شاي الضحي : بنت عمنا.. الغولة، يكتبها: أبوخالد

بيان 2: زمان.. وعلى أيامنا, كانت (أمنا الغولة) هي الوسيلة الوحيدة الفعالة لاخافتنا وارعابنا ــ نحن الأطفال ــ بالقدر الذي يجعلنا نرضخ لأوامر ونواهي أهالينا, حتى ولو امرونا بالنوم واقفين على رؤوسنا, فالعصا و(الخرزانة) كانتا من وسائل الارهاب وقتية المفعول بالنسبة لبعضنا, عديمة المفعول لبعضنا الآخر ممن (نحّست) جلودهم واكتسبت بالتكرار مناعة ضد الإحساس بالضرب, اما (أمنا الغولة) فكان مجرد التلويح باسمها كافيا لادخال الرعب على قلوب اشجع الشجعان فينا, اذ كان مجرد تصور شبح طلعتها غير البهية (طالعا) في الظلام لاي ولد يجرؤ على عصيان الأوامر و(سماع الكلام) او حتى يبدي اعتراضا عليها كافيا لاقناعه بتغيير مسار ذلك التفكير الذي لن يؤدي الا الى قرقشة عظامه بين فكي (أمنا الغولة) سالفة الذكر..! وكبرنا.. ولم تكبر معنا (أمنا الغولة), لم تعد حلما مفزعا او شبحا او كابوسا كما صورته اذهاننا الصغيرة بناء على تهويلات حكايات امهاتنا وجداتنا, وقتها كانت في خيالنا وحشا في حجم الفيل او الديناصور, تبرق عيناه بالشرر, وتلمع انيابه في كهف فمه العميق, ويدوي صوته.. زئيرا كان ام عواء وهو يدب على الارض فتهتز تحت قدميه (او اقدامه) باحثا عن ذلك الولد قليل الادب الذي خرج عن حدود الطاعة لينهشه بأنيابه الحادة.. تأديبا له واصلاحا..! ويبدو ان هوليوود تأثرت هي الأخرى بتراث (امنا الغولة) فجسدته تكنولوجيا في أفلام عديدة, صورت فيها (أمنا الغولة) كما تخيلتها اذهاننا وقتذاك, ودارت قصص معظم هذه الافلام حول ذلك الوحش الخرافي ــ غولا كان ام ديناصورا ــ الذي يحطم البنايات وناطحات السحاب, و(يفعص) السيارات والشاحنات بأصابع قدميه, و(يقزقز) البشر كما نقزقز نحن الفستق, ويصطاد الطائرات كما نصطاد نحن العصافير..! مضت الأيام اذن.. ولم تعد (أمنا الغولة) كما تخيلناها صغارا تخيفنا بعد ان كبرنا وفهمنا اللعبة, انتهت اسطورة (أمنا الغولة) فاسترحنا لبعض الوقت لنفاجأ مرة أخرى بعودتها في صورتها الجديدة المعاصرة حقيقة لا خيالا.. وواقعا لا تصورا, غولة تجسدت فيها كل تصوراتنا بكل رهبتها وبشاعتها, غولة ترهب الكبار قبل الصغار وتثير فيهم من الرعب اضعاف ما أثارته فينا ونحن صغار (امنا الغولة) وحكاياتها المخيفة..! غولة العصر لم تعد (أمنا) كما كانت غولة الأساطير في حكايات زمان, غولة اليوم تنتحل صفة (بنت العم) باعتبارها سليلة (اولاد عمنا) الصهاينة, وبهذه الدرجة من القرابة احتلت موقع (أمنا) في حاضر العصر والأوان, بعد ان اكدت قدراتها كوحش اصيل.. و(بعبع) متمرس في أصول التخويف والترهيب طوال ما يزيد على خمسين عاما, وبعد ان اثبتت طوال فترة وجودها على الارض العربية انها اهل لحمل مسئوليات وصلاحيات (أمنا الغولة) التي ولاشك قد استراحت في قبرها واطمأنت لاستمرار المسيرة الغيلانية بعد وفاتها, على يد العزيزة (بنت عمنا) الغولة التي حملت الأمانة وواصلت مسيرة (أمنا) تحت شعار (بالدم.. بالدم.. حانكمل المشوار)..!! (أمنا) الجديدة.. او (بنت عمنا) ــ ما تفرقش ــ افلحت في ما لم تفلح فيه جيوش الامبراطوريات القديمة والمستجدة, واستطاعت بهمتها وبفضل دعوات الوالدين ــ العم سام والعمة بريطانيا ــ ان تنشر اجنحة الرعب في حياتنا, وان تقنعنا ــ شئنا ام أبينا ــ ان (الحدود الآمنة) ليست هي الحدود الدولية المتعارف عليها.. بل هي (حدود الأدب) الذي يجب ان نلتزم به في التعامل معها, بالاضافة الى حدود اخرى لا يصح ان نتجاوزها.. وهي حد الكلام.. وحد الاستنكار والشجب.. وحد (الاشمئناط), وكفى الله المؤمنين ــ الذين هم نحن ــ شر القتال.. وحتى ما دون القتال..! الغريب بعد ذلك.. ان (بنت عمنا الغولة) على كل غرورها بقوتها وبهيلمانها, وبكل ما تحمله من امكانيات (الغولنة).. ومن اسلحة الرعب الشامل والدمار الكامل, وبعد ان ضمنت سكوت الكبار وامنت شر مقرراتهم وقممهم, فوجئت ــ وعلى عكس ما كانت وكنا نتوقع ــ بالصغار الذين يفترض ان يكونوا اول الخائفين والمرعوبين خاصة بعد ان رأوا بأعينهم ارتعاش الكبار وهلعهم من مجرد ذكر اسمها او سيرتها, اذا بهؤلاء الصغار يفاجئوننا بحقيقة ان (بنت عمنا الغولة) ليست غولة ولا حاجة, واذا بنا نرى (بنت عمنا) التي ارعبتنا طويلا تجري كالارنب خوفا من حجارة الصغار, واذا بالوحش الخرافي ينقلب فأرا مذعورا, يستغيث بماما امريكا ويطلب وقف مطاردة الاطفال له بعد ان فشلت انيابه ومخالبه في ردعهم, وبعد ان تحول زئيره الى ما يشبه (نونوة) القطط ولم يعد صياحه المستمر (انا الغووووول) يخيف احدا..!! وكما انتهت اسطورة (أمنا الغولة) بدأت تتهاوى اسطورة (بنت عمنا الغولة), على الاقل بالنسبة للصغار, وشيئا فشيئا اكتشفنا ان الذي صنع هذه الاسطورة واستثمرها كان بالدرجة الاولى ــ وقبل امريكا ــ كبارنا, الذين وجدوا فيها ــ كما وجدت امهاتنا وجداتنا ــ وسيلة ناجحة ومضمونة لتخويفنا وتأديبنا, ولتغطية فشلهم او عجزهم عن التصدي لها حتى نلتمس لهم العذر ونواصل مسيرة الخضوع لهم.. والا فــ (بنت عمنا الغولة) جاهزة لتأديبنا وتكسير عظامنا اذا لم نسمع الكلام ونشرب اللبن قبل النوم.. ونشوف أكل عيشنا حامدين شاكرين..!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات