الحضارة.. هل قضت على الأفكار الثورية ؟

بيان 2: انقطعت الكهرباء.. وهذا ليس حادثا نادرا ولكنه بدا واضحا لى هذه المرة, فلقد قطعت العمل لاملأ (استمارة) تجديد عضوية نقابة المهن التمثيلية. وما أن بدأت حتى ساد الظلام. وفى المرات القليلة، التى تنقطع فيها الكهرباء تعود بعد قليل, فأنا أسكن فى منطقة يسكنها أشخاص هي معروفة وبالطبع لست منهم وعندما سكنت فى هذا الشارع كان ومازال يسكنه الدكتور أحمد هيكل وكان وزيرا للثقافة ولذلك ادركت أن الخدمات لابد أن تقدم على أعلى مستوى حتى قابلنا مشكلة فى مواسير الشارع. وقابلت الدكتور هيكل فحدثته عنها, وبالطبع كان يعاني منها فهي طريقنا اليومي. وفوجئت بشكوى الدكتور هيكل من الخدمات. وأننا فى حمى فلان. وكان فلان هذا رجلا يسكن ناصية الشارع المجاور, وكان ذا نفوذ لا أعرفه لأنه كان يشتغل فى المحافظة. وعرفت يومها فقط أننا نعيش فى خدمات متقدمة بسبب هذا الموظف الذى لا يعرفه أحد لكن نفوذه أكبر بكثير من نفوذ الوزير. فأنا هكذا قال الدكتور هيكل مجرد وزير للثقافة. ورغم أن هذا الموظف قد مات, وأن الدكتور هيكل خرج من الوزارة إلا أن الحي مازال يتمتع بخدمات جيدة ربما لوجود موظفين هامين لا نعرفهم. ولذلك لم أتوقع أن يستمر انقطاع الكهرباء. وبقيت مكاني أحاول أن أتعرف على المكان على ضوء شعاع باهت يتسرب من النافذة فلا أكاد أميز شيئا. ولأول مرة منذ سنين طويلة أسأل نفسى لماذا أنا عضو فى نقابة المهن التمثيلية. حقا أنا أنتمى إليها لأن فيها شعبة نقد وتأليف مسرحى. ولكن هذه الشعبة لا تكاد ترى وسط زحام الممثلين الذين يملأون النقابة. ورغم أنني عضو بهذه النقابة منذ سنوات طويلة إلا أنني لم أشارك فى أي نشاط بها سوى نشاط الانتخابات, إذ يدفعني الحماس لبعضهم إلى حد الذهاب إلى حيث تجرى الانتخابات لأدلى بصوتى وانصرف فورا. ولأن الانتخابات تجرى عادة خارج مقر النقابة, فأنا لا أعرف حتى الآن أين مقر النقابة. ربما كنت أنتمى أكثر إلى نقابة المهن السينمائية. وتنبهت لأول مرة- أن كلا من النقيبين اسمه يوسف. وتذكرت أن الاطفال فى سن العاشرة وأقل معظمهم اسمهم يوسف. ولقد حضرت عيد ميلاد لطفل منذ فترة قريبة, ورأيت مدى إنتشار الاسم. يأتى إلينا طفل باك ويقول ان يوسف يضربه. فتسأله أمه : يوسف حسين أم يوسف عادل ؟ وتقول أم لصاحبتها : من فضلك هل رأيت يوسف خيري؟ كما لو كانت الأسماء انتهت. وكما لو كان يوسف اسم جديد. وأنا أحد اجدادى اسمه يوسف ! وتنبهت إلي شيء هزني تماما, وهو أنني في لحظات فكرت فى مدى ضرورة انتمائي للنقابة, وفي اشتراك نقيبين فى اسم, وفى مدى انتشار اسم يوسف بين الأجيال الجديدة. وما كان يحدث هذا لولا الظلمة التى سادت المكان. وتساءلت هل الكهرباء تمنع الإنسان من التفكير ؟ إننا نستيقظ ولدينا جميعا إحساس بأننا تأخرنا فى الاستيقاظ, ونجرى إلى أعمالنا, وندخل فى معترك الحياة, فإن عدنا إلى بيوتنا نلقى بأنفسنا إلى أكثر أنواع المخدرات إنتشارا وهو التلفزيون يصنع لنا العالم الذى نريده, نبحث عنه إذا لم نجده بلمسة على (الرموت).. ونحملق فى عالم يضحكنا ويبكينا ويقنعنا أنه عالم حقيقي. ليس لديك فرصة أن تفكر. ففى الصباح يشغلك الذين تعمل معهم ثم زوجتك وأولادك ثم التلفزيون. ولن نجد فرصة للتفكير إلا إذا انقطعت الكهرباء. طول يومك وانت تفكر, لكن جزءا مهما من عقلك معطل وهو الذي يتأمل ! أذكر أنني ذهبت ذات شتاء إلى شاطئ المعمورة بالاسكندرية لأتفرغ لعمل هناك.. وللذين لا يعرفون هذا الشاطئ هو صيفا من أغلى الأماكن ولكن شتاء لا يعيش فيه أحد إلا نادرا. ويحيطه سور وبوابة تمنع أن يدخله غير سكانه. ولذلك عشت فيه حياة هادئة. بالطبع كان فيها تلفزيون. وذات يوم تعطل التلفزيون, فجلست فى الشرفة أمام البحر الهائج أتأمله, وإذ بي أدخل اللحظة التى حرمنا منها وهى لحظة التأمل, لاكتشف سخافة العمل الذى أقوم به, فقمت وأنزلت أشيائي إلى السيارة, وعدت إلى القاهرة. ألا يذكرك هذا بعالم جورج أوريول ومن تبعه فى تخيل عالم يتحول فيه البشر إلى آلات تسمع وتنفذ فحسب. ألا يذكرك هذا بالفيلم السينمائي 451 فهرنهايت للسينمائي الفرنسى الفذ جان لوك جودار. ولم استطع أن أنتزعه من ذاكرتى رغم أننى شاهدته منذ أكثر من ثلاثين عاما. وقد تحول العالم من حضارة الكلمة المكتوبة إلى حضارة الصورة. فصارت الكلمة خطرا لابد من مقاومته. وأصبحت السلطة العليا فى الدنيا للاطفائيات, فهى التى تتولى حرق الكتب. ذلك أن بعض المتخلفين مازلوا يحتفظون بالكتب ويقرأونها وهؤلا ء مصيرهم السجن. لكنهم. يهربون إلى الغابات. ولأن الكتاب معرض للمصادرة والمطاردة, فلقد قرروا أن يحفظ كل منهم كتابا. وهكذا يتحولون إلى (الفرسان الثلاثة) و(المدينة الفاضلة) و(ألف ليلة) وضحكت من الفكرة عندما رأينا الفيلم لأول مرة. وأعجبتنى كفكرة غريبة. ولكن ها نحن الآن اسرى الصورة, التلفزيون كان ساعتها قناتين, وفى منتصف الليل يعزف السلام الوطنى وينام. أما الآن فهو أمامك 24 ساعة. ليس هذا فقط بل انك تستطيع فى كل لحظة أن تأتى بما تريد بمجرد لمسة هذا بالضبط ما قدمه جودار وأدهشنا به. تسألنى زوجتى هل قررت فعلا أن تذهب إلى روتردام فى مارس ؟ واستمر فى متابعة الفيلم وأقول لها : لم أقرر بعد نتحدث فى الصباح. ويتكرر هذا كل ليلة. لا نتحدث صباحا لأننا نعمل ولا نتحدث مساء لأننا نعيش فى التلفزيون. وأسأل نفسي لأول مرة : هل الحضارة ضد الإنسان؟ وفعلا هى أول مرة أسأل نفسى فيها هذا السؤال, فلقد نشأت بثوابت منها الإنحياز للحضارة. ومازلت بالطبع منحازا لها. لكننى أتساءل : اليس لكل شيء جانب خير وجانب شرير!؟ والحلول أن أحدد معالم الغرفة فى الظلام. أعرف أن (الفاكس) صفى هذا الركن. لا أميزه. ولن أستطيع أن أميزه في هذا الظلام فلونه أسود. واربط بين الفاكس وبين سؤالى السابق. كنت قبل شرائه, أرتدى ملابسي, وأنزل لأرسل الفاكس الذى أريد إرساله, وأذهب به إلى مكتب قريب من البيت وأتبادل الحوار مع موظفي المكتب. عرفت منهم خريج كلية الآداب قسم فلسفة الذى برع فى إصلاح الأجهزة الالكترونية وعرفت منهم الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين ومع ذلك تزوج ثلاث مرات. وعرفت منهم الكهل القلق على مصير العالم لأنه يظن أن القشرة الأرضية تعدل أوضاعها الآن الفاكس فى نهاية الغرفة, وأصبحت أكثر كسلا من أن أذهب إليه, فأكلف أحدا من البيت أن ينوب عنى. كل شئ تقدمه الحضارة لا تستطيع الاستغناء عنه, وفى نفس الوقت يجمد منطقة التأمل فى عقلك. والتأمل مرتبط بالخيال. ولذلك فنحن ندخل إلى عالم أوريول.. قطيع يسير لا يعرف إلى أين يذهب. وأخ أكبر يقود كل هؤلاء. ولا أدرى هل يرى الأخ الأكبر التلفزيون ويستخدم أدوات الحضارة, لأنه لو فعل سيفقد ما يميزه عن الآخرين. وكما المحت ما تستدرجك الحضارة لاستخدامه لن تستطيع أبدا الاستغناء عنه. أعرف صديقا من اعرق الأسر وأكثرها ثراء, لم يكونوا يستخدمون فى بيتهم الغاز, ذلك أن والده كان يخشاه فكانوا يستخدمون الكيروسين حتى مات الرجل. وبالطبع اليوم لا يستطيعون الاستغناء عن الغاز. لو أننى حدثتك عن أهمية (س) لك لما كان لذلك قيمة. ولكن تصور أن (س) هذه هى الانترنت. أنا حتى الآن لم استخدم الانترنت وحياتى تسير والحمد لله. ولكننى أظنني سأستخدمه خلال الأسابيع القادمة. وأعرف أنني لن استطيع الاستغناء عنه. وأننى سأتساءل كيف كنت أعيش من غير انترنت. ودهشت من قدر الافكار الغريبة التى جاءتنى وأنا جالس فى الظلام. وفجأة تفجر داخلى سؤال هائل : هل قضت الحضارة على كل الأفكار الثورية! وعادت الكهرباء قوية حتى أننى أغمضت عيني فلقد أعشى الضوء عيني.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات