عطر أمواج للنساء, وزجاجة من الكريستال تحوى عطرا للرجال, على هيئة الخنجر العمانى الشهير الذى يتمنطق به الرجال ويعتبر جزءا من الزى الرسمى للسلطنة, الحق أننى سررت جدا بهذا العطر العربى الجميل, ورغم ارتفاع سعره آثرت أن أحييه بشراء قارورتين, واحدة لزوجتى والثانية لي, وأستطيع التأكيد إنه من أجمل العطور التى تعاملت معها, وفرحى به أنه بداية تسويق العطور العمانية العربية عالميا, والأصدقاء العمانيون أناس فى منتهى الحكمة والأصالة والمهارة أيضا, كيف لا وهم أهل بحر؟ لم يكتفوا بزهور عمان لإيجاد هذه التمويجة الفريدة التى تسهد فى إيجاد عطر (أمواج) لنقرأ المفردات: العطر مستقطر من زهور (الايلنغ) التى تنبت فى جزر القمر, وتم مزجه بعصارة الورد ذى الرائحة النافذة من المغرب, ورؤوس الأعشاب الدافئة لشجر الفص من مدغشقر, وعجينة الياسمين من مصر, إضافة الى البخور الممزوجة بالأخشاب النفيسة مثل خشب الصندل وخشب الأرز والفاباك من باراجواي. هذا عطر كونى بحق, أستقطر فيه العمانيون روح الكوكب من شرق وغرب, ولو تم التعريف به كما يجب لأصبحت عمان مصدرا لأجمل عطور عمان, لا أعنى (أمواج) فقط, إنما تلك العطور العمانية الصميمة فى قواريرها الصغيرة, الضامرة, والتى أقف أمامها حائرا, ثم أتجه الى ما عرفنى عليه صاحبى أحمد الفلاحي, دهن العود الجميل والذى أمس به ما تحت أنفى قبل نومى حتى يضفى على اغفائي صورا جميلة وأصداء رائعة ربما افتقدها فى يقظتي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات