المقاصب العراقية بؤرة لتفشي الأمراض المعدية واللحوم الفاسدة

بيان (2) : في احدى قرى قضاء الفلوجة, ماتت بقرة احد الفلاحين بعد صراع مع مرض مجهول دام عدة ايام .. قامت الدنيا وقعدت, بكاء وعويل وتهديد بالطلاق من الزوج لاهمال الزوجة, فقد تهدم واحد من اركان البيت .. بقرة ثمنها نصف مليون من الدنانير, ومعينا لاينضب للحليب والجبن (الثمين) واللبن الرائب والدهن الحر! انسلخ صاحب البقرة قليلا عن حزنه الرهيب مفكرا مستحيل ان تصبح بقرتي (فطيسة) وتضيع الخمسمئة الف دينار كلها. . ثم اسرع بجلب افضل سكين عنده ونحر البقرة الميتة ليبيع لحمها في احد مقاصب السوق القريب, ليستعيد ثلاثة ارباع ثمنها تقريبا, مما سيمكنه من شراء بقرة جديدة .. صفقة رابحة يستحقها الفلاح ذو العقلية التجارية المتوقدة. ولكن الطبيب البيطري وجم طويلا حين فحصها قبل موتها, ولم ينجح في تحديد نوع المرض, بل اكتفى بالتحذير منه واخذ عينات من دم البقرة لفحصه مختبريا المهم ان اللحم تم بيعه الى قصاب قريب لا اجازة له بالتأكيد, ولم يفحص اللحم او يتم ختمه كما يحصل في المجازر, ولم يتعب الزبون نفسه بالبحث عن الختم او السؤال عن مصدر اللحم, فالقصاب (ثقة), وهو يجد الفلاحين (ثقة) ايضا والامراض تنتشر بسرعة كبيرة ولا احد يعرف اسباب اغلبها في العراق, وضحيتها في الغالب اشخاص لم يؤهلهم معدلهم العمري للوفاة السريعة المفاجئة ... على كل حال, الفلاحون مازالو يبيعون (الفطائس) والزبائن يشترون, والموت يبسط جناحيه لسبب او غير سبب على فئات عمرية مختلفة, وما زالت الذبائح معلقة في كل مكان لدى قصابين هواة وحديثي مهنة ممن لا يمتلكون محلات مرخصة او اجازات, بل يمارسون هوايتهم في الهواء الطلق عند تقاطعات الطرق الزراعية او في المحلات الشعبية, ومادتهم للاسترزاق لحوم لا يعرف اصلها وكيفية وصولها اليهم. قبل ان يصل الراكب او السائر الى مجزرة الشعلة بحوالي مئة متر او اكثر, تستقبله الروائح الكريهة, ويرحب به الذباب اجمل ترحيب, واذا كانت عيناه فضولية كعين الصحفي فسيثير فضولها منظر النساء اللواتي افترشن الارض ليعرضن بضاعة قوامها (المصارين) و (الفشافيش) و (المعاليك) و (الباجة) والصبية والرجال الذين اشعلوا النيران تحت براميل كبيرة وامضوا النهار في (سط) الباجات وتنظيفها من الشعر, ثم تقطيعها بالساطور بطريقة مرعبة وقد تتابع العين رغما عنها اطفالا صغارا يحملون بقايا ذبائح او احشاء تسيل الدماء منها. اما للاتجار بها او لايصالها الى سيارة التاجر لقاء مبلغ ما .. المكان عبارة عن فوضى لا يرى منها سوى لون الدم والذباب ولا يشم منه الا رائحة تزكم الانوف. تقدمنا قليلا الى حيث يجري (ختم) الذبائح. وبالرغم من وجود اربعة اطباء بيطريين يقومون بالفحص الا انهم باعتقادنا ليسوا كافين للاحاطة بالعمل على اتم وجه, اذا ما علمنا ان عدد الاغنام التي تجزر كل يوم في هذه المجزرة تقرب من 1200 رأس, ويجزر من البقر 90 رأسا تقريبا. ولابد ان يمر كل رأس بفحص دقيق قبل الجزر وبعده, لكيلا, تمرر على الطبيب عدد من الاناث مثلا وهي ممنوعة من الذبح نهائيا وفقا للقانون. يقول الطبيب البيطري (محمد عبدالله). ــ ان سلاحنا للقضاء على المخالفات هو الختم, فاذا حاول صاحب الحيوان او القصاب تجاوز دوره في طابور الجزر يمنع عن ختم اغنامه او ابقاره المذبوحة وبذلك لا يمكنه بيعها بسهولة وقد تصادرها الرقابة لعدم وجود ختم. انهم يذبحون الاناث لم يكن يبدو على حامل الختم انه طبيب او حتى موظف داخل المجزرة, فهو فتى لا يتجاوز عمره السادسة عشرة, ولا نعتقد انه قادر او يمتلك الوقت لتمييز الذبيحة الانثى عن الذكر .. كل شيء يجري بسرعة واحيانا يمرر على الطبيب البيطري عدد من الاناث بعد جزرها, من خلال خلط القسم العلوي (الاكتاف) من الذبائح الذكور وتسريب النصف السفلي من خلال وضعه داخل المركبة اسفل اللحوم المختومة .. هذه احدى مخالفات المجزرة, وهناك غيرها كثير بالتأكيد فقد حدث موقف امامنا حين قام الجزارون بذبح رأس غنم في القاعة وهو قادم من خارج المجزرة دون ان يخضعه الى فحص طبي قلنا للطبيب: * هذا الرجل لم يفكر حتى في دعوتكم لفحص الخروف؟ ــ ذهب الطبيب البيطري لمعاينة الموقف ثم عاد ليطمئننا قائلا: ــ لقد منعت ختم الحيوان وهددت صاحبه بالامتناع عن ختم جميع ذبائحه اذا ما عاود سلوكه ذاك. * واذا كرر المخالفة؟ ــ سنحيله الى محكمة تابعة لصحة بغداد تتولى مسئولية اتخاذ ما يلزم بحقه .. لعل رصدنا للحالة ساعد على منع خطرها هذه المرة فكم من حالة لم يرصدها احد او يمنعها طبيب. يقول الطبيب (باقر عبدالكريم): ــ صحيح ان عقوبتنا ليست مقنعة لكم, ولكن ماذا نفعل ونحن نتعرض الى اعتداءات من الجزارين, وقد يستعملون فيها احيانا ادواتهم (القتالية) ولا يوجد اي حماية امنية للمجزرة, فمركز الشرطة الاقرب الينا يبعد مسافة تزيد على الكيلومترين, وعندما تحدث حالة اعتداء لا تصل الشرطة الا بعد ان يكون الجزار قد انتقم من الطبيب والعامل بالصورة التي تعجبه, وفر هاربا. في مجزرة (الدورة) العصرية, كان المذبح نموذجيا, ولا وجود للمخالفات كما يحدث في (الشعلة), لكن هناك شكاوى من الاطباء انفسهم .. يقول الطبيب البيطري (محمد جميل): ــ يصاب الاطباء والعاملون في المجزرة بامراض كثيرة كالسل وحمى مالطا والأمراض الفيروسية والجلدية التي تنشأ بسبب الاحتكاك باللحوم, وامراض العيون, بل اننا نحمل التلوث الى بيوتنا, ومع ذلك فان رواتبنا غير مجزية, وبدل العدوى بقي 15 دينارا, وفي وقت يحسب كل شيء فيه بالالاف. * لابد انكم تتعرضون لاغراءات من قبل القصابين لقاء تمرير مخالفاتهم؟ ــ هذا صحيح, ولا اقول لكم ان ذلك لم يدفع البعض الى نسيان ضمائرهم والاستسلام لاغراء النقود,لكن هذا الوضع كان سيختفي لو منحت لنا رواتب جيدة وحوافز ومكافآت كبقية موظفي الدولة. خارج المجازر لنغادر المجازر النموذجية وغير النموذجية ولنخرج الى الهواء الطلق حيث يجري ذبح المواشي دون خوف من ختم او فحص ويحدث هذا في اماكن بعيدة نوعا ما عن اعين الرقابة التي لا (تراقب) الا ما تحت عينيها. اردنا اولا ان نعرف اسباب ذبح المواشي بهذه الطريقة فهل المرض هو السبب الوحيد لذلك. * يقول الجزار (حمزة مطلوب): بسبب منع ذبح اناث المواشي فقد اضطر البعض الى ذبحها خارج المجازر لغرض تهريب ارحامها الى خلف الحدود بسبب صعوبة تهريب المواشي نفسها وقد يحدث هذا الذبح في البيوت ايضا او محلات الجزارة وبشكل سري .. ومن الاسباب الاخرى وجود مواشي مصابة بمشاكل تناسلية او كبيرة السن او مصابة بكسور وغير ذلك .. كما ان تاجر الجملة والمربين او الوسطاء يشترطون بيع الاناث مع الذكور, لذا فالجزار عند شرائه (مجموعة بالجملة) يقوم بنقلها الى المجزرة مباشرة, وهنا يتعرض للعقوبة او المنع, لذا فهو يعزف عن ذبحها في المجزرة ويبيع ما يذبحه خارج المجزرة بختم او بدون ختم, فليس كل الناس يبحثون عن الختم عند شراء اللحم, كما ان الرقابة (ليس لها الوقت او القدرة) على مراقبة جميع محلات الجزارة وتأشير الحالات المخالفة, لانه امر صعب التحقيق. ومن الاسباب الاخرى البعد عن المجازر الرسمية كما يحدث في الارياف, ثم ان (الدوارين) الموجودين بكثرة في الاحياء الشعبية خاصة يغرون الجزارين بالشراء والذبح والبيع دون اللجوء الى المجزرة, وهكذا انتشرت (الجوبات) غير القانونية في اماكن مختلفة من بغداد والمحافظات وصار القصاب يشتري الحيوان المريض وغير المريض مقابل اغراء السعر الاقل الذي يقبل به المربي خشية على حيوانه من التحول الى مجرد (فطيسة) لا سعر لها. في واحدة من الساحات العديدة المنتشرة في بغداد تجولنا دون اظهار الهدف وراء جولتنا, فقد خشينا على انفسنا من (الطريقة الودية) التي يتعامل بها الجزارون مع من لايعجبهم التعامل معهم .. علمنا بان المجزرة كانت في الاساس قطعة ارض استأجرها احد المواطنين من امانة بغداد لغرض بيع وشراء الماشية واستخدامها كمرآب للسيارات الا انه سرعان ماحولها الى ساحات للذبح الجائر للحيوانات المريضة والميتة والامهات والحوامل وصغار الحملان, وغير ذلك من المخالفات .. وعلمنا ايضا ان معدل الجزر فيها قد يصل يوميا الى الالف رأس, وربما يزيد على هذا الرقم .. لقد رأيناهم يجزرون الحيوانات على ارض مليئة بالاوساخ والدماء والاطيان وكل قصاب حجز مكانا خاصا به حتى تعذر السير بينهم ... ويزيد الطين بلة انتشار النساء الجالسات على الارض الرطبة القذرة وهن يفترشن بضاعتهن من الكروش وارجل الحيوانات والرؤوس والمصارين. * يقول المواطن (حسين صالح): انا افضل ان ارى الحيوان وهو يذبح امام عيني خشية ان يستبدل او يتعرض للسرقة كما ان نقله الى المجزرة فيه صعوبة كبيرة لذا اجلبها هنا لذبحها خلال دقائق وتحت اشرافي. * لكن المكان مليء بالجراثيم والامراض؟ ــ ومن قال ان المجزرة الرسمية افضل؟ * لكن هناك اطباء واختام؟ ــ لا يغرنكم ذلك, فهم يمررون اغلب المخالفات لقاء (المعلوم). * هل تذبحون الاناث؟ ــ نعم, كما يفعل الجميع. * والحيوانات المريضة؟ ــ احيانا .. * ايهما افضل, ان يشتري المواطن اللحم وهو مرفوع على الاعمدة, ام يشتري الحيوان ويذبح امامه؟ ــ الاختيار الثاني هو الاسلم بالتأكيد, لان بعض اللحم الموجود هنا (مغشوش) ومن يدري, ربما يكون لحيوانات ميتة او مريضة, وهذا ما يحدث يوميا. من المسئول بعد السؤال والتقصي, علمنا ان المسئولية المباشرة عن هذه الحالات هي وحدة الرقابة والتفتيش في شعبة المجازر في الهيئة العامة للبيطرة. التقينا الدكتور ( سالم عبدالسلام) المسئول عن الوحدة فقال: ــ تنقسم الشعبة الى قسمين, شعبة داخل المجازر الرسمية المجازة حيث تم تنسيب اطباء للفحص قبل الجزر وبعده, والقسم الثاني شعبة الرقابة التي تتكون من ثلاثة اطباء وثلاثة رجال شرطة وسيارة عاطلة. * ماهي مهام عملكم؟ ــ نحن مسئولون عن جميع المجازر ومحلات القصابة التي تصل الى ستة الاف محل منها اربعة الاف محل مخالف وغير مجاز صحيا وجولاتنا مفاجئة وتتركز على محال القصابة واصحاب (الكنارات) (الاعمدة التي ترفع عليها المواشي المذبوحة) والمجازر الطارئة .. * هل تعرفون اماكن التجمعات واصحاب (الكنارات)؟ ــ المجازر الجماعية معروفة, لكن (الكنارات) متفرقة, وبما اننا نخرج عليهم مع لجنة طوارىء فلديهم راصدون يعلمون بقدومنا مباشرة, ويهرب الجميع, اما اذا كانت قوتنا قليلة فيتعدون علينا. * ماهي حدود صلاحياتكم؟ ــ مصادرة اللحوم, اما الغرامة فهي قليلة جدا ثلاثة الاف دينار, لذا لابد من زيادتها. * ماهي نتائج جولاتكم؟ ــ مصادرة كميات كبيرة من اللحوم, وذات مرة صادرنا بقرة مريضة, ومرة اخرى صادرنا نعجة ميتة كانوا على وشك ان يذبحوها, وعجلا عمره يوم واحد. * هل تنتهي المخالفات بذلك؟ ــ ابدا فسرعان ما يعود كل شيء لاصله. * لماذا؟ ــ لان قواتنا قليلة وامكانياتنا ضئيلة. * وما الحل؟ ــ توفير سيارات حديثة, ودعمنا بالاطباء والشرطة ومنحنا صلاحيات اكبر كالغلق الفوري من دون اللجوء الى الروتين. * اللحوم غير الصالحة ... ما مصيرها؟ ــ الحرق وبيع الصالح للموظفين. * كيف يمكن معرفة لحوم الحيوانات الميتة؟ ـ من خلال لون اللحم الذي يكون احمر بسبب عدم خروج الدم منه لتوقف قلب الحيوان, ونحن نعرفه عندما نراه. * ماهي مضاره؟ ــ التسمم وتدهور صحة من يأكله. * هل هناك مقترحات لايقاف خطر المشكلة؟ ــ يمكن مثلا تحديد تجمعات الحيوانات خارج المناطق السكنية ومحاسبة المخالفين, ومحاسبة المواطنين الذين يربون الحيوانات داخل المنازل في المدينة لما تسببه من امراض مختلفة وضرورة اتخاذ اجراءات حازمة ضد مالكي الدور او مستغليها لذبح المواشي. يضاف الى ذلك تقديم الدعم المادي والمعنوي للمربين وتوفير الاعلاف واحياء مشاريع تربية المواشي لسد حاجة السوق منها وعدم الاكتفاء بالغرامة ومصادرة اللحوم بالنسبة للمخالفين بل معاملتهم (كمجرمين) في حق شعب يعاني من ويلات الحصار ويحاصر في الداخل ايضا بمثل هذه الظواهر التي تضاعف من عدد الامراض المنتشرة في العراق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات