كتاب : هوتشي منه ، هكذا أشعلت حادثة خليج تونكين الصدام المباشر بين واشنطن وهانوي

بيان 2: قليلة هي الشخصيات السياسية التي أثارت جدلاً مثل هوتشي منه على امتداد العالم, فما من شك في ان ذلك الرجل البسيط النحيل, كان من طراز نادر للغاية, وكان بإجماع الآراء واحداً من الشخصيات السياسية، الأبعد أثراً في القرن العشرين, لكن حياته ودوافعه وقراراته بقيت ولا تزال إلى حد كبير, فمنذ وفاته في عام , 1969 وهو مثار خلاف عميق, وربما كان مما يزيد من صعوبة كتابة سيرة حياته الغموض الذي أحاط به وبقي كذلك قرابة عقدين من الزمان بعد مماته. لقد كان كثير من معاصري هوتشي منه ينظرون إليه باعتباره رجلا وطنيا يمارس تطبيق الثورة, وليس كمنظّر ثوري, ولم يكن هذا التمييز يزعجه على الاطلاق, بل انه في احدى المقابلات النادرة التي أجريت معه, أجاب ضاحكاً على سؤال حول السر في عدم اهتمامه بالايديولوجيات النظرية: لقد تركت ذلك لماوتسي تونج وكان هوتشي منه يفرض سرية مطلقة على أحداث حياته, وقد اقتضى الأمر سنوات طويلة كي يكشف النقاب عن أنه هو مؤلف كتاب عن سيرة حياته صدر في أواخر الخمسينيات تحت اسم مستعار, وعلى الرغم من مرور ثلاثة عقود على وفاته, فإن كثيراً من المعلومات التي أميط عنها اللثام, تبدو وكأنها صيغت لتخدم سياسة النظام الحاكم في تصوير هوتشي منه على انه أسطورة. كل هذا جعل كتابة سيرة حياة هوتشي منه أمراً بالغاً في صعوبته وتعقيده, ولذا فليس غريبا ان يستغرق تأليف هذا الكتاب أكثر من عشرين عاما, فالكاتب, وليام دويكير أمضى سنوات قليلة في سايجون في أواسط الستينيات, حيث كان يعمل في السفارة الأمريكية هناك, ثم استقال من وظيفته ليتفرغ للكتابة, وكان عليه قبل كل شيء ان يتجرد من مشاعره الشخصية كأمريكي, وان ينهج أسلوباً موضوعيا في تمحيص الوقائع وتحري دقتها, وفي أحيان كثيرة كان يضطر للانتظار سنوات عدة ريثما تفرج السلطات الفيتنامية عن بعض المعلومات المهمة, وفي نهاية المطاف نجح في اصدار كتابه هذا الذي يقع في حوالي 700 صفحة, ويكفي للدلالة على مدى الجهد المبذول في تقصي الحقائق ان الكتاب يضم نحو 110 صفحات من الملاحظات حول النقاط التي توجد مصادر متناقضة بشأنها. هانوي تفتح أبوابها من المهم الإشارة إلى ان هانوي فتحت أبوابها للكاتب, وأتاحت له فرصاً ذهبية في مراجعة وثاق ومستندات كثيرة, وفي التقاء الكثير من الأكاديميين والمؤرخين الفيتناميين, كما ان مصادر المعلومات التي توفرت في الأرشيفات السوفييتية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كان لها أكبر الأثر في انتاج هذا العمل الضخم, الذي يعتبر أفضل ما صدر عن هوتشي منه, الرجل النحيل الذي تحدى أعظم قوة على الأرض, ونجح في هزيمتها واذلالها بفضل عزيمة شعب صغير, فضرب بذلك مثلاً لبقية الشعوب, ووضع اسمه في سجل الخالدين, وقد سبق للمؤلف الذي تخصص في الشئون الفيتنامية ان ألف 11 كتابا حول فيتنام قبل كتابة هذا الماثل بين يدي القارئ. في الثاني من سبتمبر ,1945 شهدت هانوي عاصمة الامبراطورية الفيتنامية القديمة, التي تحولت مع الزمن إلى بلدة ريفية منسية, حدثا جعل منها خلال ثلاثة عقود من الزمن أشهر من العاصمة الأمريكية واشنطن, في ذلك اليوم خرج رجل هزيل, قصير القامة, يرتدي بذلة خاكية حائلة اللون, وينتعل حذاءً مطاطيا رخيصاً, وصعد منصة مرتجلة, ثم أخرج من جيبه أوراقاً, وأخذ في قراءة نص دستور الدولة الجديدة التي أعلن استقلالها. كان الرجل معروفا للألوف من الناس الذين احتشدوا لسماعه باسم (الوطني نجوين), وانه هو قائد حرب مقاومة الاحتلال الياباني, لكن حفنة ضئيلة من أتباعه المقربين كانوا يعرفون ان اسمه الحقيقي هو (هوتشي منه), الرجل الذي أسس الحزب الشيوعي الفيتنامي عام 1930. أما الغرباء الذين حضروا تلك المناسبة, وبينهم قليل من الأمريكيين, فقد أذهلهم وهو يعلن في مقدمة الدستور: (جميع البشر يخلقون متساوين, وقد أنعم عليهم خالقهم بحقوق معينة لا تقبل الجدل, ومن بينها حقهم في الحياة, وفي الحرية, وفي السعادة, ولم يكن الأمريكيون يدركون ساعتها ان ذلك الرجل سيغير وجه التاريخ في جنوب شرق آسيا, وأنهم سوف يذوقون على يديه أسوأ هزائمهم العسكرية. لم تكن فيتنام حتى ذلك التاريخ قد عرفت السلام الحقيقي بعد, بل ان تاريخها الطويل مليء بالحروب التي خاضتها دفاعا عن وجودها. وعلى الرغم من مجاورتها للعملاق الصيني, وما حمله ذلك على الدوام من تأثيرات تشمل كل جوانب الحياة, فإن فيتنام نجحت عام 1939 بالتخلص من الاحتلال الصيني وانشاء امبراطورية قوية بقيت قرونا طويلة تتأرجح بين التمدد والانكماش, حتى منتصف القرن التاسع عشر, عندما هاجمها الفرنسيون الطامعون في انشاء موطئ قدم لهم في المنطقة. وعلى الرغم من مقاومة استمرت أكثر من ثلاثة عقود, فإن الأمر استتب للفرنسيين عام ,1885 نظريا على الأقل, وتحولت فيتنام إلى مستعمرة فرنسية, وبهذا غدا مصيرها مثل بقية أرجاء ما يعرف باسم الهند الصينية, مع استثناء وحيد, هو مملكة سيام (تايلاند) التي حافظت على استقلالها, وانتشرت في المنطقة قوات من بريطانيا وفرنسا واسبانيا والبرتغال. على الرغم من استسلام السلطة الرسمية, وفرار الملك من عاصمته, فإن المقاومة الشعبية ضد المحتلين لم تتوقف, وفي مقاطعة نجي آن الجبلية الوعرة التي يعاني فلاحوها باستمرار من غضب العوامل الجوية, كانت المقاومة أعنف من غيرها, وفي خضم تلك المقاومة, ولد نجوين سنيه سان لأبوين فلاحين فقيرين, وفي سن الرابعة, فقد الطفل أبويه, فتولى أخوه غير الشقيق نجوين سنيه ثرو تربيته, وقد أغرم الصغير بالعلم, فكان يتسكع حول صفوف مدرسة محلية, يلتقط كلام المعلمين من النوافذ, فأتقن القراءة, واسترعى ذلك انتباه أحد المعلمين, فاهتم بالصغير, وما لبث ان زوجه احدى بناته, وفي عام 1890 رزق الاثنان بثالث أبنائهما, وهو نجوين سنيه كونج الذي عرف فيما بعد باسم هوتشي منه. البداية الصعبة كان اسم نجوين سينج كونج هو اسم الطفولة بالنسبة للصغير, فالتقاليد الكونفوشسية التي كانت متبعة في البلاد تقضي بإعطاء الصغار في سن معينة من طفولتهم اسما جديدا يعبر عن أماني الأبوين, وهكذا أعطي الصغير اسم نجوين تات ثانه (ويعني الذي سيحقق النجاح), وكان الطفل يتميز بذكاء حاد وفطنة لا يغيب عنها شيء, فكان يراقب باستمرار معاناة الفلاحين واضطرارهم للعمل في أكثر مهنة جانبية كي يسدوا رمق عائلاتهم, وقد حقق الطفل فعلا نجاحا متميزا في دروسه, وكانت مكافأته الكبرى حصول والده على الدكتوراه واستدعاءه إلى العاصمة للانضمام إلى حاشية الامبراطور. وبين العاصمة هانوي, ومدينة هوي التاريخية, أتقن الصغير اللغتين الفرنسية والصينية, ولمس مساوئ الاستعمار ومدى عمق الاضطهاد الذي يتعرض له الشعب الفيتنامي وخاصة طبقاته الفقيرة, فكان لذلك أبلغ الأثر على نشأته. شارك كونج في أنشطة مختلفة معارضة للوجود الفرنسي, وكان من نتائج ذلك ان فصل من الجامعة في عام 1908 بأمر من المخابرات الفرنسية, ووضع اسمه على القائمة السوداء بحيث انه فشل في العثور على عمل بعد ذلك, وتبع ذلك انتقال سريع إلى سايجون ومنها إلى البحار, عاملاً على متن سفن تجارية, وخلال ذلك أتقن الفرنسية وأخذ يكتب وينشر في مطبوعات فرنسية عدة, وفي عام ,1911 انتهى به المطاف إلى مدينة مرسيليا, وهناك عبر عن أول انطباع له عندما خاطبه أحد الخدم في المطعم بلفظة (سيدي) ان قال: يبدو ان الفرنسيين في فرنسا أفضل وأكثر أدباً من الفرنسيين في الهند الصينية, وهناك كتب أيضا رسالة للرئيس الفرنسي يطلب فيها مساعدته لمتابعة دراسته في باريس, لكن طلبه قوبل بالرفض. كانت كراهية الاستعمار واضحة في كتاباته آنذاك, لكنه لم يكن يدرك السبيل الصحيح للخلاص منه, وكان يسعى جاهدا للتعلم, فتنقل على مدى السنوات القليلة التالية ـ على ظهر السفن ـ في بلاد عدة, وزار شمال أفريقيا والهند والسعودية ودولا أفريقية عدة, وكان أهم دروسه في جولاته ان الاستعمار يتماثل سوءاً حيثما كان, ومن الثابت عبر بطاقتين بريديتين تحملان خاتم بريد نيويورك انه زار الولايات المتحدة عام ,1912 وهناك اكتشف حجم النفاق الواضح في دولة أطلقت مبادئ حقوق الانسان, وفي الوقت نفسه تعامل السود هناك أسوأ معاملة ممكنة, ومن الواضح ان جولاته تلك أسهمت كثيرا في بلورة تفكيره. أمضى هوتشي منه سنتين في بريطانيا, وعاد إلى فرنسا عام 1917 ـ خلال الحرب العالمية الأولى ـ وكانت المخابرات الفرنسية تتابعه مثل ظله, بعد ان اكتشفت بالصدفة بعض رسائله الثورية لصديق له, لكن ذلك لم يمنعه من الانخراط في أنشطة متنوعة, شملت القاء الخطابات وتوعية الجالية الفيتنامية في فرنسا, وكانت تضم أكثر من خمسين ألفا, وما ان حل عام 1919 حتى غدا اسم نجوين تات ثانه على كل لسان. وفي عام ,1920 نشر لينين مقالاته الشهيرة حول قضايا الوطنية والاستعمار, فكان لها الأثر الأول في تحويل ثانه من مجرد وطني إلى ماركسي ثوري, ومن الملاحظ خلال تلك المرحلة ان اهتمام ثانه بالأمور النظرية لم يكن كبيرا, والشيء الوحيد الذي كان يهمه هو موقف الأحزاب من قضية بلاده واستقلالها, وقد اضطر آنذاك للعمل تحت اسم مستعار تجنبا لملاحقة رجال الأمن. وقد اضطر للاختباء فترات طويلة انهمك خلالها في قراءة الأدبيات الشيوعية, وأخذ مع بداية العام الجديد يكتب حول كون تطبيقها في دول اسيا الفقيرة أسهل بكثير من تطبيقها في دول أوروبا المتقدمة صناعيا, وكان من الطبيعي في مثل ذلك الجو ان ينضم للحزب الشيوعي الفرنسي وفي عام 1923 قرر قطع علاقته نهائيا مع دعاة الاصلاح من الداخل والحل السلمي لمشكلة الاستعمار, وقبل دعوة من الاتحاد السوفييتي للعمل في الكومنترن. وفي موسكو التي كانت قد بدأت تتعافى من الحرب الأهلية التي أعقبت استيلاء الشيوعيين على السلطة سطع نجم الثوري الفيتنامي بسرعة, وحقق في السنة نفسها أول انتصار له عندما نجح في ادخال تعديلات نظرية تتلاءم مع أوضاع دول آسيا الفقيرة التي يشكل الفلاحون معظم سكانها, وهكذا أصبح الفلاحون من أعمدة العمل الشيوعي, بعد ان كان الأمر في مطلع الثورة البلشفية محصوراً بالعمل, وقد استفاد ثانه من النواحي النظرية كثيرا بعد التحاقه بجامعة للشغيلة الشرقيين, حيث تعلم الروسية وقرأ مئات الكتب, كما أتيحت له فرص اللقاء ببعض من أصبحوا فيما بعد من أشهر الشخصيات العالمية, وكان بينهم نيكولاي بوخارين, والبلغاري جويرجي ديمتروف, وشواين لاي رئيس وزراء الصين فيما بعد, وفي نوفمبر ,1924 أرسل ثانه إلى الصين لبدء التخطيط لعمل ثوري في الهند الصينية, فكانت تلك البداية الحقيقية لحياته النضالية.. بعد أربعة أعوام, أسس ثانه رابطة الشبيبة الثورية التي ارتفع عدد أعضائها العاملين سرا في فيتنام وما جوارها من 300 إلى 1700 بعد عام واحد, لكن تطور الأحداث في الصين, وانشقاق الحركة الوطنية إلى تيارين واستغلال شيانج كاي تشيك الفرصة لفرض السيطرة بالقوة على البلاد, وقمع التيار الشيوعي, دفع ثانه للهرب إلى هونج كونج, تاركا وراءه زوجته التي كان قد تزوجها قبل ذلك بقليل, فيما لقي عدد من أتباعه مصرعهم على يد قوات تشيك. ومن هناك وعلى الرغم من انه أصبح على رأس لائحة المطلوبين للمخابرات الفرنسية, عاد ثانه إلى باريس متخفيا ليعود منها إلى تايلاند عام ,1928 وهناك تنكر في زي راهب باسم الأب تشين, وبقي نحو عامين في بلدة باندونج حيث تعيش جالية فيتنامية كبيرة, وقد نجح خلال ذلك في نشر الوعي السياسي بين أفراد الجالية, فيما كان رفاقه يواصلون بناء التنظيم داخل فيتنام وخارجها, إلا ان كل تلك الجهود انهارت بعد عام نتيجة صدام محتم بين الاتجاه الشيوعي والاتجاه القومي, وتبع ذلك انقسام الشيوعيين إلى حزبين, مما اضطر ثانه للعودة إلى كانتون الصينية عام 1930 حيث أعاد توحيد المنشقين تحت اسم الحزب الشيوعي الفيتنامي. وفي العام نفسه لقي القوميون نهاية أليمة عندما بدأوا ثورة سيئة أو عديمة الاعداد ضد الفرنسيين, وكانت النتيجة كارثة, إذ أبيد الثائرون في أول معركة, وأعدم العشرات من قادتهم, وترك ذلك المجال مفتوحا أمام الحزب الجديد, وتركت الممارسات الفرنسية وقيام الادارة الفرنسية في فيتنام بالترويج للأفيون في كل قرية أثراً دفع العشرات للبحث عن الخلاص في صفوف الحزب الشيوعي الفيتنامي, وفي عام 1931 كانت صفوف الحزب تضم أكثر من 70 ألفاً من الأعضاء الفلاحين. شهادة الوفاة الأولى في عام 1931 وحدت بريطانيا وفرنسا جهودهما للقضاء على الحركة الدولية الناشطة التي بدا انها تهدد مصالحهما في المنطقة, وشنت أجهزتها حملة اعتقالات واسعة الناطق في كل مكان, وكان ثانه الذي غير اسمه للمرة الثالثة إلى نجوين أي كوك, بين من اعتقلوا في هونج كونج, وفيما وصفته فرنسا بأنه (خطر دولي) طلبت تسليمه إليه, لكن بريطانيا التي واجهت ضغوطا دولية, أطلقت سراحه وأمرته بمغادرة هونج كونج, في الوقت الذي كان عملاء الاستخبارات الفرنسية يضيقون الخناق عليه, ولتفادي الوقوع في الفخ, أشاع أصدقاؤه, أنه مات في السجن بمرض السل, ونشرت صحيفة بريطانية يسارية خبر وفاته في 11 أغسطس ,1932 بينما كان هو يتوجه إلى موسكو ليقضي ست سنوات, ويعود بعدها إلى الصين. أمضى كوك وقته في الصين في إعادة تنظيم الحزب الشيوعي الفيتنامي الذي أصبح في نهاية الحرب العالمية الثانية القوة المسيطرة على الريف الفيتنامي, وكان بين القادة الذين اختارهم كوك انذاك من سيكسب شهرة عالمية مثل فونجوين جياب, القائد العسكري الفذ الذي ألحق بالفرنسيين أسوأ الهزائم فيما بعد, وأخرجهم من فيتنام, كما شارك كوك في الحرب التي خاضتها القوات الشيوعية الصينية ضد الاحتلال الياباني خلال الحرب. وفي أغسطس 1945 نظم الحزب حركة عصيان مسلحة ضد اليابانيين الذين كانوا يواجهون مشكلة في أعقاب استسلام طوكيو, وفي أقل من أسبوعين نجحت في السيطرة على جميع مقاطعات فيتنام, بعد صدامات دامية أحيانا, وكان آخر انتصار يتم تحقيقه في مدينة سايجون التي أعلنت (مدينة هوتشي منه المحررة) وهذا هو الاسم الرابع الذي يتخذه ثانه. ومن الملاحظ في تلك الحقبة ان هوتشي منه أقام صلات وثيقة مع الأمريكيين الذين كانوا يمدونه بالسلاح في سبيل محاربة قوات الاحتلال اليابانية, كما يلاحظ أيضا ان الفيتناميين أخذوا ينظرون إلى القائد الجديد, و (رئيس لجنة التحرير) نظرة فيها كثير من التقدير بعد سلسلة النجاحات التي حققها, والتي لم يكن أحد يحلم بها, لكن قلائل كانوا يدركون آنذاك ان تلك النجاحات والانتصارات لم تكن سوى مقدمة لحوالي ربع قرن من المعارك المتواصلة التي ستخلف وراءها مئات الآلاف من القتلى ودماراً لا يمكن وصفه. المصاعب تتوالى واجهت الحكومة التي شكلها هوتشي منه سلسلة مصاعب متلاحقة, منذ أوائل أيامها في السلطة. فالصين التي كان يحكمها آنذاك تشانج كاي تشيك لم تكن لتقبل بقيام حكم يساري مستقل عند خاصرتها الجنوبية الشرقية. ولذا سارعت بارسال قوات احتلت هانوي, تحت زعم انها جاءت لتتسلم أسرى الحرب اليابانيين. والولايات المتحدة نفضت يدها من المسألة, ودفعت تعهداتها عبر اعلانها انها لا تعارض (حق) الفرنسيين في حكم الهند الصينية. والبريطانيون الذين أرسلوا قوات لمنع اقتتال فيتنامي ــ فرنسي, وجدوا ان قواتهم لا تفي بالغرض, فاستخدموا أسرى الحرب اليابانيين. وفي ضوء الفوضى الناجمة التي ذهب ضحاياها كثيرون, أخذ الفرنسيون يستعيدون سيطرتهم على الجنوب, في الوقت الذي قرر هوتشي منه الغوص في التراث الفيتنامي القديم, الذي يعتبر ان النصر النهائي لا يتحقق سوى عبر حرب طويلة الأمد. وكان ذلك أمرا في غاية الأهمية بالنسبة لاستراتيجية التحرير, مع تفوق القوات المعادية بكثير, عدة وعددا, وهي صينية في الشمال وفرنسية في الجنوب. وحاول هوتشي منه كسب ود الإدارة الأمريكية, غير عالم بأن الصراع بين أنصار أوروبا المستعمرة وأنصار آسيا المستقلة في وزارة الخارجية الأمريكية قد حسم لمصلحة أوروبا. وفي وجه ذلك, اضطر هوتشي منه لتوقيع اتفاقية مع فرنسا تعترف الأخيرة فيها بجمهورية فيتنام الديمقراطية, ويسمح هو مقابل ذلك بوجود فرقة تضم 15 ألف جندي فرنسي. كما وقع معاهدة لوقف الأعمال المسلحة ضد فرنسا خلال زيارة لباريس دامت شهرين, وأساءت لسمعته كثيرا, خاصة وان المعاهدة لم تعمر أكثر من أيام قلائل, حيث اشتدت الهجمات ضد قوات الاحتلال, وأخذت شكل حرب عصابات. ورد الفرنسيون باحتلال ميناء هايفونج, بعد معركة دامت أياما وسقط فيها آلاف الضحايا المدنيين. سيطر الفرنسيون على الشمال والجنوب, لكن الوسط الضيق الذي يمتد 300 كيلومتر, ويمتاز بأحراشه الكثيفة, بقي بيد القوات الفيتنامية. وفي عام ,1948 قرر هوتشي منه توسيع ميدان الصراع وتحريك المقاومة الوطنية ضد الفرنسيين في لاوس وكمبوديا. وفي تلك الأيام التي شهدت جذور الحركة المكارثية المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة, اشتدت المخاوف من تدخل واشنطن في الحرب لمصلحة فرنسا. كما ان انشغال موسكو باعادة الاعمار بعد الحرب, وبتنظيم أمور دول أوروبا الشرقية, لم يترك مجالا أمام هوتشي منه غير الاتجاه شمالا نحو بكين, طلبا للعون, خاصة بعد انتصار ماوتسي تونج في حربه الطويلة ضد تشانج كاي تشيك, وهرب الأخير إلى تايوان. وقد تقبلت الصين التقارب مع فيتنام بالترحاب, واعترفت بحكومة هوتشي منه ممثلا وحيدا للشعب الفيتنامي. ولم تلبث موسكو أن حذت حذو بكين, بعد أن أخذت المخاوف تنتابها من توسع النفوذ الصيني. ويروى ان ستالين الذي كان يخشى النزعة القومية المتطرفة لهوتشي منه, استقبله في تلك الفترة, وقاده إلى حجرة فيها كرسيين, وقال له: هذان الكرسيان أحدهما للقوميين والثاني للدوليين (نسبة للاشتراكية الدولية), فعلى أيهما ستجلس؟ فرد هوتشي منه قائلا: يا رفيق ستالين, سوف أجلس على الكرسيين معا! ومما لا شك فيه ان اتفاق هوتشي منه مع ماوتسي تونج كان حاسما في الانتصار الذي تحقق بعد عقدين من الزمن. فعلى اثره, تدفق آلاف الجنود الفيتناميين نحو الصين حيث أخضعوا لدورات تدريب مكثفة, وأعيد تسليحهم, ثم أرسلوا ثانية للانضمام إلى وحدات جديدة, مؤهلة تماما لخوض المعارك المقبلة. وسرعان ما تبين اثر ذلك في الهجمات التي شنتها القوات الفيتنامية على المراكز الحدودية الشمالية فاضطر الفرنسيون لاخلائها مخلفين وراءهم مئات القتلى والجرحى وآلاف الأطنان من الذخائر. وتبع ذلك كر وفر, وانتصارات وهزائم, ثم تغييرات حتمية في الاستراتيجية العسكرية, وتصاعد في أهمية الدور الصيني, واستبدال لا يتوقف للقادة العسكريين الفرنسيين على أمل كبح جماح الثورة الذي أصبح واضحا انه أفلت من عقاله. في تلك الفترة المهمة من تاريخ النضال الفيتنامي, تزايد دور هوتشي منه, وأصبح يرى في كل مكان. فهو لم يعد المخطط الاستراتيجي للحرب فحسب, بل هو المسئول عن تعبئة الجماهير. وكان في كل ذلك معروفا ببساطته اللامتناهية. وكثيرا ما كان يشاهد مرتديا بذلته الخاكية المهترئة ومنتعلا حذاءه القماشي المطاطي الأزرق. وكانت رؤيته تكفي لاشعال الحماس في قلوب الآلاف من أتباعه. وكان لا يزال قادرا على قطع حوالي 50 كيلومترا في اليوم على قدميه, يتنقل من قرية لأخرى, ومن ميدان لآخر, من دون أن يقعده مرض أو تعب. وكان عليه أن يفعل الكثير على الصعيد الاجتماعي بين 1950 و,1953 وهي فترة كادت أن تنضب فيها موارد الثورة البشرية والمادية, مما استدعى تطبيقا أشد حزما للاصلاح الزراعي واعادة توزيع الأرض على الفقراء, بحيث لا يفتر حماسهم للثورة وتطوعهم للقتال. وفي ,1953 توقف اطلاق النار في كوريا, بعد حرب طويلة كلفت الصينيين الكثير. وكان لابد لهم, للتعويض عن النكسات التي واجهوها هناك من التعويض في مكان آخر. ومن الطبيعي أن يقع الاختيار على فيتنام لأسباب عديدة. وهكذا, ضاعفت بكين من دعمها العسكري بالمعدات للثوار الفيتناميين, وخاصة بالمدفعية الثقيلة على أمل تحقيق نصر كبير, يجبر الفرنسيين على التفاوض. وفي مطلع عام ,1954 بدأ الهجوم الكبير على قلعة ديان بيان فو التي سقطت في السادس من مايو, بعد أن خسر المدافعون الفرنسيون 1500 قتيل و4000 جريح و11000 أسير. ولم يتمكن سوى 70 جنديا من الفرار. وفي اليوم الثاني بدأت محادثات وقف اطلاق النار, وهي المحادثات التي برزت فيها جليا نية الولايات المتحدة في التدخل في المنطقة. وعلى الرغم من ان المحادثات التي عقدت في جنيف, بمشاركة واشنطن ولندن وبكين وفيتنام توصلت إلى اتفاق يتيح تقسيم البلاد عند خط العرض 17 وبصورة تسمح للفرنسيين بحفظ بعض ماء الوجه, فان وزير الخارجية الأمريكي آنذاك, جون فوستر دالاس, أعلن بعد المؤتمر ان بلاده سوف تقاتل للحفاظ على مصالح الغرب في جنوبي فيتنام وكوريا وغيرهما من مناطق الهند الصينية. وقد بدأ التدخل الفعلي في خريف ,1954 عندما اكتشفت واشنطن فجأة ان لها مصالح أمنية في جنوبي فيتنام, وذلك بعد الانسحاب الفرنسي المهين من هناك. الصدام مع الأمريكيين أمضى هوتشي منه السنوات الخمس التالية مراقبا ومشرفا على عمليات الاصلاح الاقتصادي والزراعي والثورة الثقافية. وفي ,1959 قررت هانوي ان اعادة توحيد الشمال والجنوب يجب أن يحظى بالأهمية القصوى. وما ان حل عام ,1961 حتى أصبحت قوات الثوار الجنوبيين تعد أكثر من 15 ألف مقاتل صاروا معروفين باسم الفييت كونج. وفي عام ,1964 أشعلت حادثة خليج تونكين, حيث هاجمت القوارب الحربية الفيتنامية السفن الحربية الأمريكية التي كانت تتجول بصورة عدوانية في المنطقة, أشعلت نار المواجهة المباشرة بين هانوي وواشنطن. وبعد عام بدأت القوات الأمريكية تتدفق إلى فيتنام الجنوبية, وانطلقت الطائرات الأمريكية تشن غاراتها المدمرة على شمالي فيتنام. واستعملت واشنطن كل أنواع أسلحة الدمار الشامل المحظورة دوليا, سلاحا بعد سلاح. لكن الفساد كان قد استشرى في أوصال السلطة العميلة في سايجون, بحيث أصبح عبء المواجهة يقع مباشرة على عاتق القوات الأمريكية. وكان هذا يعني زيادة متواصلة في الخسائر الأمريكية. كان هوتشي منه آنذاك يحقق النجاح في رأب الصدوع في العلاقات بين هانوي وموسكو, ثم هانوي وبكين. وكان في الوقت نفسه يقابل المبعوثين الأمريكيين الساعين لوقف المعارك. ولم يمنعه سنه عام ,1967 البالغ 77 عاما, من وضع خطة هجوم تيت الكبير الذي شمل كل أنحاء جنوبي فيتنام, واحتل الثوار خلاله الطابق الأرضي من مبنى سفارة الولايات المتحدة في سايجون. وعلى الرغم من ان الهجوم لم يحقق هدفه الأساسي, وهو الدفع باتجاه قيام ثورة شعبية شاملة تطيح بالعملاء والأمريكيين في وقت واحد, فإن آثاره على الوضع الداخلي الأمريكي كانت بالغة, وأثارت موجة عارمة من العداء للحرب وللتدخل الأمريكي فيها. لكن صحة هوتشي منه أخذت في الاعتلال منذ منتصف عام 1969. وكان ذلك طبيعيا, لان الرجل لم يسمح لنفسه بالراحة يوما واحدا على مدى أعوام النضال الطويلة, إلا عندما كان المرض يقعده ــ وذلك في مناسبات نادرة. وفي الساعة 45.9 من صبيحة الثاني من سبتمبر ,1969 توقف قلبه فجأة, ولم يكتب لذلك القائد أن يعود إلى المدينة التي مازالت تحمل اسمه بعد أن تلقى الأمريكيون فيها أسوأ الهزائم المسجلة في تاريخهم.

تعليقات

تعليقات