القصر الامبراطوري الياباني قلعة للتقاليد في عصر ما بعد الحداثة

يقع القصر الامبراطوري الياباني في قلب طوكيو, المدينة العصرية التي يبلغ عدد سكانها 12 مليون نسمة. وهو بناء حديث مسقوف بقرميد اخضر, شيد على انقاض قلعة ايدو القديمة التي يعود بناؤها الى القرن السابع عشر, ففي عام 1968 وبعد ان اتت النيران المنتشرة من قنابل الحلفاء في الحرب العالمية الثانية على البناء القديم للقصر تم الانطلاق ببناء هذا القصر. يغطي مجمع القصر الامبراطوري الذي يقيم فيه الامبراطور اكيهيتو, الامبراطور الـ 125 لليابان, مع زوجته الامبراطورة وأفراد عائلته يغطي 284 فدانا من المساحة الخضراء في قلب مدينة طوكيو. ويضفي القصر بحدائقه الممتدة وخنادقه المائية الزرقاء وابراجه الرائعة لمسة من الفخامة الكلاسيكية لزحمة الحياة في العاصمة. ويعتبر القصر شاهدا على احترام الثقافة اليابانية للتقاليد وللأسرة الامبراطورية التي تحكم اليابان منذ أكثر من 2000 سنة في سلسلة لم تنقطع من الاباطرة الذكور والاناث. وهذا يجعل الاسرة الامبراطورية اقدم سلالة حاكمة على الارض, وهي تتخذ من زهرة الاقحوان الذهبية على بساط أحمر شعارا لها. وعلى الرغم من ان الجانب الاكبر من المبنى الداخلي للقلعة قد تم احراقه وتدميره منذ زمن طويل, إلا انه لايزال هناك أجزاء سليمة من الاسوار الخارجية لها تكفي لاثارة الاعجاب والدهشة في نفوس زوارها. وحتى انتقال الامبراطور ميجي من كيوتو الى قلعة ايدو في عام 1869 كان المجمع عبارة عن حصن لحكام توكوجاوا العسكريين لليابان الذين ابقوا خصومهم في وضع دفاع عن النفس من خلال الجمع بين الذكاء والترويع والقوة الوحشية. ولهذا السبب, فان قلعة ايدو لم تتعرض لهجوم ابداً. ويحيط بالقصر من جميع الجهات خنادق مائية واسوار تحمي المبنى الداخلي فيه. ويبدو القصر غير قابل للاختراق حتى بالنسبة لأشد المحاربين الساموراي. ولاتزال نخبة من فيالق الحرس الامبراطوري ترابط على ابواب القلعة في وضع الاستعداد لاي طارىء. اما المبنى الداخلي فتتولى حمايته وكالة التدبير المنزلي الامبراطوري, وهي عبارة عن جهاز بيروقراطي ذي سمعة محافظة جدا, الامر الذي يفسّر السبب الذي يجعل اليابانيين يتحدثون عن (ستار من زهرة الاقحوان الذهبية) يحمي الجزء الداخلي من القصر. وفي احد اركان حديقة القصر, تقع الاسطبلات الامبراطورية التي يشرف عليها شخص متمرس في هذه المهنة يدعى سوميتو ماتسوزاوا. ويتولى هذا الشخص العناية بالخيول وتهيئتها للقيام بمهماتها. وهذا عمل اعتيادي يومي لما تسوزاوا وخيوله التي تعتبر مهمة للغاية في احد الطقوس المميزة للقصر. فعندما يتم ارسال سفير جديد لليابان, يقام حفل خاص في القصر الامبراطوري, حيث يقدّم السفير أوراق اعتماده للامبراطور.. وبحسب التقاليد المتبعة, فان الامبراطور يوفر وسيلة النقل من محطة طوكيو, وهي محطة القطار الرئيسة في المدينة , الى القصر. وبإمكان السفير الوصول الى القصر بواسطة السيارة. أو يمكنه الدخول الى القصر في عربة تجرها الخيول وبمرافقة من الحرس الامبراطوري على ظهور الخيل. ومعظهم بالطبع, يختار الوسيلة الثانية. هنالك اشياء كثيرة تسترعي الانتباه في باحة القصر الامبراطوري, وربما يكون ابرزها الحديقة الشرقية. فعلى الرغم من أن ناطحات السحاب في المدينة تطل على اطرافها, إلا أن الحديقة تبدو هادئة ومرتبة بعناية بممراتها ومقاعدها المظللة. ويمكن للمرء أن يجلس في هذه الحديقة وينصت الى طنين النحل ويراقب حشرات اليعسوب وهي تبحث عن غذائها, ولاتزال الحديقة تؤدي غرضها كمكان للتأمل وشفاء الروح. ويعلو الحديقة جسر متعرج يقود الى حقل من نباتات السوسن في ذروة نموها. وهي تمتد بعمق كاحل القدم في الماء وتتفتح ازهارها على سطحه بألوان يغلب عليها الابيض والارجواني والازرق. وتحتضن هذه الحديقة في كل عام حفلة يقيمها الامبراطور في فصل الربيع تكريما للعلماء ورجال الدولة والمواطنين العاديين الذين يقومون بأعمال استثنائية. وعندما تزهر اشجار الكرز على اطراف الخنادق المائية في الحديقة, في اشارة الى بدء فصل الربيع, يتدفق سكان طوكيو للاستمتاع بمناظر الازهار الخلابة والمنتزة تحت الاشجار وارفة الظلال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات