الحمامات السورية القديمة وحكايات الزمان والانسان

بيان 2: دمشق ــ ماهر يوسف: الحمام الدمشقي هو ابن العصور المختلفة التي عاشتها المدينة. عرف طراز البناء المختلفة من الروماني الى العربي الى المملوكي الى التركي حيث انتهى بناء الحمامات ، في هذا العصر بسبب اختلاف الشكل المألوف لاساليب النظافة الجسدية وبدء عصر جديد مع اوائل القرن العشرين بين المرتبط كليا بكل البناء السكني الحديث .. ثم الاكثر حداثة والأقل ارتباطا مع البيئة والماضي. لقد كانت الحمامات تفتح ابوابها مع شروق الشمس حتى السادسة او السابعة مساء بل وتتأخر في الاغلاق اكثر من ذلك في الصيف وكانت العائلات ترتاد الحمام بشكل دوري. والرجال يرتادون الحمام قبل صلاة الفجر ويبقى الحمام مفتوحا للرجال حتى الثانية عشرة ظهرا ثم يستقبل النساء والاولاد حتى المساء. يروى عن الخليفة الاموي الوليد بن عبد الملك انه قال للدمشقيين يوما: (تفخرون على الناس باربع خصال, تفخرون بمائكم, وهوائكم, وفاكهتكم, وحماماتكم, فاحببت ان يكون مسجدكم الخامسة), وهو هنا يقصد بناء مسجد بني امية الكبير. وقد امتدح المؤرخون هذه الحمامات, واتى ابن عساكر في القرن الثاني عشر على ذكر 52 حماما فيها (تاريخ دمشق لابن عساكر الجزء الاول). وفي عام 1941 كانت دمشق تحتوي على 60 حماما, منها 41 حماما شغالا حسب الدراسة التي اعدها ميشيل ايكوشار وكلود تلوكود حيث قاما برفع 37 حماما عن الطبيعة يمتد بناؤها من القرن الحادي عشر الى القرن العشرين ضمن اختصاصهما في الهندسة المعمارية, وليس في علم الاجتماع او التاريخ. وفي عام 1942 نشر اقدم كتاب عن حمامات دمشق وهو يعد احد المراجع التاريخية الموثوقة لحمامات دمشق الخاصة في المجال الهندسي المعماري, وكتب وليام مارسيه في مذكرة قدمت الى اكاديمية الرقم والآداب يقول: (هناك مبنى آخر غالبا ما يذكره المؤلفون العرب الى جانب المسجد والسوق وهو حمام السوق فوجود حمام او عدة حمامات يبدو بالنسبة اليهم, وهم على حق في ذلك. سمة من سمات المدن المميزة). ولعل من المؤلم ان نرى بأم اعيننا حمامات في آيات في الفن والابداع تندثر مع الزمن حتى اوشك الجيل الجديد ان لايعرف عن خصائصها وعن مكامن الجمال فيها شيئا. وقد تغير استثمار العديد من الحمامات او تركت دون استعمال على الاقل اما الحمامات التي مازالت قائمة فقد خف نشاطها وقل روادها. أقدم الحمامات حمام نور الدين الشهيد ينسب الى نور الدين الزنكي الملقب بالشهيد الذي انشأه في عام 1171م وجعله وقفا على مدرسته النووية الكبيرة يقع منتصف سوق البزورية الشهير. ويعتبر هذا الحمام من اقدم حمامات دمشق الباقية حتى الآن قيد الاستعمال فبعد ان تعرض للزلازل التي اثرت فيه ورمم عدة مرات ثم تحول الى مستودعات لتجار سوق البزورية تم ترميمه اخيرا وجدد ليعود الى وظيفته الاصلية وهو الذي تفرد عن غيره من الحمامات بنظام خزن المياه وتوزيعها في اقسامه المختلفة. جاء اطلس دمشق السياحي الذي اصدرته وزارة السياحة على ذكر 23 حماما في دمشق اليوم هي: البكري, التيروزي, الجوزة, الخانجي, الخياطين, الرفاعي, الزين, السروجي, السلسلة, السلطان, الشيخ حسن, الشيخ رسلان, الركاب, الملك الظاهر, القرماني, القيشاني, المقدم, النوفرة, الورد, امونة, عز الدين, فتحي, وحمام نور الدين الشهيد. جماليات العمارة القديمة ان الدراسة العامة للحمامات شأنها في ذلك شأن جميع الآثار الاسلامية ينبغي ان تستند الى وثائق بيانية واضحة في الوطن العربي, لا توجد مدينة تتجاوب مع هذه الدراسة باحسن من مدينة دمشق المشهورة بكثرة مياهها ووفرة حمامات السوق فيها. والفن المعماري وكان ولا يزال الدليل الحسي على ابداع العرب في هذا الميدان الذي تناول فيما تناول فن واصول بناء الحمامات العامة او حمامات السوق هذا الفن الذي اوشك ان يكون خاصا بالبلاد العربية الاسلامية دون سائر البلاد. ان معرفة بعض مظاهر تاريخ الحمام ودراسته الاجتماعية لاتخلو مع ذلك من جاذبية كبيرة. بالنسبة للحمام في مظهره الخارجي فانه لا يرى بمجمله الا من سطوح المنازل المجاورة فهو مؤلف من قبة كبيرة تعلوها فقاعة بلورية والى جانبها مدخنة وهذه القبة تهيمن على قباب صغيرة يخترقها النور بواسطة قمارى وللحمام باب بسيط ضيق يرى من الطريق خال من التزيينات او الكتابات لكن المناشف وحدها المنشورة على حبال فوق الطريق تعمل على اللافتة. يقع الحمام وسط حارة بين جدران مشتركة تساهم في الحفاظ على حرارته ويطل على الطريق باصغر واجهة ممكنة, ان مقومات الحمام المعمارية تفرض عليه ذلك لانه لا نفع للشبابيك فيه. نذكر بان القبة لا تظهر اصلا الا في الحمامات المتأخرة في القرن الثامن عشر كانت القباب تغطي احيانا البراني والجواني دون المقاصير التي بقيت تحتفظ بالغطاء التقليدي المؤلف من القباب الكروية. الحمامات الأثرية ربما الكثيرون لم يسمعوا بالحمامات الاثرية والقديمة في الساحل السوري, وربما تقتصر معرفتهم على وجود الحمامات في دمشق وحلب فقط, لكن الحقيقة ان الحمامات تعتبر من اهم المعالم في المواقع الاثرية العديدة في الساحل وخصوصا في المواقع الاسلامية منها بعكس حمامات دمشق وحلب التي تعتبر بناء قائما بذاته ونذكر على سبيل المثال الحمامات الاثرية في مجموعة القلاع الاسلامية القديمة في شمال وشرق طرطوس تلك الحمامات الغنية بطريقة البناء فقد شملت على اقسام عديدة من احواض وقنوات وغيرها. هذه الحمامات التي كانت في العهد الاسلامي سبيلا من سبل الخير يشبه انشاء سبيل الماء للمارة لان مفهوم الحمام يتجسد بالنظافة والحفاظ على الانسان من الامراض. ففي قلعة الكهف التي تتوسط الجبال الساحلية وتبعد عن بلدة الشيخ بدر في طرطوس 20 كم وتعود في وجودها الى اوائل القرن الحادي عشر الميلادي فان الحمام اهم اقسامها التاريخية والمعمارية الجميلة فالبوابة الرئيسية للقلعة تؤدي على الفور الى بهو كبير البراني وهي غرفة الثياب له شرفة تطل على واد سحيق وفي الزاوية الجنوبية الغربية باب يؤدي الى ردهة طويلة في جدارها الشمالي ثمة باب يؤدي الى قاعة الحمام مثمنة الشكل مبنية باتقان الحمام الوسطاني وهي الغرفة الدافئة وترتفع درجة حرارتها قليلا عن القسم السابق كما تصفه د. زكية حنا في كتبها (القلاع في الساحل السوري) ويتوزع في جدران القسم السابق 12 قنطرة وفي كل منها قناة فخارية للماء اما سقف دائرة الحمام فهو مقبب مبني من الحجارة تتخلله فتحات مستديرة صغيرة يغطيها بللور وفي جدرانه ثلاثة ابواب تؤدي الى ثلاث غرف الحمام الجواني وهو البيت الساخن والى جانبه خزان منحوت في الصخر تتوزع منه الاقنية المائية الى داخل الحمام ومن الحمام الى بقية اقسام القلعة الاخرى .. ومن الجدير بالذكر ان مياه القلعة كانت تجلب اليها عن طريق قنوات فخارية من عين عزيزة القريبة منها 2 كم وتسمى حاليا عين فاطمة وكذلك قلعة الخوابي القريبة من قلعة الكهف السابقة فقد كان الحمام اهم معالمها, وقلعة الخولي تقع شمال طرطوس بـ 20 كم غير ان الحمام في القلعة الخوابي يقع خارج القلعة لكنه تابع لها, فخارج القلعة وعلى مقربة منها ثمة مسجد من بناء قديم متهدم الاطراف وعلى مسافة قريبة من المسجد وجد الحمام وحسب د. زكية حنا كان هذا الحمام ظاهرا حتى وقت قريب اما اليوم فقد ازيل كليا واقيم مكانه منزل لأحد سكان القرية المجاورة. وفي قلعة العليقة الشهيرة التي تبعد عن طرطوس 85 كم فالحمام يقع في الجهة الغربية من القلعة بين السور الاول والثاني يبلغ طول الحمام 50.8 م وعرضه ستة امتار اما سقفه فمعقود نصف اسطواني تتخلله اقواس متقاطعة وتضم تحسينات مثلثة تحتوي خزان ماء محفور في الصخر وقد تصدعت درجاته بفعل الزمن .. اما في عمريت وهي اقدم المواقع الاثرية السورية فكان المعبد يتألف من حوض محفور بالصخر ذي شكل رباعي يملأ بالمياه وتتوسطه كتلة حجرية يعلوها الهيكل المركزي كما يدور بالحوض رصيف عريض فيه النبع المقدس الذي تتوزع مياهه في قنوات مهيأة في الصخر نفسه وهناك فوق الرصيف الذي يدور حول الحوض رواق من الجنوب والغرب والشرق كانت سقوفه محمولة على اعمدة كل منها مؤلف من حجر واحد طوله ثلاثة امتار وعرضه متر واحد وعدد تلك الاعمدة او العضادات 13 في الرواق الجنوبي و 15 في كل من الرواقين الشرقي والغربي وفوقهما شراريف كثيرة البروز نحو الخارج لغاية تزيينية ونحو الداخل لحمل سقوف الاروقة وكانت واجهتا الرواقين الشرقي والغربي مزينتين ايضا بالشراريف. ويعود السبب في عدم شهرة الحمامات في الساحل السوري الى عدم دراستها منفصلة عن المواقع الاثرية التي بنيت فيها او بالقرب منها والتي تهدم اغلبها في بعض المواقع الاثرية الاخرى والى فقدانها الغاية التي بنيت من اجلها في السابق ورغم ذلك فالحمامات موجودة في المواقع الاثرية في الساحل السوري وهذه اوابدها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات