اكتشافات أثرية رائعة للاسكندرية في الألفية الجديدة

بيان 2: القاهرة ــ محمد رفعت: ادخرت الألفية الثالثة للإسكندرية الاغريقية كشفا أثريا رائعا طوته رمال المدينة الغارقة على مدى ثلاثة وعشرين قرنا من الزمان, حيث لا تزال وسائل الاعلام العالمية والعربية ، تتابع أصداء هذا الكشف الأثرى الكبير الذى كان قد بدأه الأمير (عمر طوسون) اثناء الربع الأول من القرن الماضى كأولى المحاولات الجادة للكشف عن المدن الغارقة فى خليج (كانوب), والتى نجحت بالفعل فى انتشال رأس الاسكندر المقدونى, ورسم اول خريطة للآثار الغارقة, الا انها توقفت لسنوات طويلة, حتى أذهلت الاسكندرية العالم بقمة الاثارة فى عالم الاكتشافات الاثرية بالكشف عن مدينة (كانوب) القديمة التى ترجع الى العصور اليونانية أو حوالى عام 300 ق.م وهى تقع فى الجانب الشرقى من رأس زفيريون على بعد أربعة كيلومترات من شاطئ أبى قير الشهير بالاسكندرية, والتى كانت تضم ضاحيتين هما (مينوتس) و(هيراليكوم).. وقد أصدر المعهد الأوروبى للآثار الغارقة برئاسة العالم البحرى الفرنسى (فرانك ج وديو) مجلدا فخما يحكى بالصور تفاصيل هذا الكشف الأخير الذى يعتقد بعض كبار الأثريين انه يضاهى فى أهميته كشف مقبرة توت عنخ أمون. يبدأ المجلد الذى يحتوى على عدد ضخم من الصور لعمليات انتشال قطع الآثار الغارقة, وأهمها الصور الرائعة التى التقطت لتمثال من البازلت الأسود لإيزيس أشهر معبودات المصريين القدماء ولكن بدون رأس! والتى كانت ربة للسماء وقد عبدها الاغريق فى الإسكندرية واتمو معبدها الرائع الذى بدأه المصريون فى العصور المتأخرة فى فيلة (أنس الوجود) وعبدها الرومان ونقلوا عبادتها الى أوروبا فبلغت شواطئ الراين.. والتمثال يعتبر من أجمل التماثيل الفرعونية ويبلغ طوله مترين ونصف, ومنحوت من قطعة بازلت ضخمة تم نحتها بأزميل الفنان المصرى القديم.. بالاضافة الى صوت لمئات الأعمدة والكتل الحجرية التى تم انتشالها, منها رأس (سراييس) من العصر البطلمى ورأس ملكى من الحجر الديوريت على هيئة فرعونية, كما يحتوى المجلد على لقطات نادرة لجزء من (الناووس) وهو يمثل الدولاب الذى يحتوى عادة على المعبود بداخله, والذى سجلت على سطحه نقوش فرعونية تمثل خريطة الكو اكب والنجوم, ويتم دراستها الآن للوصول من خلالها الى كثير من المعلومات الفلكية التى من المنتظر أن تساعد فى حل الألغاز الخاصة بالاجرام السماوية, وسيتم الاعلان عن هذه المعلومات فى العام القادم. ويكشف المجلد أسرار المدينة الغارقة (كانوب) فيذكر أيضا أنها كانت تضم ضاحيتين هما (مينوتس) و(هيرالكيوم), وكانت هذه الضواحى مقارا للعبادات, حيث اشتهرت (مينوس) بأنها مقر لعبادة الالهة (ايزيس) ذات الشان العظيم فى ذلك الوقت, واشتهرت (هيراكليوم) بعبادة الاله (هرقل) بينماظلت مدينة (كانوب) الكبيرة أغلبها مطمور تحت الرمال.. وتوالى الاهتمام بهذه المدينة وضواحيها على مر السنين حتى كان العمل الكبير الذى تقوم به بعثة المعهد الأوروبى للآثار الغارقة برئاسة العالم البحرى الفرنسى (فرانك جوديو) تحت اشراف ادارة الاثار الغارقة التابعة للمجلس الاعلى للاثار, فقد أبدى الفريق الفرنسى اهتماما واسعا بمنطقة (أبى قير) الغارقة وبدأوا فى اجراء الدراسات والأبحاث عليها منذ سنوات, واستطاعوا تحديد المنطقة التى يرغبون فى التنقيب فيها تحت الماء وهى أربعة كيلومترات من الشاطئ, وبدأوا اجراء أبحاثهم وحفائرهم التى استغرقت موسمين كاملين تم خلالهما اجراء مئات من الغطسات على الموقع الذى تغطى الرمال جزءا كبيرا منه, وهو على مساحة ستة كيلو مترات.. وتقوم البعثة بتحديد كل ما هو موجود تحت الماء من آثار تنتمى الى المدينة وضواحيها, وخاصة منطقة (مينوتس) التى تركز عليها البعثة, وقد تم انتشال خمسة قطع اثرية مهمة خلال العام الماضي يعرض المجلد صورها, وهى عبارة عن رؤوس لملوك أو شخصيات عاشت فى هذا الوقت وكذلك (لسيرابيس) وهى مختلفة الأحجام والارتفاعات من الجرانيت والكوارتزيت والرخام الأبيض والبازلت الأسود تمت معالجتها وترميمها وتجهيزها للعرض, كما عثرت البعثة على ثلاث قطع أثرية غاية فى الأهمية لما لها من طابع دينى وهى أجزاء من (ناووس) عليها نقوش وكتابات, وبهذا (الناووس) يكتمل الأثر الذى توجد اجزاء قديمة منه فى المتحف اليونانى بالاسكندرية ومتحف اللوفر بباريس, كما قامت البعثة بعمل نسخة طبق الأصل من هذا الناووس تم عرضها فى مؤتمر صحفى عالمى , وهناك اعتقاد بأن هذا الناووس ربما كان موجودا فى معبد الالهة ايزيس الذى كان موجودا فى ضاحية (مينوتس), كما عثرت البعثة على مبان ربما تكون اجزاء من معابد أو قصور أو مجموعة من الأعمدة الأسطوانية غالبا ما كانت تستخدم فى المعابد بالاضافة الى اجزاء غير مكتملة من تماثيل أبوالهول, وقد قدر عدد القطع الموجودة تحت الماء بحوالى خمسمائة قطعة مابين تماثيل وأعمدة واجزاء حجرية من مبان, وعدد قليل من العملات المغطاة بالأعشاب. مدينة مينوتس ويفرد المجلد جزءا كبيرا للحديث عن المكانة التاريخية والدينية لمدينة (مينوتس) فيذكر أنها اشتهرت بعبادة الالهة (ايزيس) وهى العبادة الوثنية التى ظلت تقاوم الديانة المسيحية حتى القرن الخامس الميلادى, حتى أن أحد الباباوات فى ذلك الوقت قد أمر بهدم كل المعابد الوثنية, وبذلك فقدت المدينة أهميتها, وبدأ الناس فى هجرها, ولكن الشئ المؤكد أن انطمار الفرع الكانوبى من النيل وعدم وصول المياه الحلوة الى المدينة هو ما دفع السكان الى هجرها نهائيا, ويقتطف المجلد بعض فقرات من كتابات المؤرخين (سترابون) و(كلودبتولميه) عن هذه المدينة اللذان رجحا سبب اختفائها بحدوث زلزال ضخم أو كثر مما أدى الى تغير مستوى المياه وغرق المدينة فى ا لبحر! وقد عثر منذ سنوات على مجموعة من التماثيل لايزيس على الأرض فى أبى قير, وأهمها تمثال (ايزيس ميديكا) أو ايزيس الشافية لأنه أشيع عنها قدرتها الفذة على الشفاء من الأمراض, وكان المرضى كما قيل تظهر لهم الالهة فى الاحلام لتبلغهم بالشفاء, فكان المريض أو حتى أ حد أقاربه يذهب الى المعبد ويتمدد هناك ويطلب الشفاء.. وهناك تمثال لايزيس وهى تضع ابنتها (حربوقراط) وهو مصنوع من الرخام الأبيض. وقد بلغ من فخامة المدينة الغارقة أن الامبراطور الرومانى (هادريان) طلب من بعض المهندسين تقليد جزء من (كانوب) لنقلها الى الحدائق الا مبراطورية فى قصره (تيفولى), وهذا الجزء هو مرجعنا حتى الآن عن المدينة, ورغم ان المدينة كانت تهتم بالعبادات, الا انها كانت تشتهر أيضا بأماكن ممارسة الفسق والفجور, حتى أنهم حين أرادوا معاقبة واهانة (مارك أنطونيو) بسبب ارتمائه فى أحضان الملكة (كليوباترا) قالوا عنه انه (الفاجر الذى يصفق بالصاجات فى كانوب)! وبين كثير من الخرائب عثر على اطلال ديرين ومعبد يهودى وهى منشآت كان وراء انشائها المذاهب الدينية العديدة التى سببت الانشقاقات والثورات المناهضة خلال العصور المسيحية الأولى, أما الدير الأول فكان مقر بطريرك الأقباط الروم, أى المطران الأول للمسيحيين الذين تشبثوا بوجود هم فى مصر بجانب الأقباط الأرثوذكس, وأما الدير الثانى فكان للطائفة الكاثوليكية المنتمية لبابا روما.. ومن بين المساجد يمكن تمييز مسجدين فريدين وقع أحداهما ا لى أقصى غرب الميناء, وقد حدث حسبما يقول المجلد أن أمر بطليموس الأول بترجمة التوراة العبرية الى اليونانية بواسطة (سبعين) مترجما كان أرسلهم الكاهن الأكبر (اليعاز) الى المعبد اليهودى الذى احتل مسجد (السبعين) مكانه فيما بعد. مدينة هيرالكيوم ويؤكد مؤلف المجلد أن الكشف عن مدينة (هيرالكيوم) الأثرية يدل على أن الحياة كانت قائمة بها قبل الاسكندر الأكبر, حيث عثرت البعثة على تماثيل وأعمدة معابد فرعونية بالمدينة, بالاضافة الى اثار لأقدام حيوانات مطبوعة بموقع الاكتشافات, وهو مايؤكد أن المدينة تعرضت لزلازل عنيفة أدت الى غرق المدينة تحت مياه المتوسط, وهو ما يؤكد كذلك أن مدينة كانوب هى بوابة مصر الشمالية وليست الاسكندرية. وأوضح أن هناك مشروعا تحت الدراسة هدفه الكشف عن 35 مدينة غارقة بطول الساحل من أبي قير وحتى الحدود المصرية الليبية, وذلك بالاستعانة بأحدث أجهزة الغوص تحت المياه, وان كان يعتقد أن الامر سيحتاج الى حوالي نصف قرن على الأقل للبحث والتنقيب عن كنوز الحضارات الغارقة. ويقول ان تاريخ المنطقة يرجع الى قرون عديدة قبل الميلاد تضرب بجذورها حتى العصر الفرعونى, عندما كانت دلتا النيل تتكون من سبعة فروع, وقد كان أقصى هذه الفروع غربا يسمى الفرع الكانوبي وهو أهمها والذى تم الكشف عنه باستخدام أجهزة مغناطيسية ألقت الضوء على قاع الخليج وطبقاته المخت لفة كانت مدينة (كانوب) تشتهر بمعبد, (سيرابيس) ومدينة (مينوتيس), كما تعود التماثيل الى تم العثور عليها فى منطقة أبوقير البحرية الى الأسرات من 26 الى 30 من العصر الفرعونى وهى الحقبة الاخيرة من التاريخ الفرعونى. وعلى الرغم من تأسيس الاسكندرية عام 332 ق.م, وانتقال النشاط التجارى اليها, فإن المنطقة ظلت مزدهرة بفضل معابدها وآلهتها التى كان الناس يفدون اليها من كل مكان, وظلت هكذا حتى العصور المسيحية, ومع ظهور المسيحية, أخذت المعابد تضمحل وتفقد أهميتها, حتى انه فى أواخر القرن الرابع الميلادى يشير أحد المصادر التاريخية الى تشييد أحد الأديرة الكبيرة بجوار موقع معبد (مينوتيس) وأصبحت الكنيسة الموجودة فى هذا الدير أعلى بناء فى المنطقة يراها الوافدون من مسافات بعيدة, ولكن مع بداية القرن الثامن الميلادى لم يرد ذكر أى من هذه المصادر التاريخية, وترددت تساؤلات حول اختفاء هذه المدن ودارت التكهنات حول التحولات البيئية أو الجيولوجية فى خليج أبوقير وهو مايتمثل فى ارتفاع مستوى البحر أو انخفاضه مستوى الأرض, أو حدوث زلزال عظيم مدمر يصعب تحديد قوته وموقعه. ويخصص المجلد الجزء الأخير منه لعرض صور مصحوبة بتعليقاته وبعض المعلومات التاريخية لعملات ذهبية تعود الى العصر البيزنطى, وبعضها من العصر الاسلامى فى العهد الأموى, ولم يكن انتشال هذه القطع بالعمل السهل, حيث كانت القطع الأثرية التى تم العثور عليها تغلفها طبقات سميكة من الرواس والرمال, والتى وصل بعضها الى نحو متر, وهو ما استلزم مجهودا ضخما لازالة هذه الطبقات والاستعانة ببعض المواد الخاصة للوصول بها الى هذه النتيجة التى تظهر عليها الآن, حيث تبدو كأنها أعمال فنية منحوتة اليوم, وخاصة تمثال ايزيس الذى لا مثيل له فى التماثيل التى تم انتشالها حتى الآن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات