شيخ الأزهر يتحدث عن الحج المبرور: استغلال فريضة الحج لتحقيق دعايات سياسية.. معصية كبرى

حذر فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف من استغلال البعض لموسم الحج وترديد الشعارات السياسية ومحاولة تحقيق دعايات شخصية أو طائفية مؤكدا، ً أن الحج فريضة هدفها الاسمى توحيد كلمة المسلمين وتحقيق الألفة والمودة والتعارف بينهم, وكل انحراف عن منهج الله خلال أداء هذه الفريضة يستوجب غضبه وعقابه. وقال فضيلته في حوار خاص حول فريضة الحج: إن الدول الفقيرة أو المدينة لا يجوز لها أن تخرج بعثات لأداء الفريضة على نفقة الدولة, لأن الحج فريضة على القادر عليها, ومادام الإنسان غير قادر على أداء الفريضة ولا يمتلك نفقاتها والدولة التي ينتمي إليها فقيرة ومدينة فلا نطالبه بالحج ولا نطالب الدولة بتحمل نفقات حجه.. لكن إذا كانت الدولة قادرة وقررت اختيار بعض موظفيها ممن لم يسبق لهم أداء الفريضة وارسلتهم على نفقتها كحافز لهم فهذا عمل مرغوب وطيب ونحن كعلماء دين نشجعه لأنه يؤدي إلى التنافس الشريف بين الموظفين والعاملين في الدولة. وحدد فضيلته معالم وعلامات الحج المبرور وتحدث عن المسلمين القادرين الذين يذهبون لأداء الفريضة كل عام ولا يساعدون اخوانهم المحتاجين من فقراء المسلمين وغير ذلك من القضايا المتعلقة بفريضة الحج وذلك من خلال الحوار التالي: * أفتيتم بأن الدولة المدينة لا يجوز لها أن ترسل بعثات لأداء فريضة الحج على نفقتها.. فهل الفريضة لا تسقط عن صاحبها لو كان الحج على نفقة دولة مدينة؟ وما الحكم لو كانت الدولة قادرة؟ - نعم أقول وأؤكد أن الدولة المدينة لا يجوز لها أن ترسل بعثات لأداء فريضة الحج من المال العام لأن الحج فريضة على القادر عليها, ومادام الإنسان غير قادر مادياً على أداء الفريضة والدولة مدينة فلا نطالبه بالحج ولا نطالب الدولة بتحمل نفقات حجه.. لكن لو كانت الدولة قادرة وقررت إرسال بعض موظفيها لأداء الفريضة كنوع من الحافز لهم على اجادتهم لأعمالهم نقول لها: أحسنت.. فهذا عمل طيب ومرغوب.. لكن ما نلاحظه أن هناك العديد من كبار الموظفين القادرين على أداء الفريضة أو تكرار الحج على نفقتهم الخاصة لكنهم يذهبون على نفقة الدولة استغلالاً لنفوذهم ومواقعهم.. فهذا العمل غير مقبول ويعد إهداراً للمال العام. لكن الحكم الشرعي فيما لو ذهب إنسان لأداء فريضة الحج على نفقة دولة مدينة فالفريضة تسقط عنه من الناحية الشرعية, لكن لا يمكن أن يكون ثواب وأجر حجه مثل الذي يذهب من كده وعرقه وثمرة عمله وكفاحه. * البعض يتخذ من فريضة الحج ومن الأماكن المقدسة موسما لترديد بعض الشعارات السياسية والقيام بمظاهرات أو السير في مسيرات حول الحرمين الشريفين في المشاعر المقدسة.. هل الإسلام أباح مثل هذه السلوكيات؟ - هذه المسيرات وهذه المظاهرات ممنوعة شرعاً, والقرآن الكريم قد توعد هؤلاء الذين يستغلون وجودهم في هذه الأماكن المقدسة ويحاولون الميل أو الانحراف عن دين الله وتحقيق دعايات شخصية أو طائفية, فالله سبحانه وتعالى يقول: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) (سورة الحج الآية 25) وهذا تهديد لكل من يحاول ارتكاب شيء لا يرضي الله عز وجل في المسجد الحرام, فمن يفعل ذلك يكون عقابه شديداً, ويدخل تحت هذا التهديد والوعيد الإلهي كل ميل عن الحق إلى الباطل كالنطق بالأقوال الباطلة, وترويج المذاهب الفاسدة, والأفكار التي يقصد بها الدعاية لشخص معين, أو لحزب معين.. لأن الإسلام لو أباح ذلك في المسجد الحرام أو في الأماكن المقدسة لأصبحت هذه الأماكن ساحة للدعايات الشخصية أو الطائفية أو المذهبية, وهذه الأماكن أشرف وأسمى وأجل من أن تكون ساحة لمثل هذه الشعارات التي لم يقصد بها وجه الله عز وجل, وإنما قصد بها المنافع الشخصية أو المذهبية. * كثير من المسلمين لديهم القدرة المادية والصحية على أداء فريضة الحج لكنهم يهملونها أو يؤخرونها لأواخر عمرهم.. ما حكم هؤلاء؟ - الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الحكيم: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فكل من يملك القدرة المادية والتي تتمثل في نفقات الحج والقدرة الجسمانية على أداء الفريضة مطالباً بالتعجيل بالحج, لأن هذه المقدرة قد تكون موجودة هذا العام ولا توجد في العام القادم, والإنسان لا يضمن عمره يوماً واحداً, ولا ينبغي أن تشغلنا أعمالنا وهموم الحياة عن أداء العبادات والفرائض التي طالبنا بها الإسلام. لذلك يجب على كل مسلم عاقل بالغ قادر أن يعجل بأداء فريضة الحج, والاستطاعة تتحقق متى كان المسلم قادراً على أداء هذه الفريضة بدنياً ومالياً.. فإن عجز عن أداء الحج لمرضه أو شيخوخته أو ما يشبه ذلك وكانت عنده القدرة المالية وجب عليه أن يرسل غيره ليؤدي عنه هذه الفريضة, وهذا رأي جمهور الفقهاء لأن صحة البدن عندهم ليست شرطاً للوجوب, بل هي شرط للزوم أن يؤدي المكلف الحج بنفسه. * ظهرت الآن جمعيات وشركات سياحة في بعض البلاد الإسلامية تعلن عن تنظيم رحلات لأداء فريضة الحج بالتقسيط.. فهل يجوز للمسلم غير القادر أن يؤدي الفريضة عن طريق الاستدانة؟ - إذا كان الإنسان لديه موارد ثابتة يستطيع من خلالها تسديد الأقساط المطلوبة منه فلا مانع من السفر لأداء الفريضة بهذا الأسلوب.. لكن الأفضل أن يذهب الإنسان لأداء فريضة الحج بعد توفر شرط الاستطاعة المادية لأن الإسلام دين يقوم على اليسر ورفع الحرج عن الناس, فالله سبحانه وتعالى يقول: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (سورة البقرة الآية 185) ويقول سبحانه وتعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (سورة الحج الآية 78) أي أنه سبحانه وتعالى لم يفرض على عباده ما يؤدي إلى الضيق والحرج. فإذا ما نظرنا إلى فريضة الحج وهي عبادة نجد أن الله سبحانه وتعالى قد فرضها على المستطيع فقال سبحانه: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (سورة آل عمران الآية 97), وقد فسر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه القدرة على أداء فريضة الحج بتملك الزاد والراحلة فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قيل يا رسول الله ما السبيل؟ أي ما معنى (السبيل) المذكور في قوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا) فقال عليه ـ الصلاة والسلام ـ (الزاد والراحلة) (رواه الحاكم في المستدرك وصححه) أي أن من يملك من المال ما يكون فائضا عن نفقته الضرورية ونفقة من يعوله مدة ذهابه وإيابه وإقامته في الحج ويكفي طعامه ونفقات سفره مدة الحج.. لذلك لا ينبغي أن نبالغ في شرط الاستطاعة لأن بعض الناس يفهم الاستطاعة على أنها الثراء والغنى وهذا غير صحيح. وقد روى البيهقي عن عبدالله بن أبي إنه سئل عن الرجل يستقرض ويحج قال: يسترزق الله ولا يستقرض, قال وكنا نقول لا يستقرض إلا أن يكون له وفاء وقد أخذ الفقهاء من هذا الحديث أنه لا ينبغي للمسلم أن يستدين من أجل أداء فريضة الحج لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. من هنا فإن نصيحتي لكل مسلم ومسلمة بعدم الاستدانة لا من أجل الحج ولا من أجل غيره إلا في حالة الضرورة لسد ما تتوقف عليه حياة الإنسان. علامات الحج المبرور * يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (الحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة) فما هي معالم وعلامات الحج المبرور؟ - الحج المبرور هو الذي يكون خالصاً لوجة الله سبحانه وتعالى لا يقصد من ورائه صاحبه الرياء ولا المظاهر ولا أن يقول له الناس (يا حاج فلان).. أيضاً لابد أن يكون كسبه من حلال ولا تدخل فيه شبهة حرام, فنفقة هذا الحج لابد أن تكون من حلال ومن كد الإنسان وعرقه, وأن يؤدي الإنسان هذه الفريضة على الوجه الأكمل وأن يعمل الحاج فيه بحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).. فلابد أن يجمع الحاج في رحلته بين أعمال البر واجتناب أعمال الاثم, فالحج المبرور لا يخالطه شك ولا رياء وهو يكفر السيئات ويوجب دخول الجنة كما أخبرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وعلامات الحج المبرور كثيرة أبرزها أن يكون صاحبه بعد أداء الفريضة أحسن حالاً وأكثر التزاماً عنه قبل أداء الفريضة وأن يتحلى بمكارم الأخلاق في تعامله مع كل الناس وأن يتوب عن المعاصي والذنوب. تكرار الحج كل عام * كثير من المسلمين القادرين مادياً يذهبون للحج كل عام, وقد صدرت فتاوى من بعض العلماء تطالب هؤلاء بالتبرع بنفقات الحج للمسلمين المستضعفين .. هل توافق فضيلتكم على ذلك؟ - الحج فريضة على المسلم مرة واحدة في العمر, والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو قدوتنا ومثلنا الأعلى لم يحج إلا مرة واحدة وهي حجة الوداع.. وأنا لا أستطيع أن أفتي بمنع المسلمين من أداء الحج على سبيل التكرار, لأن الحج فريضة وعبادة لا يجوز لنا الافتاء بمنع الناس منها مادام الإنسان يذهب من ماله الحلال ولا يكلف الدولة شيئاً. لكن نصيحتي لهؤلاء الذين يكررون الحج كل عام وينفقون الكثير على ذلك أن يقدموا العون لاخوانهم المحتاجين من المسلمين في كل مكان سواء داخل أوطانهم أم خارجها, لأن ثواب وأجر ذلك قد يفوق ثواب وأجر حج النافلة.. فإذا كان الإنسان يفعل ذلك ويقدم العون لاخوانه المحتاجين ويذهب لأداء الحج فهو مأجور على هذا وذاك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات