صديقي الذي اختطفته زوجته ، بقلم: محفوظ عبد الرحمن

هل سألت نفسك ذات مرة كم صديقا لك؟ لقد طرحت هذا السؤال مرات عديدة, وحصلت على اجابات غريبة أحيانا, ووصلت في النهاية الى أن الصداقة مراتب وأصناف, وأن أي صديق ليس مثل أي صديق, ولو أنك عشت كما عشت كماً ونوعاً فلابد أنك ستجمع عدداً كبيراً من الأصدقاء وكثيرا ما تسألني زوجتي: متى عرفت كل هؤلاء الأصدقاء؟ على اعتبار أنني تحت رقابة دائمة! وفلان, وأنا مضطر ألا أذكر أسماء, هو من أقرب أصدقائي الى نفسي, فأنا أحبه كثيرا, وعلاقتي به تمتد الى أكثر من أربعين عاما لم نختلف فيها مرة, ولم نتخاصم مرة. كنا نتباعد لظروف كل منا شهورا, ولكن تعود العلاقة أقوى مما كانت. وكان صديقي سيئ الحظ خاصة مع النساء تزوج أفظع امرأة في العالم, جعلت أيامه كلها سوادا, رغم أنه حاول أن يجعل حياتها وردية, ولسنوات طويلة جدا كنت أسمع أصدقائي الآخرين وهم ينصحونه بالطلاق. ولكنه تحمل ما لم يتحمله بشر حتى تمضي الحياة. وكنا نقول أن زوجته اختطفته, كنت أطلبه في التليفون فترحب بي أشد الترحيب. فاذا سألتها عنه قالت أنه ليس موجودا, فأطلب منها أن تبلغه أنني سألت عليه. ثم اكتشفت أنه عند طلبي له كان موجودا, وأنها لم تبلغه طبعا بأنني سألت عليه. وذات مرة أردته لسبب هام, وكنت أعرف أن التليفون لا يفيد. فذهبت الى البيت. واستقبلتني زوجته أحسن استقبال, ولما سألتها عنه أخبرتني أنه ليس موجودا. وكدت أنصرف لولا أنني لمحته في الداخل أو على الأصح لمحني وهو في الداخل, فاندفع الىّ مرحباً. ولما نظرت لها لائماً هزت كتفيها وقالت: إنه غير موجود! وفهمت أنها لا تعترف بوجوده. وأنها ربما تتحدث عن الوجود الفلسفي! وظننا أنها علاقة أبدية, فلم يكن يوجد مبرر جديد للانفصال أكثر من المبررات السابقة. وخرج فلان الى التقاعد. ثم عمل في مكان آخر. وعلى فكرة صديقي فلان هذا عبقري وموهوب. ودون أن يدري أحد بدأت قصته الثانية. كانت هناك فتاة صغيرة في ثلث عمره تعمل موظفة معه, اشتغلت جارية له, فهي تحضر افطاره, وتجهز أدواته, وتأتي بفنجان القهوة على يدها.. ثم بدأت تختار ملابسه, وتذكره بمواعيده, وتدعوه وتقبل دعوته لفنجان شاي هنا أو هناك. وذات مرة صارحته بأنها تحبه. وضحك وقال لها أنها في عمر أبنائه وربما كانت أصغر. فقالت له: وأريد أن أتزوج منك! واعتبرها نكتة ظريفة. لكن الآنسة لم تكن تراها نكتة. كانت زوجته تنكد عليه في البيت. فاذا ما خرج وجد الآنسة تقف بين يديه كخادمة مطيعة. كانت زوجته لا تعرف عن عمله إلا أنه يدر مبلغا قدره كذا, ولم تكن أبدا راضية. لكن الآنسة كانت تعرف ما فعل, وجدول أعماله, ومشاريعه, وأحلامه. وظن أن حماقة الآنسة ستنتهي ذات يوم. لكنها استمرت تغسل قدميه بدموعها حتى تزوجته. وكان خبرا مدهشا للجميع. لكنك لا تستطيع إلا أن تبارك هذا الزواج. واحتفلنا جميعا بفلان. حقا لم يكن هناك عرس بالمعنى المعروف إذ من المستحيل أن يظهر بسنواته السبعين في مكان كهذا, ويغنون له أغاني الأفراح المعروفة. ولكننا استبدلنا الأفراح بدعوات استمرت شهورا. وبعد عام أو نحو عام. بدأ فلان يختفي عنا شيئا فشيئا. كنا نسأل عنه في التليفون, فتقول أنه ليس موجودا. وأقسم أحد الأصدقاء أن الزوجة الثانية قريبة للزوجة الأولى, والدليل على هذا أنها تستخدم نفس أسلوب الزوجة الأولى. وذات مرة اتصلت بي: الزوجة الثانية طبعا, وقالت لي أن عيد ميلاد فلان اقترب, وأنها تريد اهداء كمبيوتر له , وبكت قائلة أن ظروفها في هذه الأيام لا تسمح لها بشراء كمبيوتر, وأنها تريد أن تقترض ثمنه. وقدرت لها هذه المشاعر. وفي يوم عيد ميلاد فلان طلبته لأهنئه, فردت علي زوجته الثانية بالطبع, وقالت أنه ليس موجودا كالعادة, فلما قلت لها أنه لابد من تهنئته قالت: ليس الليلة دع لي هذه الليلة, فأنا أريد أن احتفل بها وحدي. واحترمت هذه الرغبة. لكن مضت أيام وأنا لا أستطيع الاتصال بصديقي.. وكدت أعلن غضبي لذلك, ولكن اتصلت بي الآنسة التي لم تعد آنسة بالطبع! وبكت وهي تقول أن صديقي مريض وأنه سيعمل عملية جراحية, وأنها في حاجة الى مبلغ كذا. وفي هذه المرة صممت على أن أعرف المستشفى التي سيدخلها. وفي موعد العملية تماما ذهبت الى المستشفى لألتقي بعدد كبير من أصدقائنا. أين فلان يا جماعة؟ ليس في المستشفى كلها شخص يدعي فلانا؟ وأخذنا نتحدث, لأكتشف أن قصتها معي حدثت مع الجميع, وأنهم جميعا دفعوا ثمن الكمبيوتر, وأنهم جميعا أسهموا في العلاج, ومن الطرائف التي اكتشفناها فيما بعد أنه كان هناك كمبيوتر فعلا, لكنه كان مهدى من جهة يعمل معها صاحبنا. واجتمعنا بقصد تكوين جمعية ضحايا الآنسة التي لم تعد آنسة, وكدنا أن نكون مجلس ادارة. وقررنا أن نستعيد صديقنا بأي طريقة. اتصلت بالتليفون وردت علىّ, فلما قلت لها أنني ذهبت الى المستشفى فلم أجد أحدا, أكدت لي أنني ذهبت الى مستشفى خطأ. وهذا نفس ما قالته لجميع أصدقائنا. اتصلت بأقاربه فقالوا أنهم عاجزون عن الاتصال به, طلبت منها أن أكلمه في التليفون, قالت أن التليفون بعيد عنه, وهو لا يستطيع التحرك الى التليفون. اجتمعنا مرة أخرى وقررنا أن نستعيد صديقنا. سرنا في سرب من السيارات الى بيته. خرجت سيدة من الشقة المقابلة وقالت لنا: لقد تركوا الشقة منذ شهور! وفسر لنا هذا تغيير رقم التليفون وفوجئنا أننا جميعا عاجزون عن الوصول الى صديقنا, وأعلنا إفلاسنا عن أية فكرة عملية, لكنني ضربت الأرض بقدمي و قلت: لن تستطيع الآنسة هزيمتنا. وذهبت الى الزوجة الأولى, وحكيت لها كل ما حدث وطلبت منها مساعدتنا في ايجاد صديقنا. وفكرت قليلا وقالت: في غالب الأمر مات فلان وهي لا تريد اعلان خبر الوفاة حتى تبتز الأموال. اجتمعنا مرة أخرى لدراسة اقتراح قدمه أحدنا وهو تقديم فدية لاستعادة صديقنا ولم ننفذ الاقتراح حتى الآن, لكن أظن أن الآنسة التي لم تعد آنسة ستطلب زيادة الفدية!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات