قصة الاسبوع: تـغـريـبـة بـن خـربـة

بيان2: (ابن خربة سيتزوج سونية القرعاء) سرى الخبر في النهج سريان النارفي الهشيم.. كأن رؤوس الناس اذ سمعوا به, مهشمة هاماتها بالهراوات.. ومع ذلك كنا آخر من سمع به.. هل قلت كنا؟!.. نحن الذين تفرض طبيعة عملنا ان نعرف كل شاردة وواردة من النهج.. ان نسجل بالصوت والصورة كل الحركات والسكنات.. ان نقدم في التقرير اليومي تصورا واضحا عن الوان ملابس عرب النهج.. كل ملابسهم.. ان نجعل كل واحد منهم يبصم بأصابعه العشرة على تفاصيل دقائقه الرتيبة.. على اسم الحبيبة.. مرابع صباه.. ان يدور في دهاليز نفسه الامارة.. قلت كنا.. اما ا لآن فقد انسحبنا إلى الهامش.. ويمكنني ان اكون اكثر دقة من ذلك لاقول انني ومجموعة الاعوان في النقطة قد اصحبنا بهذه الطريقة.. مجرد كومبارس.. على مسرح العرائس في حين تحول عرب النهج من تحت اقدامنا إلى جموع من الكراكيز الشاردة.. كراكيز تتخبط هائمة على وجوهها وسط دروب الحياة النازحة.. لاحسيب ولا رقيب.. وفجأة وعلى حين غرة منا انسرب ابن خربة على المسرح كما تنسرب العفاريت من القماقم.. راكضا يذرع النهج وسط القعقعة والعمائم.. اصبح على كل لسان.. ذهب.. جاء.. عرس ابن خربة.. طلاع الثنيات.. عنترة الوقت.. حتى حوائط البيوت المتصدعة تحاصرنا.. تستفزنا.. الفحم المتخثر على جدران السلخانة يتحدانا.. قلت بعد ان جمعت الاعوان جميع عرب النهج مسجلين عندنا باعتبارهم حالات خطرة.. مشبوهين مع مرتبة الشرف.. اسمه غير مسجل هنا.. ماهو عملنا اذن؟ بدلا من ان تقتادوه ذليلا حقيرا ويرفسه احدكم تحت قدمي.. تحولتم بقدرة قادر إلى حكماء ودراويش (سيدي لا تصدق كل ما تسمع, وصدق نصف ما ترى).. (سيدي السنة الخلق اقلام الحق).. (سيدي..) قلت بعد تفكير عميق: ما الذي يتحتم علينا فعله للقبض عليه؟ نقتاده هنا إلى النقطة.. يأكل وجبة دجاج محمر.. نجعله يبصم على اعترافاته.. من يكون؟ من يقف وراءه؟ نشرحة.. نملحه.. قلت: احتنكوا عرب النهج.. سأريهم النجوم في رابعة النهار.. سأجعل نهارهم ليلة طويلة.. يغطي ظلامها لسان الفتيلة.. ألف شموعهم في عباءة ليل ضرير طويل.. اخرس انفاسهم في السيول.. قلت بعد تفكير عميق: ارمهم بالتقسيط المريح إلى المحارق.. اجلل احلامهم في المشانق.. لابد ان يخرجوه.. انا اعرف انهم ضالعين.. اعنيكم.. لا أستثني منكم احدا.. حتى عمي البكوش.. ذاك الذي تعرفونه.. بشحمه ولحمه.. تورط في الحكاية.. وفتحنا له هنا في النقطة ملفا خاصا.. هذا الملف الازرق الذي بدأت الاضبارات تقرع ابوابه تباعاً لان الخير سابق.. تدلى عمي البكوش من بوابة النهج عند قهوة بونخيلة والعربة تلهث امامه, وظل يوزع القهقهات حتى النهاية مقابل بيت الغولة.. وكلما احتسى الزبائن كؤوس الشاي واستفواحبات الفستق.. يعيد هو غسل الاكواب.. يجففها.. ويضعها مكانها على مائدة العربة.. ينفخ الكانون مرة أو مرتين ويرمي قطع العشرين اوقية في قارورة الفستق الزجاجية ويدفع العربة إلى المحل الموالي.. ابتسامته اليوم كانت مقرونة في كل مرة بحركة طرب لها الجميع.. يضم اربعة اصابع بقوة إلى كفه.. يفرد السبابة مشيرا إلى بيت الغولة.. ثم يهوي بها إلى الارض في نصف انحناءة حادة.. يزم شفتيه بقوة مجعدا انفه تجعيدة خاصة.. ووسط ذهول عرب النهج يقوس السبابة في شدقه.. يقوس ويقوس والقهقهات تشيعه.. لقد بدأ الموسم.. بدأت المسخرة على ايقاع كؤوس الشاي والفستق.. وعندما وصل السلخانة نضب الابريق, فتدلى منسربا مع النهج لا يلوي على شيء, وقعقعة العربة امامه.. القهقهات عن اليمين وعن اليسار.. وحين واجه بيت الغولة تحول إلى الرصيف الايسر من النهج وغاص في الجموع المتجهمة, وغاصت الجموع في الشارع, وغاص الشارع في ميدان الشهداء.. قلت: ميدان من؟!.. تثاءبت حافلة ثانوية سكينة.. ساحت الزهور البرية.. نفس القامات.. الملاءات الزرقاء ذاتها.. الاعاصير المختبأة في الاكمام.. طلبية واحدة تنداح متذاوبة في اقبية النهج وسط الهمسات (ابن خربة سيتزوج سونية القرعة).. مقابل شباب السلخانة قوست احداهن يديها امام وجهها.. فغرت فاها على آخر مقاس.. طرقعت مع الاخريات (لنهرب جاءنا ابن خربة).. وعند النهاية دخلت اخر واحدة في الباب المقابل لقهوة بونخيلة.. حيث كانت باقة من اطفال النهج تمارس لعبة جديدة.. يجتمع البراغم.. يغنون.. يشتجرون.. يتلاطمون بالايدي على الوجوه ويبدون الحرد.. ثم تبدأ جولة مصارعة, ويصبح الطفل الفائز على الجميع هو ابن خردة)... يجلس بجانب احدى الزهرات فيما بقية الاطفال يرقصون ويحتفلون بنزق.. ثم يصار من حين لاخر لقلب الطاولة واعادة اللعبة, ومن يفوز يصبح هو (ابن خردة) الجديد, ويجلس إلى جانب زهرة اخرى ليلعبا لعبة ابن خردة وسونية القرعة.. قلت للاعوان: كيف حالكم الآن؟! ماذا تريدون بعد هذا؟ الخلق غزا الفضاء ودخل الالفية الثالثة ونحن عاجزون عن الامساك بشخص له ارتباطات غير واضحة؟ وكلما عادت دورية عادت اخيب من اختها: (سيدي لم نجده...) (سيدي بحثنا كل اقبية النهج.. كل الدهاليز.. الثنايا والطوايا.. سيدي دخلنا إلى شعاب الحنايا.. المعارج والمهالج.. حسنا.. تبخر.. طار.. حسنا استمروا هكذا حتى نطير جميعا من هذه النقطة بعد ان يصل خبر التغريبة إلى الجهات المختصة وحين تسألون في الملف اليومي تقولون لا نعرف هذا لابن خربة.. بلاغة الاضبارات والجمل الممططة لا تعني شيئا عند هؤلاء.. من يضمن مثلا رد فعلهم اذا قرأوا هذه الاضبارة (اما سونية نفسها فقد كثفنا حولها المراقبة.. كانت جالسة طيلة اليوم في السلخانة وكأن الامر لا يعنيها في شيء.. وهنا يجب علي ان اعترف لكم سيدي بأنني استشهد من اضبارة وردت إلى هذا الملف.. ملف طبيعة المواد التي تتاجر فيها سونية.. بعضها سجائر وتبغ مطحون تضعه على البساط الذي تجلس عليه بصبر.. والبعض الاخر ــ حسب المصدر ــ موزع على اقساط صغيرة.. ويبقى تحت الغطاء لا تبيعه الا لزبائن معروفين في السلخانة.. المهم: (سلوك سونية اليوم كان مريبا على اقل تقدير.. التنين اليوم آثر ان يلعب دور عروس البحر.. من بداية التغريبة إلى نهايتها وهي مقرفصة في براءة كمن لا يعنيه الامر.. اطراقتها ساهمة كمن يفكر في المستقبل لها تفسير واحد معتاد في مثل هذه الاحوال هو القبول.. القبول كان التفسير الوحيد فيما نرى.. وحتى قبل ان تصل نوبة التغريبة ذروتها. حين هوش ذياب الحناش عليها بمزماره ممازحا (ياعروس النهج).. نقطته بسيجارة لفتها عن طيب خاطر مبتسمة.. صحيح ان الابتسامة كان فيها شيء من التكشيرة.. وكانت على كل حال مروعة.. التقط ذياب الحناش السيجارة بشفتيه.. وعاد بحركة اكروبات لوسط الحلقة.. تدفقت الكراكيز.. أهلاً أهلاً.. في هذه اللحظة وعلى حين غرة منا قفز بوزيد البلهوان قفزات متتالية في منتصف الحلقة ممسكا بعصاه كحيلة.. ازداد التصفيق.. تدفقت الكراكيز حوله.. قفز على رجل واحدة وعقف الاخرى في الهواء.. اما الطبل فكان يسبح على بطنه لاعبا لعبة شد الحبل مع الحمائل الجلدية المتشبثة بمنكبي بوزيد البهلوان بهمة.. هز الجدائل الشعثاء بقوة على ايقاع الطبل ومزمار ذياب الحناش.. الغدران الفاحمة تنساح وسط الدخان الاشهب على منكبي الذئب الاغبر.. بدأت اقدام الكراكيز تتحرك تلقائيا مع الايقاع.. تدفق العشرات من جهة قهوة بونخيلة.. اللعنة على البلاغة.. (وهذا أمر متوقع فمن يرضى ان تفوته تغريبة ابن خربة في عرضتها الأولى؟! وفجأة حدث كل ما كنا نتوقع.. بدأت التغريبة: حين هوش بوزيد البهلوان بعصاه تهويشة واسعة في الهواء (آس.. آس) فصمت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير: بالله يا حاضرين صلوا على النبي وكل من صلى عليه ربه هداه تدثرت الزعاريد بالهلاهل.. هاج الراقصون وماجوا.. اختلطت الابدان, وفي المنتصف كان بوزيد البهلوان يبارز ذياب الحناش.. وكلما ضرب الكوزبالزير.. (في التقرير: كلما ضربت كحيلة بالمزمار).. يراوحان رجيلهما وعرب النهج مدورين حولهما.. الايادي العليا تهوي على السفلي.. تسحق طواحين الهواء.. موجة تصفيق لم تشهدها السلخانة ولا النهج.. سأقول: لم تشهدها المنطقة قاطبة.. واستمرت اسماط الزجل.. لا يفصل بين دفقها سوى العملاق البرونزي حين ينتصب آمرا (آ...س) والكراكيز تقبض على روي كل بيت وتردده و(زيد يابوزيد).. ومن حين لآخر تنتشر اسماط جديدة.. فيما يبدو انه تجل شعري جديد... أبوزيد امتطت رأسه ربات الشعر فطفحت مغانيه.. طالت النوبة واستطالت.. وسمعنا مقاطع من تغريبة بني هلال التي اعتاد بوزيد ان يجمع بها المال قبل ظهور ابن خربة في النهج.. وقبل انتهاء النوبة هوش بكحيلة في الهواء بحركة نصف دائرية.. (آ...س).. بيض عينيه في السماء.. حفز نفسه بصوت مسموع.. بدأت الكراكيز تتفرق منهكة في النهج.. ارتفعت مجادلة في السلخانة حول آخر مباريات الدوري.. (اما بوزيد البهلوان فقد امتطى كحيلة.. حفزها بهمة.. راحت تعلك لجام ذكري التغريبة.. والقبضة البرونزية تعاند اللجام.. الكراكيز توسع الطريق.. (وسع وسع.. هاهوجا).. وبوزيد مغتبطا بما تحصل عليه اليوم في جرابه, يكافىء الكراكيز بحمحمة كحيلة وآخر الاسماط: كحيلة يارفاعة الاثقال يازهو البال عليك فارس من اولاد هلال مع كل هذه التفاصيل.. البلاغة المتخثرة.. الحبر المسفوح.. مازلت لم اعرف حقيقة ابن خربة.. وحين قارنت اضبارات الاعوان.. تقطعت خيوط التغريبة جميعها عند ثلاثة اشخاص: عمي البكوش.. بوزيد البهلوان.. سونية القرعة.. قلت: عمي البكوش طوي الله فمه على الصمت من اليوم الذي فتح فيه عينيه على الدنيا. ويطوف النهج بائعا فقط.. لا احد من عرب النهج يعرف اسمه الحقيقي.. ولانه لا يثرثر بصوت عال مثلهم سموه البكوش.. من حسن الحظ ان كل اخرس هو اصم ايضاً.. فكرت: اذن كيف سمع بالتغريبة حتى يصبح أول من شغب بها في النهج؟ رآها فيما يرى النائم تلك كانت الاجابة المنطقية الوحيدة.. توقفت كثيراً أمام ملاحظة عابرة وردت في تقرير احدى دوريات العسس اثر عودتها من حظر التجول.. (رأينا في الهزيع الاخير ظلا يتحرك في ضمير اضاءة النهج الخافتة.. كان يتسلل على رؤوس الاصابع مقوسا ظهره.. تابعناه طبعا.. كمنت مفرزة الهاون في السلخانة.. حين اقترب من احد الاقبية التصق بالحائط.. كانت قطة فاسقة تعكر صفو المكان بزعيق السفاد.. تعلك ذيلها وتقعي.. تعلك ذيلها وتقعي.. تحرك الظل مع الايقاع.. يبدو انه يعاند اعصارا ساحقا.. اشتبكت الاشياء مع ظلالها.. وعندما دخلت النوبة حدود محمومة, ارتفع نباح السلاقي من الاقبية.. وسرى الهرج والمرج.. جميع الاعوان.. كل المفارز.. لا جديد.. كثفوا البحث.. مفرزة الهاون مقابل قهوة بونخيلة.. انتباه عسس الهاوية عند مدخل الشارع.. تمام.. حول.. جمعت الاعوان: مبروك عليكم الآن؟.. كنا نبحث عن مشبوه واحد, وأصبح عندنا الآن مطلوبان.. ابن خربة.. ومشبوه خيال الظل.. والبقية تأتي.. (سيدي كل الخيوط تقطعت عند عمي البكوش.. عند بوزيد البهلوان.. عند سونية القرعة.. عند العفريت الاحمر الطالع بقرنيه من قمقم النهج كالفزاعة, دعونا من هذا التخريف.. (سيدي سمي (..........) لانه اصلا التقط رضيعا من قماط خرائب النهج.. عندها عرف الجميع قصة امه.. المهم: في سن الدراسة كان الوالي جان بلات يرغم اطفال النهج على الدخول في مدرسة الارسالية, فدفعه احدهم للوالي بدلا من ابنه.. حسنا ثم ماذا بعد؟ هذا كل ما نعرف من اين عرفتم هذه التفاصيل التي تحسدون عليها حقا؟!. سمعناها من احد المسنين من قالها له؟ عمي البكوش دعونا من هذا التخريف.. لينفرط عقدكم الآن من أمامي.. وليؤدي كل منكم ما أوكل به.. الأمور أصبحت تقتضي تدخلا جديا وحازما.. لابد مما ليس منه بد. حتى لا تلتهمنا العاصفة.. وما ادراكم ما العاصفة؟!.. حلم الاخرس: قلب عمي البكوش يده في الهواء حين اشرت له مستفسرا عن الحلم الذي اشيع انه رآه وكان الشرارة الاولى لزواج ابن خربة.. رسمت يدي في خربة في الهواء.. وفردت الثومة العليا من سبابتي ورفعتها بقوة, ثم شقلبت يدي في الهواء إلى الخلف.. يبدو انه فهم المقصود, فسدر مبتسما وبدت عليه علامات المرح.. لم افهم.. شجعه مزاجه الرائق اكثر على الامعان في التحدي والافتراء.. جلس على الكرسي الوثير يميني دون استئذان.. هذا هو جوابه الوحيد عن سؤالي.. قررت ان امسك بزمام المبادرة هذه المرة.. كورت يدي جيدا ووضعتهما على صدري مفرجتين شيئا ما ثم حككت برؤوس اصابعي شعر رأسي بحرقة.. وعندما هز عمي البكوش رأسه متأففا.. شقلبت يدي مسائلاً.. ابتسم وفرد سبابتيه وجعل يحكهما احداهما بالاخرى.. عرفت أنه مازال يناور ولا يريد ان يعترف باسم صاحبه.. وكان لابد من تغيير من تغيير الطريقة.. دخلت رأسا في الجد: زغردت ورحت اوقع بالسبابة على شدقي المنفوخ.. هنا مد يده في طيبة وربت على يدي واشار بأصبعه إلى السماء في ضراعة.. ارتخت عينه وابيضت حدقته.. قلت: رجل صعب.. الذئب الاغبر مازال يرفض الاعتراف باسم صاحبه.. غيرت ملامح وجهي.. عقدت ناحيتي وزممت شفتي بقوة كأنني اكز.. كنت في الواقع اطبق بفكي السفلي على العلوي.. اضراسي تكاد تتكسر.. وسمت جبهته الباردة بسبابتي.. وحين حملق يتملاني مررت شفر يدي على رقبتي.. ظل ساهما كأنني لا اعنيه.. الححت على رقبتي فقرر ان يخرج عن صمته واشار بالخنصر إلى الارض وبصق بخفة.. فهمت انه يستعيذ من الشيطان.. هذا أول الخير الذئب الاغبر يتعوذ ليتبرأ من صاحبه.. يبدو انه الف النقطة.. اخذ يجوس في المكتب الاغبر يتفحص كل وسائل الايضاح: العصي.. الكرابيج.. الحبال.. الفلقات.. واخيرا وقف عن يميني يتملى الصورة المبروزة عند ظهري.. هذا أول الخير.. بدأ يلف حبل النهج حول رقبته بيده.. ذنبه على جنبه.. في التقرير سأكتب (بما كسبت يداه).. اطرق كمن يفكر في المستقبل.. ارسل رأسه بين كفيه.. دلفنا بعد ما فتح الاعوان الدهليز.. مع اقتراب درجات السلم من القاع راح يلهث.. فتحت انارة اضافية.. كان بعض الزبائن مازالوا يتلوون بحرقة.. يتلمظون بقية وجبة دجاج محمر اكلوها بالهناء والشفاء.. وقفنا في منتصف الدهليز.. الزبائن الان مثلهم مثل مجموعة نزقة من الدمي على مسرح العرائس اثناء النوبة.. لم يخف استياءه.. اشار بالسبابة فوق.. بصق قليلا واغمس الخنصر في الارض.. عندما صعدنا درجات السلم عرفته على عريف الدهليز الذي كان يدندن بصرير الابواب والسلاسل.. كشر في وجهه واشار إلى عتمة الدهليز واخذ يجلد الهواء بسبابته.. الذئب الاغبر ظل ساهما وان لم يخف استمتاعه بهذه الحفلة التنكرية.. هز رأسه مؤمنا.. دخلنا المكتب.. ملأت فراغات المحضر.. ادنيته من الطاولة.. رسمت خطا مستقيما تماما وعقفت ابهامي للوراء.. ثم رسمت خطا معوجا واشرت بسبابتي الى الارض.. تذكرت عصاي المعقوفة باسطة ذراعيها بالوصيد.. اخذت اهش بها على الخط المعوج.. لكن عمي البكوش لم يع اهتماما لدرس الخطين.. ظل ينقل عينيه بين الصورة عند ظهري والعصا.. وحين نقر بسبابته عقفة العصا فهمت الانشوطة التي يريد حياكتها حولي.. قررت ان اعالج الامر بطريقة مبتكرة.. قلت: احرقه في اعين عرب النهج.. اجعلهم يعتقدون انه احد الاعوان.. كانت الابتسامات تشيعنا.. وقرب السلخانة على مرأى من جميع العرب قبلت رأسه وربت على منكبه: (مع السلام).. وفي المحضر سجلت (لم يقوس اصبعه في شدقه. وانما خلف عينه فوق عظمة الحجام). ابوزيد البهلوان في بيت الغولة: رجل حسن الصنع عضلاته مفتولة: يصلح حمالا اوزبالا او اي عمل شريف اخر, يستحضر في اذهان عرب النهج صور الابطال.. كبار السن يشبهونه بأبي زيد الهلالي.. الصبايا والشباب يعتبرونه ابا عنتر.. اما هو فيعتبر نفسه شاعر زجل.. مداحاً في الموالد.. تاجر أوابد في السلخانة.. قطب مجاذيب الشاذلية: فكاهي.. جوال دون هموم.. رجل كل المواسم.. وحين اقتحم علي المكتب وانصرف الاعوان.. بدا كأنه هو من ارسل في طلبي.. كشف عن ذراعيه المفتولين ارسلهما إلى وسطه: نعم سيدي لماذا اخترت هذه الايام ان تكون شاعر زجل؟ لست شاعر زجل والتغريبة التي ترددها منذ عشر سنوات في السلخانة اليست من جنس الزجل؟ هل افهم انني متهم بقول تغريبة بني هلال؟ انا من أسأل: نعم متهم ونصف هذا خبر سأعلنه الآن في السلخانة بعد خروجي. خروجك انت لن تخرج من هنا ان لم تعترف اعترف بماذا سيدي بأنك قائل التغريبة الم اعترف.. سجلوا انني قائل التغريبة.. سجلوا انني اطلقت شائعة لدي النعمان عن اخلاق زوجته.. وأنا ذياب بن غانم.. انا الجازية.. انا حسن بن سرحان.. هذه رأس الزناتي خليفة.. هل ارتحتم الآن سيدي؟ ابصم هنا.. هاك العشرة وان رأيت من المفيد ان ابصم بما هو أكثر فقل ولا تكني. حسنام وقد اعترفت بأنك قائل التغريبة اجبني بصراحة: ما هي حقيقة سونية القرعاء؟ لا احد يعرف (عجوز شريرة) وجه نحس هذا ليس وقت الابتسامات العراض: من اين جاءت للنهج؟ لا احد يعرف (ظهرت فجأة في النهج تبيع اشياء (....) انا انصح.. هي تزيد بتخريفات عن اسلافها المزعومين, وحينما تفاخر بأزواجها الملونين.. وتتحرق على ابنها المفقود.. سيدي لعنة الله عليها وعلى ابنها.. السؤال الموالي.. بوزيد اسمعني جيدا.. صبرنا عليك كثيرا.. شاعر جوال قلنا نعم.. فكاهي مرح قلنا نعم.. احد الضالين قلنا آمين.. ولكن ثمة حدود لكل شىء.. نحن وصلنا الآن اللحم الحي.. تعال معي... هل رأيت عرب الدهليز؟ رأيت ذلك الذي يتلوى في الزاوية السفلى.. ذلك المتكور على نفسه مثل (الدجاج المحمر).. انا في النهاية معجب بأزجالك.. لا اريد ان تأكل ما أكلوا.. انظر إلى هذا الخط المستقيم.. وهذا الاعوج.. اذا استقمت معنا واعترفت بكل شيء فستخرج من هنا.. اخرج؟! دعني أكمل.. تخرج بدون عاهة مستديمة في قدميك.. لن تستضاف في الدهليز.. اما ان آثرت الخط الاعوج.. انظر إلى هذه العصا المعقوفة.. ستكون كالمطرقة. والسندان؟ انا من اسأل.. السندان قدماك ما المطلوب؟... ياسيي الحسن الشاذلي الغوث الغوث. المطلوب بالضبط ان تدلنا على ابن خربة. هل تصدق عرب النهج.. انا لست مجنوناً ولا مجذوبا المهم انك (مج).. هل تفكر انك تعرفه؟ اين التغريبة.. والشعرالملحون والرقص في السلخانة (ياناري آه.. ياناري)؟.. انت من حشرت نفسك في المشكلة.. انت من اخترت الخط الاعوج؟ هل تريد ان تعرف كل شيء.. ناولني العصا.. هذه العصا معقوفة من أين؟ من فوق..! اتفقنا انت مجذوب... القانون لا يحمي المجاذيب... هنا يبدو ان بوزيد فضل قناع المجذوب على المجنون لكي يتستر على صاحبه ابن خربة.. وكان علي ان اقفل المحضر لاتفرج على عرض تنكري.. دخل بدون مقدمات نوبة جذب حادة.. احمرت عيناه.. قفز يذرع المكتب.. ارسل لحيته بين كفيه المقفرتين.. اخرج خرقة خضراء ليدلل على اعجابه بمجاذيب القادرية.. انداحت الازجال.. استغاث بالصالحين (الغوث.. الغوث) ياسيي الحسن الشاذلي).. وعندما خرج إلى النهج سمعت لأول مرة على الطبيعة مقاطع من التغريبة بعيدا عن تقارير الاعران واضباراتهم المقعرة: قالوا للجازية بنت الهلالي ماهي علامات كبير النواجع قالت سعة الباع والجود والعطا واغاثة الملهوف وحمل المواجع وعندما احتشد عرب النهج حوله.. ونحن واقفون واصابع الاعوان على الزناد.. رماني بنظرة أمام الجميع: وثلاث شمايت منهن عروضنا نظايف ذبح الهفايف وعين الجفا للملهوف والخايف... وقبل ان يغوص لوح بالطربوش (إلى اللقاء) قريبا يا (...).. لم اتبلغ من الاسم السبة الذي ودعني به... غاص وسط الكراكيز.. غاصت الكراكيز في النهج.. وغاص النهج في السلخانة.. اوديب يلتقي بأبي الهول: لقد عقلت الخنصر والبنصر وبقيت الآن السبابة: سونية القرعة.. عرب النهج لا ينزهون احدا, واحضار احداهن أمر مخفور بالشبهات رغم كل شيء.. اذهب شخصيا لاستنطاقها في السلخانة, ذلك هو الحل المنطقي الوحيد.. زيارة ابي الهول ليست لحظة هانئة.. سفنكس لا ينطق ولسان سونية نار موقدة كلسان السعلاة.. ذاك فرق وحيد.... الجلسة نفسها.. مشاكسة الاغراب.. النظرات الدهرية ذاتها.. لوجئت بزي مجعلك لا أضمن الاسم الذي ستطلقه علي, بالقيافة الرسمية ستكون تلك النهاية (الحكومة وصلت).. هذه العجوز لم تطلق على احد اسما الا آنسه في القبر وتوارثه احفاده ابا عن جد.. عندما تتبعنا تغريبة (بيت الغولة) اتفق جميع الاعوان: (سونية أول من سمى نقطة الدرك الوطني بيت الغولة.. اول من سمى ساحة الحزب السلخانة.. ماذا ستسميني يا ترى؟! لست اعور حتى تغمز (عقله واحد) (تكرم عينه).. لست اعرج.. لست اقرع.. لست طويلا.. لست قصيرا.. توكلت على الله.. اجمل ما املك بدلة العرس المصونة.. مازالت في الدولاب تتحدى غبار السنين.. تأكدت من موقف زهرة اللوتس والفراشة المتعلقة برقبة القميص... لقد فتح الله علي: لن أسألها رأسا عن هوية ابن خربة.. نخوض في حوار ماكر حتى اضع يدي على كل شيء.. أهلاً أهلاً.. أبو الهول يجلس اليوم على كنبة.. مفزع حقا.. العينان تدفق منهما الكحل على المحجرين.. الفم خرج للتو من بطن حيوان مغدور.. المفترسة تكشر.... ويمكنني ان اكون اكثر دقة من ذلك لاقول ان الشفة العليا ارتخت تدريجيا إلى أعلى كاشفة عن طقم الاسنان.. تجعد الانف.. وضعت شفر يدها امام جبهتها, وحين صبحت وسط الهرجة وخصومة الكراكيز المتحلقة حول طاولة الدامة.. وبرطمة متسكعي السلخانة ومشجعي الدوري, لم تجب, اعدت بصوت عال: (صباح الخير).. فردت السبابة وثبتتها وراء محارة اذنها, (الحكومة وصلت).. لكي اكتسبها جلست على طرف الكنبة, ابتسمت.. اما ما حدث بعد ذلك فلا يمكن لاحد ان يتوقعه.. غمزت بطرف لاحد الكراكيز, وفي ثانية حضر بوزيد البهلوان وذياب الحناش.. تحلق امامنا عرب النهج بالمئات.. اطبقت الحلقة.. وفجأة جلجلت الضوج والدفوف وغرد مزمار ذياب الحناش.. دمدم طبل ابي زيد البهلوان.. تدثرت الزغاريد بالهلاهل.. وهوش الذئب الاغبر بعصاه كحيلة وانا أرى مشدوها مشلولا (آس.. آ...س): ها هو ضبطناه مداري ياناري آه يا ناري وياناري آه ياناري * قاص موريتاني مقيم في الامارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات